قال الصولي: كان إبراهيم بن المدبر رجلًا جليلًا عالمًا شاعرًا، لا يدانيه في ذلك كله أحد، وخدم المتوكل وكانت له عنده حظوة.
وقال أبو الفرج الأصبهاني: سعى به عبيد الله بن يحيى لانحرافه عنه،
[ ١٥٩ ]
ونفاسته عليه ومخالفته فيه رأي المتوكل، فادعى على أخيه أحمد بن المدبر مالًا جليلًا، ذكر أنه عند إبراهيم، وأوغر صدر المتوكل عليه، حتى أذن له في حبسه، وكان من وجوه كتاب العراق ومتقدميهم، فقال من قصيدة يخاطب بها أبا عبد الله ابن حمدون ويستنهضه لتذكير الفتح بن خاقان بأمره:
يأبن حمدونٍ فتى الجود الذي أنا منه في جنى وردٍ جني
ما الذي ترقبه أم ما ترى في أخٍ مضطهدٍ مرتهن
وأبو عمران موسى حنقٌ حاقدٌ يطلبني بالإحن
وعبيد الله أيضًا مثله ونجاحٌ فمجدٌّ لا يني
ليس يشفيه سوى سفك دمي أو يراني مدرجًا في كفن
والأمير الفتح إن أذكرته حرمتي قام بأمري وعني
فأل صدقٍ حين أدعو باسمه وسرورٍ حين يعرو حزني
ظفر الأعداء بي عن حيلةٍ ولعل الله أن يظفرني
[ ١٦٠ ]
ولج عبيد الله فلم يكن لأحد في خلاصه معه حيلة حتى استغاث بمحمد بن عبد الله بن طاهر، وقال فيه من قصيدة:
دعوتك في كربٍ فلبّيت دعوتي ولم تعترضني إذ دعوت المعاذر
إليك وقد حلّئت أوردت همتي وقد أعجزتني عن همومي المصادر
نمى بك عبد الله في العز والعلا وحاز لك المجد المؤثّل طاهر
فأنتم بنو الدنيا وأملاك شرقها وساستها والأعظمون الأكابر
مآثر كانت للحسين ومصعبٍ وطلحة لا يحوي مداها المفاخر
إذا بذلوا قيل الغيوث البواكر وإن غضبوا قيل الليوث الهواصر
تعظّمكم يوم اللّقاء البواتر وتزهى بكم يوم المقال المنابر
فما لكم غير الأسرّة مجلسٌ وما لكم غير السيوف مخاصر
إلى أن يقول فيها:
ولي حاجةٌ إن شئت أحرزت مجدها وسرّك منها أولٌ ثم آخر
[ ١٦١ ]
كلام أمير المؤمنين وعطفه فمالي بعد الله غيرك ناصر
فإن ساعد المقدار فالصفح واقع وإلاّ فإني مخلص الودّ شاكر
فعزم على تخليصه، ولم يلتفت إلى عبيد الله، وبذل أن يتحمل في ماله كل ما يطالب، فأعفاه المتوكل من ذلك ووهبه له. وكان إبراهيم يقول: نكبنا نكبةً من نكباتنا، فسقط من إخواننا من كنا نجعل من أهل الود، فكتبت إلى بعضهم:
وصديقٍ تراه حلوًا أنيقا مؤنسًا ملطفًا حفيًّا شفيقا
ثم لمّا رماني الدهر بالغل ظة منه صار البعيد السحيقا
وولي إبراهيم بعد ذلك البصرة والأهواز، وأسره صاحب الزنج، فهرب منه، ووزر للمعتمد، ثم طلب، واستخفى، فظفر به وحبس، إلى أن رضي الموفق عنه؛ وكان المعتمد يقول: ما استوزرت بعد عبيد الله بن يحيى وزيرًا أرضاه غير الحسن بن مخلد وإبراهيم بن المدبر.
وقصته مع المتوكل تشبه قصة عثمان بن عمارة بن خريم المري، خرج عليه
[ ١٦٢ ]
خمس مائة ألف وسبعون ألفًا، فحبس، فدخل عليه يزيد بن مزيد فقال: أحملها إليك؟ فقال: يعدل حملها إلي أبيات شعر تحملها إلى أمير المؤمنين الرشيد عني! فقال: وما هي؟ فأنشده:
أغثني أمير المؤمنين بنظرةٍ تزول بها عني المخافة والأزل
فعفوك أرجو لا البراءة جاهدًا أبى الله إلاّ أن يكون لك الفضل
فإلاّ أكن أهلًا لما أنا طالبٌ فأنت أمير المؤمنين له أهل
قال: فعرضها على الرشيد، فأسقط ما كان عليه.