كتب للمأمون، هو وأخوه الفضل قبله، واستوزره بعد سنة ثلاث ومائتين، وقد كان وجهه من خراسان واليًا على بغداد والكوفة والبصرة وما
[ ١٠٧ ]
والاهما، ثم أصهر إليه؛ وعدهما ابن عبد ربه في النابهين بالكتابة بعد الخمول كالربيع وابنه الفضل ويحيى بن خالد وابنه جعفر وغيرهم؛ وكانا من البلاغة والسيادة بمكان.
كان الفضل إذا كتب عنه الكاتب فأحسن، شكره على رؤوس الملأ وأبلغ، وإذا أخطأ، وضع الكتاب تحت مصلاه، وسكت إلى أن يخلو به، فيريه الخطأ ويعرفه الصواب. وكان الحسن أيضًا على سنته في إيثار كتابه وإكرامهم، وهو أشار على المأمون بأحمد بن يوسف بعده، فاستوزرهما؛ وأما كلماتهما وتوقيعاتهما فمروية محفوظة. وكتب الحسن إلى المأمون:
ما أحسن العفو من القادر لا سيّما من غير ذي ناصر
إن كان لي ذنبٌ ولا ذنب لي فماله غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بيننا أن تفسد الأوّل بالآخر
وحكى ابن عبدوس: أن المأمون شرب يومًا، والحسن معه، فقال له: يا أبا محمد لعلكم تظنون أني قتلت الفضل بن سهل، لا والله ما قتلته! فقال: بلى والله لقد قتلته؛ فقال المأمون: والله ما قتلته! قال الحسن: بلى والله لقد قتلته، ثلاثًا! فقام المأمون من مجلسه فقال: أُفٍ لكم! وانصرف الحسن إلى منزله،
[ ١٠٨ ]
فاتصل الخبر بالمعلى بن أيوب وغسان بن عباد، وهما ابنا خالتي الحسن والفضل، فسارا إلى الحسن فعذلاه ووبخاه وطالباه بالركوب والاعتذار إلى المأمون، وأتياه فقال له غسان: نحن عبيدك يا أمير المؤمنين وصنائعك، بل عرفنا، واصطناعك شرفنا، كنا أذلاء فرفعتنا، وكنا فقراء فأغنيتنا، فاعف خطيئة مسيئنا لمحسننا؛ قال: ويحك ما أصنع، وحلفت له ثلاثًا؟ فقال المعلى: يا أمير المؤمنين، أنسته فأنس، وسقيته فانتشى، فاغفر له هفوته؛ فقال المأمون: يا غلام سر إلى أبي محمد فقل له: إما تجيئنا وإما نجيئك!