كان يقال أروح الروح القناعة، وهي أقصى رتبة الفقير كما أن أقصى رتبة الغني الشكر. وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلًا قط مقصرًا في مطالبة الظفر بالفضل إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت الأنفس مطبوعةً على حب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم وميلًا إلى راحة القناعة. أنشدني بعضهم للعطوي:
الحر يد نس بين الحرص والطلب فاخلع لباسهم بالعلم والأدب
أقبح بوجه يسارٍ كان قائده وجهًا رعت كنفيه ذلة الطلب
ما كان قائده ذلا وسائقه منا فأكرم منه لوعة السغب
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن من صفة الناسك السكينة لغلبة التواضع وإتيان القناعة ورفض الشهوات ليتخلى من الأحزان وترك إخافة الناس لئلا يخافهم. وفيه إن الرجل ذا المروءة يكرم من غير مالٍ كالأسد الذي يخاف وإن كان رابضًا. والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب وإن كان جوالًا. وأنشدت لمحمد بن حازم الباهلي.
ما كان مال يفوت دون غدٍ فليس بي حاجة إلى أحد
إن غنى النفس رأس كل غنى فما افتقار إلا إلى الصمد
رب عديمٍ أعز من أسدٍ ورب مثرٍ أقل من نقد
الناس صنفان في زمانك ذا، لو تبتغي غير ذين لم تجد
هذا بخيل وعنده سعة وذا جواد بغير ذات يد
[ ١ ]
وقال علي بن عبيدة: القناعة نعمة جسيمة، ورزق واسع، وحصن حصين، وألفة دائمة، وراحة عظيمة، وعيش صاف، ودعة للبدن، وعزة للنفس، وصيانة للعرض، وحياة طيبة، وسلامة وعافية فان وفق صاحبها للصواب في التمييز، واختيار ما يستحق به الاصطفاء صفا من الشكوك وعصمة الله (والله لا يحب كل مختال فخور) . وأنشدت:
قل للزمان أصب من شئت بالعدم وللمنية من أحببت فاصطلم
فحسبي الله ربًا قد رضيت به البر بالعود والعواد بالنعم
أعد خمسين حولًا ما علي يد لأجنبي ولا فضل لذي رحم
الحمد لله شكرًا قد غنيت فلا أشكو لئيمًا ولا أطري أخاكرم
يا نفسلا تعلقي بالأمل في إنصاف من صبحت من المترفين فإنهم في نخوة التجبر وعقوق التكبر والاستخفاف بمن لجأ إليهم.
ولا تغتري بالحرمة بهم والتقدم بالاستطالة، وإيثار عاجل اللذة على الحقوق الواجبة، وإغفال محمود العاقبة وترك الأناة عند الغضب والعجلة بالعقوبة، فتنكبي أفنيتهم المعيبة وآمالهم الكاذبة، ولا تكوني تواقة إلى ما لا يجدي عليك، ومعرضةً عما فيه الحط لك. وارضي بقليل الحظ من الدنيا، وتبلغي بما أمكن منها، وخذي عفو ما كان مخبأ لك، ولا تستصغري ما أنت فيه من الكفاف مع الحروج وما أتيت من الاثم الفاحش. للعرزمي:
رضيت ببلغة وحططت رحلي وإني للمطالب مستطيع
وأدركت الغنى وملكت أمري إذا اشتملت على اليأس الضلوع
وأحسن بالفتى من لؤم عارٍ ينال به الغني كرم وجوع
وسوى اليأس بين الناس عندي فلن يشقى بي الرجل الوضيع
وقالوا: قد دهيت. فقلت: كلا ولكني أعز بي القنوع
فمن أبدي لنا بشرًا جزينا ومن ولى فما فقد الربيع
علي بن عبيدة: يا نفس لا تسلكي سبل الاستكثار من المال فإن جمعه حسرة ووبال، واعتزي بالقناعة فإنها أشرف قدرًا وأرفع ذكرا وخطرًا، وأقرب إلى منزلة السعداء وأكسب للشكر وأزلف عند الخالق من الاستكثار من الفتنة الذميمة واحتمال أوزار المكاسب ولهب الحرمان وثبات حجة المقت ولزوم سمت البخل.
