مقتبسة من كتاب "تاريخ الإسلام" للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨هـ) (﵀ وطيب ثراه)
عبد الله بن المقفع: أحد المشهورين بالكتابة والبلاغة، والترسل والبراعة [زاد في "سير أعلام النبلاء": أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب، وأولي الانشاء، من نظراء عبد الحميد الكاتب].
وكان فارسيًّا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح وهو كهل، ثم كتب له واختص به.
ومن كلام ابن المقفع قال: «شربت من الخطب ريًّا، ولم أضبط لها رويًّا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظامًا، ولا هي غيرها كلامًا».
قال الأصمعي: صنف ابن المقفع "الدرة اليتيمة" التي لم يصنف مثلها في فنها.
وقد سُئل: مَن أدبك؟ قال: «نفسي. كنت إذا رأيت من غيري حسنًا أتيته، وإذا رأيت قبيحًا أبيته».
ويقال: كان ابن المقفع علمه أكثر من عقله.
وهو الذي وضع كتاب "كليلة ودمنة" فيما قيل، والأصح: أنه هو الذي
[ ١٤ ]
عربه من الفارسية (١).
قال الهيثم بن عدي: جاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي فقال: أريد أن أسلم على يديك، فقال: ليكن ذلك بمحضر من وجوه الناس غدًا.
ثم جلس ابن المقفع وهو يأكل ويزمزم على دين المجوسية، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت تريد أن تسلم؟!
قال: «أكره أن أبيت على غير دين».
وكان ابن المقفع يتهم بالزندقة.
وعن المهدي قال: «ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع» [تقدم أنا لا نُسلم بذلك. فكن على ذُِكر. راجع الحاشية رَقْم (١) من
_________________
(١) اضطربَتِ الأقوالُ فِي وَاضِعِ "كليلة ودمنة" مَنْ هُوَ؟ والأصح مَا رجحه الإمامُ الذَّهَبِيُّ هنا مِنْ أنه هنديُّ الأصلِ، وَضَعَهُ الفَيْلَسُوفُ الهِنْدِيُّ بَيْدَبَا لِدَبْشَلِيمَ مَلِكِ الهِنْدِ. ثم تَرْجَمَهُ مِن الهِنْدِيَّةِ إلى الفَارِسيةِ (الفهلوية): بَرْزَوَيْهِ بْنُ أَزْهَرَ رأسُ أطباءِ فارسَ بِأَمْرِ كِسْرَى أَنوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ ملكِ الفرسِ. ثم ترجمه للعربية عبد الله بنُ المقفع وزاد فيه. والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أن الإمام ابن قتيبة (﵀) ينقل منه في "عيون الأخبار" ويقول: «قرأت في كتاب للهند ». وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين] في الرسالة الرابعة من "مجموع رسائله" (كتاب فخر السودان على البيضان) وهو يعدد فضائل الهند وهم من السودان: «ولهم خط جامع لحروف اللغات، وخطوط أيضًا كثيرة، ولهم شعر كثير، وخطب .. . وعنهم أُخذ كتاب "كليلة ودمنة ". ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل الصبر ما لهم». هذا، ونحن الآن بصدد تحقيق كتاب "كليلة ودمنة" بعد أن عثرنا له على مخطوطة نفيسة يتيمة. وقد أشرفنا على الانتهاء منه.
[ ١٥ ]
مقدمة المحقق].
وقيل: إن ابن المقفع كان ينال من متولي البصرة سفيانَ بنِ معاويةَ بن يزيد بن المهلب ويسميه ابن المغتلمة، فحنق عليه وقتله بإذن المنصور، ولكونه كتب في توثق عبد الله بن علي من المنصور يقول: «ومتى غدر بعمه فنساؤه طوالق، وعبيده أحرار، ودوابه حبس، والمسلمون في حل من بيعته». فلما وقف المنصور على ذلك عظم عليه وكتب إلى سفيان يأمره بقتله.
وقال المدائني: دخل ابن المقفع على سفيان، وقال: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟ قال: «أنشدك الله أيها الأمير في نفسي»، فأمر له بتنور فسجر، ثم قطع أربعته ثم سائر أعضائه وألقاها في التنور، وهو ينظر، وقال: «ليس عليَّ في المثلة بك حرج؛ لأنك زنديق قد أفسدت الناس».
فسأل سليمان بن علي وعيسى عنه، فقيل: إنه دخل دار سفيان بن معاوية سليمًا ولم يخرج، فخاصماه إلى المنصور وأحضراه مقيدًا، فشهد شهود بالحال، فقال المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان، فخرج ابن المقفع من هذا المجلس أأقتلكم بسفيان؟ فنكلوا عن الشهادة كلهم، وعلموا أنه برضا المنصور.
ويقال: إن ابن المقفع عاش ستًّا وثلاثين سنة.
وحكى البلاذري أن سفيان ألقاه في بئر. وقيل: أدخله حمامًا وأغلقه عليه.
وقيل: إن قتله كان في سنة خمس وأربعين ومائة. وقيل: في نحو سنة اثنتين وأربعين. [وذُكر أنه توفي سنة سبع وثلاثين ومائة].
[ ١٦ ]
وكان اسم أبيه داذويه، وكان كاتبًا، ولي للحجاج خراج فارس فخان وأخذ من الأموال، فعذبه الحجاج، فتقفعت يده فلقب المقفع. وقيل: بل الذي عذبه يوسف بن عمر الثقفي الأمير.
والمقفَّع: بفتح الفاء، الصحيح.
وقال ابن مكي في كتاب "تثقيف اللسان": يقولون ابن المقفَّع، والصواب بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل القفاع ويبيعها، وهي قفاف الخوص» ا. هـ.
[ ١٧ ]