قيل لبزر جمهر: متى يكون الإكداء خيرًا من النجح؟. قال: إذا أكدى بك الإجمال وأنجح بك سوء الطلب. قال الحسن البصري: لا تجاهد الطلب جهاد المغالب واتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة والإجمال في الطلب من العفة. وليست العفة بدافعة رزقًا ولا الحرص بجالب فضلًا، لكن الرزق مقدور واستعمال الحرص اكتساب المأثم.
وفي كتاب كليلة ودمة: ينبغي للعاقل أن يكون إدخاله يده في فم التنين وابتلاعه سمه أهون عليه من مسألة اللئيم. قال إبراهيم بن حفصة لابنه: يا بني صن شكرك عمن لا يستحقه واطلب المعروف ممن يحسن طلبك إليه واستر ماء وجهك بقناعتك وتسل عن الدنيا كتجافيها عن الكرام.
قال علي بن أبي طالب ﵇: مسألة الرجل السلطان كمسألة والده لا يشينه ولا ينقصه. قال بزرجمهر: أشد من الحاجة أن تكون إلى غير أهلها. قال آخر: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.
قال أكثم بن صيفي: خير ما فاتك ما توقي بفوته عرضك. ومن هنا أخذ الباهلي قوله:
ما سؤتني اذا وضعت الثقل عن عنقي بمنع رفدك اذا أخطأت في طلبي
اعتضت من ذاك عزا باقيًا وحميًا للعرض مني وإبقاءً على حسبي
قال بعض الحكماء: لا تسأل من لا يشفع لك عنده رغبة في الشكر أو يعينك عليه نية في المعروف. وقيل: مكتوب في التوراة: ابن آدم لا تسأل الناس، فإن كنت لا بد فاعلًا فسل معادن الخير ترجع مغبوطًا محسودًا.
للباهلي وقيل للعلوي البصري:
ولست بنظارٍ الى جانب الغنى اذا كانت العلياء من جانب الفقر
آخر:
وأعسر أحيانًا فتشتد عسرتي وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
قال: وأتنشدني ابن أبي الأشعث:
سل الخير أهل الخير قدمًا ولا تسل فتى ذاق طعم العيش منذ قريب
قال بعض الحكماء: من أمل فاجرًا كان ادنى عقوبته الحرمان.
قال أبو سعيد: سمعت أعرابيًا يقول لأخيه: قد كنت نهيتك عن مسألة قوم أرزاقهم من ألسنة الموازين وأفواه المكاييل.
وأنشدني محمد بن إسحق:
لئن أخطأت في مدح ك ما أخطأت في منعي
فقد أحللت حاجاتي بوادٍ غير ذي زرع
عربي:
أملي فيك غرني فأقلني مدحي فيك يا أبا عدنان
إن من ضيع الرجاء حقيق أن يجازى عليه بالحرمان
قال زيد بن نشيط لوهب الشاعر: ما الاجمال؟ قال: أن لا تسأل مثلك. وأنشدني وهب:
ولست بسائل الأعراب شيئًا حمدت الله ان لم يأكلوني
[ ٧ ]
تعرض بعض طلاب المعروف لبخيل ذي سلطان فتوعده بضرب خمس مئة سوط. قال: وددت أنك قد عجلتها. قال: ولم تستحب تعجيل المكروه؟ قال: لأصير عظةً ونكالًا لمن سأل مثلك. إني تكلفت من هراقة ماء وجهي لك وإعمال فكري اليك وجولان قلبي في ليلي لاختيارك موضعًا لحاجتي شقة وتعبًا.
فكما لم أصن وجهي عن ابتذاله فلا تصن رفدك عن اختصاصي به. فانه إن لم يكن لي مجازة بذات اليد فالاجتهاد في الشكر أحد الجزائين، وعلى الله المكافاة في الآخرة اذ قصرت عنها طاقتي، وكل دونها وسعي.
آخر:
يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
ومن أحسن ما بلغني في شبيه هذا المعنى:
فعاجو فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال بعضهم: ما أحد أعظم علي يدًا من رجل بات طول ليلته يتململ على فراشه، فلما أصبح رآني موضع اختياره فذاك لو وهبت له الدنيا لما كان لماء وجهه عوضًا:
ما ماء كفك إن جادت أو بخلت من ماء وجهي وان أفنيته عوضا