قال الشاعر:
لطي ثلاث واصطبار على أذى من الدهر خير من نوال لئيم
وأحسن عندي من تعرض ذي غنى تجمل مجهودٍ وصبر كريم
وألزمت نفسي اليأس حتى كأنني عدو لمن أثرى صديق عديم
وإن من استغنى وإن كان معسرًا على ثقة بالله غير ملوم
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
جر ما بدا لك أيها الدهر لك أن تجور وعندي الصبر
لا زلت أستعفيك من خطل حتى يردك من له الأمر
لعلي بن عبيدة الريحاني: لقد سلك الأكياس سبيل الحظ في العاجل، وعظمت مراتب أقدارهم عند الناس، ورغبوا بأرض الدعة وعمروا أفنية السلامة، وأصابوا من الدنيا بلغة وكفاية قنعوا بها، وصرفوا ما لهم بما لا احتكام للافات عليه، ولا تنظر عيون الدول في الزوال إليه من رضوانه ونعيم جنانه.
أنشدني أحمد بن عبد الله:
لا تقنعن ومذهب لك ممكن فاذا تضايقت المطامع فاقنع
ومن المروءة قانع ذوهمة يسمو لها فاذا نبت لم يهلع
ما كنت إمعةً ولكن همة تأبى الهوان وفسحة في المنجع
وهذا ضد المعاني المتقدمة، لأنه أمر بالطلب فإذا أعيت الحيلة فبالقناعة. وهذه قناعة اضطرار لا قناعة اختيار.
وسئل ابن حازم: ما مالك؟ فقال:
للناس مال ولي مالان مالهما إذا تحادس أهل المال حراس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه ومالي اليأس مما يملك الناس
وقال أيضًا: الثقة بالناس من اليأس.
وقال خالد بن صفوان: نظرت في أمري فوجدت الذي منعنيه القدر لا سائق له، ووجدت الذي أعطانيه لا حابس له، فعلام أعني نفسي.
قال بزر جمهر: إذا كان قاسم رزقي هو الله وما قد قسمه فليس يغيره أحد فلم أتحمل منة الخلائق؟ وللحسين بن علي ﵄:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلا وأنبل
[ ٢ ]
ولأبي خراش الهذلي في القناعة والإيثار على النفس:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح تعففا إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
لعنترة بن شداد في الصبر مع القناعة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
عبيد الله: القناعة عز صاحبها، وميسرة فقره، ومسلاة عدوه، وتبجيل له في أعين العقلاء، وتجمل في الخاصة والعامة، وذهاب بالنفس عن مسألة البخيل، والتعريض لمعروف من جعل فقره في قلبه وغناءه في كسبه، وصيانة العرض، وإحياء السنة، والرضا باليسير، والتقليل للكثير، والرغبة عما في أيدي الناس. فان الناس أتباع بالحق ونظارون بعين الدنيا موكلون باجتناب المؤمن إذا اختل وتعظيم المنافق إذا استغنى إلا قليلًا منهم في جملتهم كالشامة في مسك البعير والقلامة في النهر الغزير، ففي الاعتزال عنهم سلامة وفي الاختلاط بهم الضر، والبلاء الذي ليس بمنقض إلا ما دفع الله.
ولذلك أقول:
رضيت للعز بالقنوع فلست أنقاد للمنوع
لبائع حظه هلوع لازم دنياه ذي خضوع
كان الخليل بن أحمدقنعا ضففا، فكتب إليه سليمان بن المهلب وقد ولي السند يستزيره ليوليه أموره. فكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في دعة وفي غنى غير أني لست ذا مال
شح بنفسي أني لا أرى أحدًا يموت هزلا ولا يبقى على حال
والرزق عن قدر لا العجز منقصه ولا يزيدن فيه حول محتال
وكان يقال: احتج إلى من شئت فأنت دونه، واستغن عن من شئت فأنت مثله، وافضل على من شئت فإنك فوقه.
ولأبي دلف.
ليس الغنى في المال بل نفس الكريم هي الغنية