روى ابن أبي خيثمة في تاريخه، عن أبي سفيان الحميري، قال: كان يحيى بن يعمر من عدوان، وكان كاتب المهلب بخراسان، قال: فجعل الحجاج يقرأ كتبه فيعجب، فقال: ما هذا؟ فأُخبر، فكتب فيه، فقدم، فرآه فصيحًا جدًا، فقال: أين ولدت؟ فقال: بالأهواز، فقال: فما هذه الفصاحة؟ قال: كان أبي نشأ بتوج، فأخذت ذلك عنه؛ قال: أخبرني عن عنبسة بن سعيد يلحن؟
[ ٥٣ ]
قال: كثيرًا! قال: فأنا ألحن؟ قال: لحنًا خفيفًا، قال: أين؟ قال: تجعل إِنّ أَنّ وأَنّ إِنّ ونحو ذلك.. قال: لا تساكني ببلدة، أُخرج!..
قال: وعدوان من قيس.
وروي أن الحجاج بعث به إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام! ويقال إنه قال: ليس يزيد بأبى عذر هذا الكلام! فقيل له. إن ابن يعمر قال ذلك، قال: ذلك إذًا!.
وذكر يونس بن حبيب النحوي قال: قال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك؛ فألح عليه، فقال: حرفًا، قال: أيًا؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له فما هو؟ قال: تقول: " قل إِنْ كانَ آباؤُكم وأبناؤُكم إلى قوله ﷿ أحبَّ " فتقرؤها: أحبُّ
[ ٥٤ ]
بالرفع، والوجه أن تقرأ بالنصب، على خبر كان، قال: لا جرم لا تسمع لي لحنًا أبدًا؛ فألحقه بخراسان، وعليها يزيد بن المهلب، قال: فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فأسرنا طائفةً، وقتلنا طائفةً، واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، وأثناء الأنهار. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: ما لابن المهلب ولهذا الكلام! حسدًا له، فقيل له: إن ابن يعمر هناك، فقال: فذاك إذًا!.
وعكس أبو العباس المبرد في الكامل مساق هذا الخبر، فجعل كتاب يزيد بن المهلب سببًا في إشخاص ابن يعمر إلى الحجاج، فقال في تفسير قول الشاعر:
قتل الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام
الواحدة عرعرة، وعرعرة كل شيء أعلاه، ومن ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بن يوسف: إن العدو نزل بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض! فقال الحجاج: ليس هذا من كلام يزيد، فمن هنالك؟ قيل: يحيى بن
[ ٥٥ ]
يعمر، فكتب إلى يزيد بأن يشخصه إليه. قال: وزعم التوزي قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر يومًا: أتسمعني ألحن؟ قال: الأمير أفصح من ذلك، قال: فأعاد عليه القول، وأقسم عليه؛ فقال: نعم، تجعل أنّ مكان إنّ فقال له: ارحل عني ولا تجاورني.
وحكى ابن عبد ربه: أن الحجاج بعث فيه فقال: أنت الذي تقول: إن الحسين بن علي ابن رسول الله ﷺ؟ والله لتأتين بالمخرج أو لأضربن عنقك! فقال له: فإن أتيت فأنا آمن؟ قال: نعم، قال له: اقرأ " وتِلك حُجَّتُنا آتَيْنَاها إِبراهيمَ على قَوْمه، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشاءُ إلى قوله تعالى وَمِنْ ذُرّيَّته داودَ وسليمانَ وأيّوبَ ويُوسُف وَمُوسى وهَرُونَ وكذلك نجزي المحسنين وزَكرِيّا وَيحيى وعِيسى وإليْاسَ كلٌ مِنَ الصّالحين " فمن أقرب: عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن بنت بنيه، أو الحسين إلى محمد؟ فقال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأت هذه الآية قط! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بالبصرة قاضيًا حتى مات.
[ ٥٦ ]