نكبه الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر وأمر به فقطعت يداه جميعًا لجناية جناها أو تجناها هو عليه، فما ارتاع لما أصابه. وحكي عنه أنه عصب يديه إثر قطعهما وانصرف إلى ديوانه فجلس لخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لم يعزلني وإنما عاقبني لجنايتي! فجعل الناس يعجبون منه، وكان جلدًا حازمًا ضابطًا داهيةً فصيحًا، فلما بلغ ذلك الحاكم استعظمه له، وشرف به لديه، ورق على فظاظته لما نزل به، فرقاه إلى الوزارة، وإنما كان قبل في أحد الدواوين، فوزر له بقية أيامه، ثم لأبنه الظاهر مدة ولايته ثم لأبنه المستنصر ابن الظاهر نحوًا من ثماني سنين.
وأراد المعز بن باديس الصنهاجي صاحب القيروان مكايدته، فجعل يكاتبه
[ ١٩٩ ]
مستميلًا له ومعرضًا بالتحدث معه على بني عبيد الله، وكتب له بخطه قطعة يتمثل بها، منها:
وفيك صاحبت قومًا لا خلاق لهم لولاك ما كنت أدري انهم خلقوا
فقال الجرجرائي: ألا تعجبون من هذا الأمر؟ هذا صبي مغربي بربري يحب أن يخدع شيخًا بغداديًا عربيًا! وإنما اتهمه بفعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم إن عثر على هذه الرموز؛ ثم قال: والله لا جيشت إليه جيشًا، ولا تحملت في إهلاكه نصبًا، وأباح للعرب العبور بمجاز النيل من جهة قبائل الأعراب، وكان ذلك محظورًا ممنوعًا، وجعل لكل عابر منهم فروًا ودينارًا، فأجاز منهم خلقًا عظيمًا من غير أن يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاة، وأقاموا بناحية برقة وما جاورها، ولم يكن لهم أثر أمدًا طويلًا، ثم قدم منهم مؤنس بن يحيى الرياحي إلى القيروان فسكنها أعوامًا، وآل أمرهم إلى أن هزموا المعز بن باديس ثاني عيد الأضحى سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة في ثلاثة آلاف فارس، وهو في أعداد عظيمة وجموع كثيفة، وأخربوا القيروان وتغلبوا على نواحيها، وتكاثروا بعد ذلك بإفريقية والمغرب إلى اليوم.
[ ٢٠٠ ]