ولي الأهواز في أيام الواثق، فطالبه ابن الزيات وقصده بكل مكروه، حتى صرف عنها وكان قبل ذلك أشد الناس اتصالًا به وصداقةً له، ثم تغير عليه لأن رآه مع ابن أبي دواد، فكتب إليه إبراهيم:
إني متى أحقد بحق دك لا أضرّ به سواكا
ومتى أطعتك في أخي ك أطعت فيك غدًا أخاكا
حتى أُرى متقسّما يومًا لذا وغدًا لذاكا
[ ١٤٦ ]
وحكي عن حاجب محمد بن عبد الملك الزيات قال: لما انصرف إبراهيم ابن العباس معزولًا عن الأهواز، وقف بباب عبد الملك يطلب الإذن، فاستأذنت له ثلاث مرات، فلم يأذن، فخرجت إليه فقلت: يا أبا إسحق قد حملت نفسي على سوء الأدب بأن كررت الاستئذان على الوزير فلم يأذن! فسألني إيصال رقعة إليه، فقلت: هاتها، فثنى رجله على سرجه وكتب: من كان واحدك إذ جعلت لنفسك واحدًا، وواحدي إذ خفت من زماني نبوة؟ أما والله لو أمنتك لقلت، ولكني أخاف منك عتبًا لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمةً لا تحتملها لي، وما قدر فقد كان ويكون وكائن، وعن كل حادثة أُحدوثة، وما أقول إني تبدلت بحالة كنت بها مغتبطًا حالةً أنا في مكروهها، بل أقول إني قهرت، فلما فزعت إلى ناصري، وجدت من ظلمني أخف نيةً في ممن استنصرت به، وأحمد الله كثيرًا وأشكره! وكتب في آخر الرقعة:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربًا عوانا
وكنت إليك أذم الزمان فأصبحت فيك أذمّ الزمانا
[ ١٤٧ ]
وكنت أُعدّك للنائبات فهأنا أطلب منك الأمانا
قال: فأوصلت الرقعة، فقرأها وفكر ساعة ثم وقع في آخرها: ارجع مذمومًا، لا حاجة بنا إلى أُخوّتك ولا صداقتك ولا الاستعانة بك:
إذا ما بدأت امرأً جاهلًا ببرٍّ فقصّر عن حمله
ولم تلفه قائلًا بالجميل ولا عارف العزّ من ذلّه
فسمه الهوان فإنّ الهوان دواء لذي الجهل من جهله
كذا في رسائل ناح الأصبهاني وحسبك ما أخلدت إليه ضعةً ونقصًا، وفي كفاية الله غنى عنك! قال: فلما قرأ إبراهيم التوقيع جعل يتحرق على دابته ساعة وقال لي: إن انقطاعي اليوم إلى الله ثم إليك! فقلت: قل ما شئت! قال: توصل لي رقعةً أُخرى؟ قلت: قد رأيت التوقيع! قال: أكتب الرقعة وتكون في يدك فإنه سيسأل ما فعل إبراهيم؛ فقلت: أُكتب؛ فثنى رجله على سرجه وكتب: من شكرك على درجة رفعتها، أو نعمة أوليتها، أو زيادة مننت بها، فإني أشكرك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق
[ ١٤٨ ]
قمت به، وحلت بين التلف وبينه، فلا تسقطني عندك هنة إن كانت، فإني والله واحدك بالأسباب التي تجتمع فيك ولك، ولا تجتمع لك في غيري من أخ ولا صاحب، وكنت أعدك الوفاء، فقد والله فعلت، وكنت تعدني ألا أُضام في دولتك وأيامك، فلا تخذلني في حال إن أخليتني فيها من نصرتك لم يلحقني مقدار في نفسي ومودتي إلا لحقك مثله والسلام! وقال في آخره:
أبا جعفرٍ عرّج على خلطائكا وأقصر قليلًا من مدى غلوائكا
فإن كنت قد أُوتيت في اليوم رفعةً فإنّ رجائي في غدٍ كرجائكا
فلما قرأ الرقعة أذن له في الدخول، وقرب مجلسه، ونادمه يومه، وصرفه محبوًا مكرمًا.
وقال الصولي: لم يزل محمد بن عبد الملك بالواثق إلى أن وجه أحمد بن سيف للنظر في عمل إبراهيم، فكتب إبراهيم إلى الواثق: أتقبل علي قول رجل كافر قال كذا وذكر شعرًا يخاطب ملك الموت به عند موت غلامه،
[ ١٤٩ ]
فوجه الواثق من يحقق له الخبر، وعلم سعي محمد بن عبد الملك بإبراهيم، فحسن مذهبه فيه.
وسعى أحمد بن المدبر إلى المتوكل بإبراهيم بن العباس، وكان بينهما تباعد، فقال للمتوكل: قلدت إبراهيم ديوان الضياع وهو متخلف آية من الآيات ما يحسن قليلًا ولا كثيرًا؛ وطعن عليه طعنًا قبيحًا، فقال له المتوكل: في غد أجمع بينكما، واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول البلاء، وعلم أنه لا يفي بأحمد بن المدبر في صناعته، وغدا إلى دار السلطان آيسًا من نفسه ونعمته، وحضر أحمد فقال المتوكل: قد حضر إبراهيم وحضرت، ومن أجلكما قعدت، فهات واذكر ما كنت فيه أمس! فقال أحمد: أي شيء أذكر عنه، وما أقول فيه! أول ما أذكر ما لا يذهب على أحد، أنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ولا يعلم ما يثبت في ديوانه من تقديراتهم وحزورهم وكفولهم، ولا يحفظ أسماء النواحي التي يتقلدها.. ومر في أبواب بعدها فاحشة سمجة منكرة، فالتفت المتوكل إلى إبراهيم فقال: ما سكوتك؟ تكلم! فقال يا أمير المؤمنين: جوابي في بيتين، إن أذن أمير المؤمنين أن أذكرهما فعلت! قال: اذكرهما، فأنشأ يقول:
[ ١٥٠ ]
ردّ قولي وصدّق الأقوالا وأطاع الوشاة والعذّالا
أتراه يكون شهر صدودٍ وعلى وجهه رأيت الهلالا
فقال المتوكل: زه زه أحسنت والله أحسنت! إئتوني بمن يعمل في هذا لحنًا وهاتوا ما نأكل، وأتوني بالندماء والمغنين، ودعونا من فضول ابن المدبر، واخلعوا على إبراهيم بن العباس! فخلع عليه، وانصرف إلى منزله. قال الحسن ابن مخلد وكان يخلف إبراهيم على ديوان الضياع: فمكث يومه مفكرًا مغمومًا ساهيًا، فقلت: يا سيدي هذا يوم سرور وجذل بما جدده الله لك وعندك من نعمه، وخصك من كفايته، فما هذا الغم؟ فقال: يا بني، الحق أولى بمثلي وأشبه، إني لم أدفع أحمد بن المدبر بحجة، ولا كذب في شيء مما ذكرني به، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلجت بمخرقة وهزل، أفلا أبكي فضلًا عن أن أغتم من زمان يدفع فيه ذلك الحق كله بما دفعته من الباطل، وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد! وجلت حال إبراهيم عند المتوكل، واختص بكتابته، وله عنه الرسالة الغريبة في تأخير النيروز، ولما قرأها عليه أعجب بها كل من حضر، فكان
[ ١٥١ ]
الفتح بن خاقان يقول للمتوكل: إبراهيم فضيلة خبأها الله لك! وكان إبراهيم إذا دخل على المتوكل أمر ألا يهزأ أحد بين يديه حتى يقوم.