وهنا نكون قد وصلنا إلى مشكلة مهمة في حياة المسرح هي: بأي لغة تكتب المسرحية؟ ذلك أن المسرحية "التراجيديا بصفة خاصة" كانت تكتب شعرًا "والمسرح المصري قد عرف الشعر المسرحي في مسرحيات "شوقي" وما زال حتى اليوم يعرفه في مسرحيات "عزيز أباظة" وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وغيرهم" وهي الآن تكتب في الغالب نثرًا. ولكن الناس الآن لا يتكلمون في حياتهم اللغة الفصيحة؛ ولذلك وجدت الدعوة إلى أن يكون الحوار باللغة التي يتكلمها الناس.
وقد شغلت مشكلة الفصحى والعامية مواسم أدبية فيما سبق. ومنذ بضع سنوات أدلى إلي رائد "الحوار" في الأدب العربي الحديث الأستاذ "توفيق الحكيم" برأيه -وهو عندي الرأي الوجيه في هذا الإشكال- فقال: "إن كل قيد يقف أمام الفنان ويحول بينه وبين حرية التعبير وصحة الأداء يجب أن يحطمه دون أن يحفل بشيء أو أحد. فإذا شعر فنان بأن تعبيره لن يكون كاملًا ولا نابضًا ولا حيًّا، وأن أداءه لن يكون سليمًا ولا كاملًا إلا باستعمال أسلوب من الأساليب، فإنه يتحتم عليه أن يستخدم هذا الأسلوب. أما في المسرح فالأمر أكثر وجوبًا على المؤلف، فالقراءة قد تجعل من السهل على القارئ
[ ١٣٦ ]
أن يترجم لنفسه لغة الأبطال، ولكن المسرح لا يتيح للمشاهدة فرصة التأمل، بل هو يتلقى كلام الأبطال مباشرة من أفواههم، فكل تنافر بين مظهر الأبطال على المسرح واللغة التي ينطقونها يحدث في الحال شعورًا باختلال الصورة الفنية في الذهن؛ لذلك كانت الروايات المسرحية التي تمثل أشخاصًا أجانب في المكان، أو الروايات التاريخية أو الأسطورية التي تمثل أشخاصًا أجانب في الزمان، لا بأس في جعل لغتها فصحى أو شعرية لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه المشاهد. أما إذا شعر المشاهد أن الأشخاص يتفقون معه في الزمان والمكان فلا بد حتمًا عندئذ من أن يتكلموا اللغة التي تفرضها عليهم حياتهم الحقيقية الواقعية في الزمان والمكان"١.
هذه العناصر الثلاثة "الحوار، الصراع، الحركة" هي العناصر الجوهرية التي تميز فن المسرحية عن غيره من الفنون الأدبية. ومن الواضح أن المسرحية تشترك مع القصة في أنها تستغلّ عناصر القصة من حادثة وشخصية وفكرة. والواقع أن كل مسرحية تشتمل على قصة، إنها قصة غير مسرودة ولكنها ممثلة كما تحدث في الواقع. و"وحدة الموضوع" التي يتحدث عنها النقاد ليست تعني عند أرسطو -أول من نادى بها في المسرحية- سوى وحدة القصة unity of action التي تصورها المسرحية.
_________________
(١) ١ مجلة الثقافة، العدد ٧٣٢ سنة ١٩٥٢، ص٧.
[ ١٣٧ ]