قال الشيخ الفقيه الحافظ الحافل المصنف المحدث الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، ﵀: أما بعد حمد الله الذي يعفو عن السيئات، والصلاة على محمد رسوله الخاص بسيادة كل ماضٍ وآت، الحاض على اغتفار الهنات، وإقالة عثرات ذوي الهيئات، فهذه نبذة من إعتاب الكتاب، وتشفيع الآداب، تشهر كما لهم في الاضطلاع والاكتفاء، وتشهد بما لهم عند الأمراء والخلفاء، من كريم الاختصاص ولطيف الإختفاء؛ وكيف لا يكونون كذلك، وهم مقاول
[ ٤٣ ]
الدول وألسنة الممالك، مفردهم في الإفصاح، يعدل جمع الكفاح، وقصبهم الضعيف يقاوي صم الرماح، ويقاوم ذلق الصفاح. رب كتيبة فضها كتاب، وخطب صرعه خطاب فانجاب، وأمل دعابه إملاء فأجاب، ولله در قائلهم، يذكر بعض فضائلهم:
إذا ما جَرَدْنا وانتضَيْنا صوارمًا يكادُ يُصِمُّ السامعين صريرُها
تظل المنايا والعطايا شوارعًا تدور بما شئنا وتمضي أمورُها
تُساقط في القرطاس منها بدائعًا كمثل اللآلي نظمُها ونَثيرُها
تقودُ أبيّاتِ البيانِ بفطنةٍ تَكَشَّف عن وجه البلاغة نورُها
إذا ما خطوب الدهر أرخت ستُورها تجلّت بها عمّا يُحَبُّ سطورُها
وقال الشعبي: أربعة كانوا كتابًا صاروا خلفاء: عثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك بن مروان.
وحكى سكن بن إبراهيم الكاتب، في كتابه المؤلف في طبقات الخلفاء
[ ٤٤ ]
بالأندلس أن عبد الملك بن مروان قال يومًا لأبنه الوليد: لو عداك ما أنت فيه ما كنت معولًا عليه من دهرك؟ قال: فارس حرب! ثم قال لسليمان: فأنت؟ قال: كاتب سلطان! ثم قال ليزيد: فأنت؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما تركا حظًا لمختار! وعالم لا تحصى أسماؤهم سموا بالبيان، وبنوا بيوت مجدهم بالأقلام أوثق البنيان؛ ثم إلى هذه الحسنى زيادة، لها بشرف الصناعة إشادة، وهي ما غني عن الاستقصاء بالاستقراء، من تقصي العصر بعد العصر، عن أفراد من الكتاب، وأعداد من الشعراء، أم الصقر مقلاة نزور، وقلما تلاقى الفنان: منظوم ومنثور، فإذا جمعا في واحد، لم تجد لفضله من جاحد؛ وصنف منهم حساب، لا تقع بغير كفايتهم أحساب؛ بينهم من حمل اليراع وفضل الطباع أسباب واصلة وأنساب. قليلًا ما يخلو من صدورهم صدر ديوان، ولا تخلو محاسنه إلا تلا إحسانهم وجه أوان، وكثيرًا ما احتملت بوادرهم، واستحليت نوادرهم، وقبلت جيئاتهم وأوباتهم، واستدركت أخذاتهم ونكباتهم، إلى ما سدل عليهم من أثواب الرعايات، وسد عنهم من أبواب السعايات. وقد عفا رسول الله
[ ٤٥ ]
ﷺ عن كاتبه ابن أبي سرح، وقصة ارتداده لا يفتقر إيضاحها إلى شرح.
ولما كانت المحظوظة من الأدب والعلم، المخصوصة بما يجب لله ورسوله من الأناة والحلم، التي نظمت الندى إلى البأس، وكظمت الغيظ وعفت عن الناس، حضرة مولانا الخليفة الإمام الهادي، المبارك المرتضى، أبو زكرياء أدام الله بها استظهار الإيمان والإسلام، وافتخار الأسياف والأقلام، ولا أعدمها استمرار نصر الألوية والأعلام، وكنت ممن فاض على إساءته إحسانها عدا، وأده تأمينها وامتنانها وقد جاء شيئًا إدًا، وسمت هذه الرسالة باسمها العالي ورسمت من إغضائها في إغضابها ما لم يقع في العصر الخالي، زاجرًا ميامين طيرها، وناظرًا أفانين خيرها، لأكون كيزيد بن مزيد، عندما رضي هرون الرشيد عنه، وأذن له في الدخول عليه، فلما مثل بين يديه قال: الحمد لله الذي سهل لي سبيل الكرامة بلقائك، ورد علي النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المتثبتين المراقبين، وفي حال رضاك
[ ٤٦ ]
جزاء المنعمين المتطولين، فقد جعلك الله وله الحمد تتثبت تحرجًا عند الغضب، وتمتن تطولًا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع، تفضلًا بالعفو، فإني الآن كالذي وجد عليه عبد الملك بن مروان فجفاه واطرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه شاحبًا ناحلًا، فقال له: منذ متى اعتللت؟ قال: ما مسني سقم، ولكني جفوت نفسي، إذ جفاني أمير المؤمنين، وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى أمير المؤمنين عني! فأعاده إلى حسن رأيه فيه.
ولن أكف شافعًا في نفسي، ودافعًا براحة رجائي في صدر يأسي، أو ألحق بمشيئة الله شأو رجل من أهل الكوفة دخل على أبي جعفر المنصور، يشفع في مسخوط عليه، فشفعه فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في تقبيل يدك، فإنها أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهورها من المآثم، وإنك يا أمير المؤمنين، لقليل التثريب، كثير الصفح عن الذنوب، فمن أرادك بسوء فجعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك؛ فأُعجب به المنصور وقربه.
ومولانا أيد الله أمره أسجح طباعًا، وأفسح في الفضائل باعًا، ما زال يشرف احترامًا واصطناعًا، ويعرف إحسانًا وإقناعًا، وحق لمن عول على عدله المأمون، وتوسل بفضله المضمون، ثم بنجله المبارك الميمون، أن يجتلي وجه القبول المأمول سافرًا، ويطمئن مقيمًا بما انزعج مسافرًا، فإنما دعا
[ ٤٧ ]
للتوب قابلًا، وللذنب غافرًا، وسعى للعود بالخلاص الدائب، من ظفر الحادث وناب النائب ظافرًا، لا زالت أهاضيب نواله دائمة السفوح والهتون، وأحاديث كماله صحيحة الأسانيد والمتون، ودام ولي عهده، وخلاصة مجده، المهنأُ بمعالي الأمور، والمهيأُ لأفتتاح المعمور، وهده ونجده، نظام الدين والدنيا، الأمير الأسعد الأعلى، الأظهر الأرضى، أبو يحيى، يقتفي مذاهبه، ويصطفي مناقبه، حتى يفرع النجم جلالًا جليًا، ويرفع العلم مكانًا عليًا؛ وهذا ابتداء المقصود، وإنجاز الموعود.
[ ٤٨ ]