معنى هذا أن هناك قواعد محددة، أو على الأقل مفهومات محددة، يلزم الناقد أن يأخذ نفسه بها، وهذا صحيح، ولكن الناقد يطبق هذه القواعد أو يستخدم هذه المفهومات بطريقته الخاصة. وقد امتلأ ميدان النقد الأدبي بالمصطلحات الفنية التي ينبغي أن يكون الناقد عارفًا بمعانيها المحددة قبل أن يستخدمها، فهي أدوات فكرية يتعامل الناس بها وينبغي أن تكون واضحة المدلول في أذهان من يستعملونها ومن يتلقونها على السواء. وكثيرًا ما ينشأ سوء الفهم والتفاهم نتيجة لاختلاف المدلولات التي يستخدم من أجلها اللفظ الواحد عند أفراد مختلفين. ونسوق مثالا على ذلك عبارة "الفن من أجل الفن"، فقد شاع بين الكثيرين أن هذه العبارة تقف بمدلولها في موقف معارض للعبارة الأخرى "الفن من أجل الحياة"، وعندئذ راحوا يبنون أفكارًا ويصدرون أحكامًا على الأدب الذي يتعرضون لنقده أو الحديث عنه. والواقع أنه لا تعارض هناك؛ لأنه إذا كان
[ ٤٣ ]
الفن لا يمكن تصوره، ولا يمكن أن يقوم منفصلا عن الحياة، فإن عبارة "من أجل الفن" تتضمن -ولا تعارض- عبارة "من أجل الحياة". فكون الشيء قائمًا من أجل ذاته لا يتعارض مطلقًا مع الفوائد التي تجنى من علاقته بالأشياء الأخرى، كالمثل الذي يسوقه "ديشز١ Daiches" من أن الممرضة التي تقول: إنها تحب التمريض "من أجل التمريض" لا يتنافى معه أن يكون للتمريض الذي تقوم به أثره في حياة الآخرين الذين ترعاهم حتى يصحوا.
لا بد إذن أن يفرغ الناقد بادئ ذي بدء من الخبرة الدقيقة بمدلولات الاصطلاحات التي دارت في ميدان النقد حتى لا يضل في استخدامها حين يعتمد عليها -وهو بحكم عمله مضطر إلى الاعتماد على الكثير منها- في مهمته النقدية. بل أكثر من ذلك أن الناقد الحق يلزمه بناء فلسفي واضح حتى يستطيع أن يقوم بمهمة الحكم على العمل الأدبي. إن له منهجه الذي يتبعه -كما سبق أن بيّنّا- في دراسة العمل الأدبي، ولكن مرحلة الحكم على قيمة هذا العمل سترتبط في ذهنه بنظريته في الحياة، فبحسب هذه النظرية يكون حكمه على قيمة ذلك العمل الأدبي. وطبيعي أن يتبادر إلى أذهاننا الآن أن الحكم بالقيمة ينصبّ في العمل الأدبي على ما فيه من فكرة، أو لنقل على ما فيه من موقف من الحياة. وهذا صحيح ولكن ليس كل الصحة؛ لأن الحكم على العمل الأدبي لا يستقل بجانب منه ويترك غيره من الجوانب، والحكم الذي لا يدخل في اعتباره العمل الأدبي كله، بكل عناصره وكل جوانبه، حكم ناقص. فحين نحكم بجودة الفكرة في قصة مثلا، وننسى الإطار الفني القصصي الخاص الذي عرضت فيه هذه الفكرة، يكون حكمنا ناقصًا؛ لأننا قبل كل شيء لسنا بصدد الحكم على فكر مجرد. وكذلك حين يقف الناقد ليصدر حكمه على جزئية من القصيدة أو حتى عند ظاهرة عامة فيها، تتجلى في استخدام الشاعر ألفاظًا بذاتها، أو عند لجوئه إلى صورة خاصة من التركيب اللغوي، أو ما أشبه ذلك من المسائل الجزئية التي تدرس تحت اسم البلاغة، حينذاك لا يكون لحكمه هذا قيمة؛ لأنه لم يربط بين كل هذه الأشياء والدور الحيوي الذي قامت به في إبراز موقف الأديب هنا من الحياة ونظرته إليها.
_________________
(١) ١ Daiches: كتابه السابق ص٨.
[ ٤٤ ]