قال الباحث: من تركيب الإنسان استفراغ الحرص مدى لبه، واستيلاء الأماني على خواطره، فمقصر في الارتياد، حائد عن مذهب الصواب، عاجز في مذهبه، ظافر بأقصى مناه. ومجد في الدؤوب، متحرٍ قصد الحجة، مستأهل فوق تأميله الذي في طلبته، مع أنه وإن كان موضع الرتع درك المنى، فتحري الصواب أولى بذي النهى، والمجد في التماس ما هو به، أعذر من التجافي عما إن فاته قعد به عن مرتبة أهل الفضل ودرجة ذوي المروءة.
والكاتب وإن لم يكن في عمل يتقلده ومع صاحب يكتب له فغير خالٍ من حاجة تبدو له عند صديقه، وطلبةٍ تكون له عند خليطه، ولا بد أيضًا من أن يكون في بعض الأحوال مسؤولًا وفي بعضها معتذرًا. فإن هو لم يأنف بتسبيب المسألة والإفصاح عن البغية والمطالبة بالعدة والاعتذار عند المنع، والحث على الجهد، والنهي عن الإلحاف، ولم يدر كيف يستبطئ الموعود ويعذر المجتهد، ويذم المستذم، كان غير مميز من العامة ولا مستحق اسمٍ الكتابة. فتكلفت ما على الآمل والمأمول، وما في الآمل من الذلة والحيرة، ليقتدي الكاتب في ذلك بما في الأبواب من المعاني، فيكون كالساري بدليل والحادي على مثال. وبالله أعتصم واسترشد.
على الآمل بل على الناس أجمعين صون الوجه عن المسألة ورجاء الله ﷿ واليأس من الناس، فإن اضطر إلى ذلك فالإجمال في الطلب والتلطف للمأمول بعد الوسيلة بدعاء يبعثه على الإسعاف، فإن تأخرت الحاجة فالتؤدة والرفق وتجنب العجلة والخرق، ثم الحث في الطلب والمخاطرة وترك التسويف والتواني، ثم حسن الاقتضاء، ثم استبطاء المواعيد، ثم الإلحاح والوعيد. وليس بعدهما إلا الشكر إن أسعف، ونشر صنيعته إن أولى، والحمد والمدح إن أنعم. وعليه أن لا يلوم مع العذر ويحتاج إلى ذم المستذم، ومن منع مع قدرةٍ فعليه التلطف في هذه المعاني، وليس عليه أن يساعده القدر. وعلى المأموا أن لا يماطل بعد الرغبة في اصطناع المعروف، ولقاء الآمل بالبشر، وترك التجهم، والإعطاء قبل المسألة، والمبادرة إلى قضاء الحاجة قبل فوت القدرة، وشكر السائل على إنبساطه، وإيضاح العذر إن تعذرت الحاجة، والتلطف في الاحتجاج بالمدافعة، وترك الوعد حتى يجد إنجازًا، واليأس قبل المطل، ومنع غير المستحق. وعليه أن لا يفسد الصنيعة بالمن إلا أن أكفرها وليها، وفي الآمل ذلة وحيرة.
وقد فصلت هذه الجمل بأبواب من وعاها واستنهج في مكاتبته سبيلها كان كالساري بدليل، والحادي على مثال. والله المعين على السداد والموفق للرشاد والمعوذ به من الانحراف، عن قصد وسنن الصدق والحرمان.