ذكر أبو الحسن الماوردي: أن أبا جعفر المنصور بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه أنهم زوروا فيها وغيروا، فأمر بإحضارهم، وتقدم بتأديبهم،
[ ٦٧ ]
فقال حدث منهم وهو يضرب:
أطال الله عمرك في صلاحٍ وعزٍ يا أمير المؤمنينا
بعفوك نستجير فإن تجرنا فإنّك عصمةٌ للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا فهبنا للكرام الكاتبينا
فأمر بتخليتهم، ووصل الفتى وأحسن إليه.
وقال ابن عبد ربه: عتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب، فأمر بحبسهم، فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت:
ونحن الكاتبون وقد أسأنا فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنهم، وأمر بتخلية سبيلهم.
وذكرت بهذا الشعر قول أبي نواس، وهو في حبس الرشيد يستعطفه:
بعدلك بل بجودك عذت لا بل بحبّك يا أمير المؤمنينا
فلا يتعذّرنّ عليّ عفوٌ وسعت به جميع العالمينا
فإنّي لم أخنك بظهر غيبٍ ولا حدّثت نفسي أن أخونا
[ ٦٨ ]
براك الله للإسلام عزًّا وحصنًا دون بيضته حصينا
فقد أوهنت أهل الشّرك حتى تركتهم وما يترمرمونا
تزورهم بنفسك كلّ عامٍ زيارة واصلين لقاطعينا
ولو شئت استرحت إلى نعيمٍ وقاسى الأمر دونك آخرونا
فشفّع حسن وجهك في أسيرٍ يدين بحبّك الرّحمن دينا
إذا ما الهون حلّ بمستجيرٍ فليس لجار بيتك أن يهونا
فأطلقه الرشيد بشفاعة الفضل، كما أطلقه بشفاعته أيضًا الأمين، وقد قال يستعطفه إذ حبس ثانيةً:
تذكّر أمين الله والعهد يذكر مقامي وإنشاديك والناس حضّر
ونثري عليك الدّرّ يا درّ هاشمٍ فمن ذا رأى درًّا على الدرّ ينثر
مضت لي شهورٌ مذ حبست ثلاثةٌ كأنّي قد أذنبت ما ليس يغفر
فإن كنت لم أُذنب ففيم تعنّتي وإن كنت ذا ذنبٍ فعفوك أكبر
[ ٦٩ ]