فالمروءة اجتناب الرجل ما يشينه (١) واجتنائه (٢) ما يزينه وأنه لا مروءة لمن لا أدب له، ولا أدب لمن لا عقل له، ولا عقل لمن ظن أن في عقله ما يغنيه ويكفيه عن غيره وشتان ما بين عقل وافر معه خمسون عقلًا كلها وافر مثله وأوفر منه، وبين عقل وافر لا تاره (٣) معه.
وفى ذلك أقول شعرًا:
واما (٤) أدب الإنسان شئ كعقله ولا زينة إلا بحسن التأدب
وقال: إن الأفئدة مزارع الألسن فمنها ما ينبت ما زُرع فيه من حسن ولا ينبت ما سمح، ومنها ما ينبت ما سمح ولا ينبت ما حَسُنَ، ومنها ما يُنبِتُ جميع ذلك ومنها مالا ينبت شيئًا، وإن من المنطق ما هو أشد من الحجر وأحد من الإِبر وأمرّ من الصبرة وأحر من الأسنة وأنكد
_________________
(١) تشينه: من الشَّين وهو العيب والقبح. الوسيط (١/ ٥٠٤).
(٢) اجتنائه: من اجتنى واجتنى الثمرة ونحوها جناها والعسل جمعه وماء المطر ورده فشربه. الوسيط (١/ ١٤١)، والمعنى والله أعلم إقدامه وحصوله واقتنائه على ما يزينه.
(٣) تاره: هكذا بالأصل.
(٤) (واما): هكذا بالأصل والصواب [وما].
[ ١٢ ]
من رجل ولربما احتقرت كثيرًا منه على حرارته ومرارته ونكده مخافة ما هو احف (٥) منه وأمر وأقطع وأنكد.
وفى ذلك أقول شعرًا:
لقد أسمع القول الذي كاد كلما يذكر فيه الدهر قلبى يصدع
فأبدى لمن أبداه منى بشاشة كأنى مسرور بما منه أسمع
وما ذاك من عجب به غير أننى أرى أن ترك الشر للشر أقصع (٦)