قال علي بن عبيدة: الحرص فضول الشهوات، واشتطاط الأماني، وأذى الطبائع، ومهانة النفس، وشك في المقدور، وسخف في الرأي، وزهد دائم. وقد نهى الله عن الحرص. فقال ﷿: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم) . وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلًا قط مقصرًا في مطالبة الظفر إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت النفس مطبوعة على حسب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم.
تقول العرب: جاءنا فلان تضب لثته ويدمى فوه ويرذم أنفه. إذا جاء طعامًا حريصًا. فقولهم تضب لثته أي يسيل من لثته الماء لا يحبس من حرصه لعابه. وقال عنترة في مصداقه:
أبينا أبينا أن تضب لثاتكم على مرشقات كالظباء عواطيا
قوله: يدمى فوه من الدم أي يسيل منه الدم. وأصله من أكل اللحم أن يحرص الرجل عليه فيسرع أكله حتى يأكل العظم فيدميه.
ويرذم أنفه أي يسيل منه المخاط من حرصه لا يمسحه. والرذم القطر. وقال فيه كعب بن زهير يصف الغنم.
من لي منها إذا ما أزمة أزمت ومن أويس إذا ما أنفه ردما
ليس حرصك على مطلوبك بزائد في مقسومك، ولا توانيك فيه بناقص ما قدر لك منه. وبين ذلك سعة الاستبصار وتفصير الاقتصار، فأجمل في الطلب وأقلل من التعب. فحسبك تكلفًا حملك نفسك على متالفها مع علمك بقول الله في قصة لقمن: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.
الحرص يزري لصاحبه وترك السعي يدعوه إلى سوء الظن بخالقه، فلا تكابر القدر مكابرة المغالب ولا تتكل عليه اتكال المستسلم. قال عدي بن زيد:
قد يدرك العاجز من حظه والرزق قد يسبق حرص الحريص