درسنا المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة.
تدخل المذاهب المذاهب الأدبية في الدراسات المقارنة بوصفها تيارات فكرية وفنية واجتماعية، تعاونت الآداب الكبرى العالمية في نشأتها ونموها، وقد مثل كل مذهب منها روح العصر الذي نشأ فيه خير تمثيل، وقد ازدهرت هذه المذاهب في الآداب الغربية منذ أسفر عصر النهضة الأوروبية عن الاستقرار الكلاسيكي بما ساد فيه من أسس فنية وفكرية، وأهميتها واضحة من ناحية تأثيرها العميق في أدبنا الحديث؛ إذ لا نستطيع أن نفهمه حق الفهم ولا أن نتبع جوانب التجديد فيه بدون القيام بهذه الدراسة.
ومقصدنا هنا بيان سير المذاهب بما يجلو معناها في مفهومها الكامل في الآداب الغربية لنشير بعد ذلك إلى مقدار إفادتنا منها.
وقد سبق الإيطاليون إلى التمهيد لنشأة المذهب الكلاسيكي، فقد كثرت عندهم ترجمات فن الشعر لأرسطو عن الأصل اليوناني في القرن السادس عشر، وكذلك فن الشعر لهوراس، وتوالت شروحهما، ثم ألفت كتب كثيرة أخرى عنوانها (فن الشعر)، وهي تنهج منهج هذين الكتابين، وتتأثر بهما، ولكن مع تأويل تبعد به قليلًا أو كثيرًا على المعنى الدقيق فيهما، كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال.
ومن الناحية الفنية: سارت الكلاسيكية على فصل الأجناس الأدبية بعضها عن بعض، وحافظت بعامة على الوحدات الثلاث في المسرحية، على حسب تأويل الإيطاليين لها عن أرسطو وعلى نظرية "محاكاة الأقدمين".
وتقوم الكلاسيكية على العقلية، والعقلية أساس لفلسفة الجمال في الأدب عند الكلاسيكيين؛ إذ الأدب في نظرهم انعكاس للحقيقة، وهم يرون أن الحقيقة هي
[ ٥٧١ ]
هي في كل زمان ومكان لا تتغير، والعقل هو الذي يحدد رسالة الشاعر الاجتماعية ويعززه القواعد الفنية الأخرى، وهو عماد الخضوع للقواعد عامة، ثم إنه هو الذي يوحد بين المتعة والمنفعة، ولا يصح أن يحاكى الأقدمون إلا بقدر إتباعهم للعقل، والعقل عند الكلاسيكيين يرادف الذوق السليم والحكم السليم، ومن هذه الناحية اتخذوه وسيلة لتثبيت دعائم التقاليد والقواعد المقررة، وهم يعارضونه بالذوق الفردي ويفضلون العقل عليه لأنه ثابت غير متغير؛ إذ أساس الجمال في الأدب أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وهم يترجمون العقل في النقد بخلق الجماهير التي يتوجه إليها الشاعر وبعاداتها، وهذا هو معنى التطابق بين العقل وما سموه الذوق السليم أو مراعاة ما يليق.
وجمهور الكلاسيكيين محدودٌ أرستقراطي، وليس أدب الكلاسيكيين أدبًا شعبيًّا، وحتى في (الملهاة) كان يقصد الكلاسيكيون إلى إرضاء السادة قبل الأرجوازيين وقبل سواد الناس، وهم يصرحون بأنه لا يتوجهون إلا إلى الخبراء بمهنة ربات الفنون، وفي ظل القواعد الكلاسيكية راج الشعر المسرحي وضعف الشعر الغنائي وانمحت الذاتية تحت سلطان المجتمع الإرستقراطي، وقد ساعد أدبهم على دعم القيم والتقاليد السائدة.