وقديمًا قال بوفون١: "إن الأسلوب هو الرجل نفسه"٢ وكذلك عرف فلوبير٣ الأسلوب بأنه: "طريقة الكاتب الخاصة في رؤية الأشياء"، ويستطيع فلوبير أن يستبدل بالرؤية الشعور أو التفكير فيقول: إن الأسلوب هو طريقة الكاتب الخاصة في التفكير أو الشعور. "والطريقة الخاصة في الشعور والرؤية تفرض طريقة خاصة في استخدام اللغة، فالأسلوب الصادق إذن يجب أن يكون فريدًا إذا كنا نفهم من عبارة "الأسلوب الصادق" تعبيرًا لغويًّا كافيًا كل الكفاية عن طريقة الكاتب في الشعور"٤.
_________________
(١) ١ Comte Georges Louis Leclerc de Buffon "١٧٠٧-١٧٨٨ م": كاتب وعالم طبيعة فرنسي. ٢ Buffon. Discourse sur le Style: Librairie Haiter، Paris ١٩٢٠، p. ١٧. ٣ Gustave Flaubert "١٨٢١-١٨٨٠ م" روائي فرنسي، يعده بعض النقاد رائد الواقعية في الأدب الحديث. ٤ Murry، كتابه السابق ص١٥.
[ ٢١ ]
معنى هذا أن الأسلوب ليس مجرد طريقة للكتابة يتعلمها من يشاء، ولكنه يرتبط عند كل كاتب بالإلهام الخاص الذي يدفعه إلى الكتابة، والذي يشكل هذه الكتابة، فهو الطريقة التي دفع بها هذا الإلهام ذلك الرجل بالذات إلى الكتابة، فالأسلوب "صفة لغوية" توصل بدقة العواطف أو الأفكار، أو مجموعة من العواطف والأفكار، الخاصة بالمؤلف، وحيث يتغلب الفكر يكون التعبير نثرًا، وحيث تسود العاطفة يكون التعبير إما نثرًا وإما شعرًا. ويكون الأسلوب كاملًا عندما يتم توصيل الفكر أو العاطفة على الوجه الأكمل.. فالأسلوب يعتمد اعتمادًا كليًّا على هذه التوصيل الدقيق، إذا لم يوجد لم يوجد الأسلوب"١.
وخلاصة كل هذا أن الأسلوب هو طريقة الكاتب الخاصة في التفكير والشعور، وفي نقل هذا التفكير وهذا الشعور في صورة لغوية خاصة، وأن الأسلوب يكون جيدًا بحسب درجة نجاحه في نقل ذلك إلى الآخرين، ويترتب على ذلك أن تقليد الكتاب في أساليبهم -إذا أمكن ذلك- لا يحدث مطلقًا في عمل إبداعي مبتكر؛ لأن المقلد إنما يعرض عندئذ شخصية أخرى، ولا يمكن في الحالة أن يكون له أسلوبه الخاص. فالكتاب لا يتكررون، وإنما هم أفراد متميزون. وكذلك الأسلوب، خاصية فردية متميزة.
وقد كان البحث في طبيعة الأسلوب مشكلة منذ عهد أفلاطون، فالأسلوب من وجهة النظر الأفلاطونية صفة نوعية خاصة، إما قائمة وإما غير قائمة، فهي ليست شيئًا يضاف إلى الكتابة. كما أنها ليست مجرد شكل توضع فيه الكتابة، ولكنها صفة -إن وجدت- تتمثل فيما هو مكتوب.
ولكي نفهم وجهة النظر الأفلاطونية٢ في الأسلوب يجب أن نكون على أتم المعرفة بمعنى "الكلمة" عند أفلاطون. فالكلمة٣ Logos عنده تعني الفكرة ذاتها وحقيقتها الخارجية المتمثلة في صورة كلمة على السواء. فالكلمة معناها الفكرة، وكذلك هي تعني الفكرة حين تعرض في الخارج.
_________________
(١) ١ نفسه ص٧١-٧٢. ٢ Plato "٣٢٧-٤٢٨ ق. م": فيلسوف يوناني، تلميذ سقراط، وأشهر كتبه "الجمهورية The Republic". ٣ ومن معانيها -أيضًا- المبدأ العقلاني في الكون، وذلك في الفلسفة اليونانية القديمة.
[ ٢٢ ]
ونستطيع بسهولة أن نفهم كيف تقبل العقل الإغريقي هذه الفكرة، وكيف بنى عليها أن كل فكرة لا يمكن التعبير عنها تعبيرًا كافيًا إلا بكلمة واحدة، فحيث إن كل كلمة لها ارتباطات تختلف -حتى عن "مرادفها"- اختلافًا بسيطًا، فإنه يتبع ذلك أن استعمال أي كلمة سوى الكلمة التي ترتبط بفكرك ارتباطًا دقيقًا يعد خطأً ونقصًا، فنقص الكلمة معناه تغير في الفكرة. ويترتب على ذلك أن يكون الرباط بين القارئ والفكر فاسدًا، وانتقال الفكرة هكذا إلى القارئ لا ينتج عنه سوى أن يستقبل القارئ ما لم يهدف الكاتب إلى أن ينقله إليه، ويتبع ذلك أن يكون من الخطأ الكلام عن أسلوب "جيد" على الرغم من نقصه.
هذا كلام منطقي -كما يقول وستلاند١- لا يمكن أن نختلف فيه من حيث هو فكر مجرد، ويضيف أنه يجب أن نعترف، بوصفنا قراء عمليين، بأن هناك درجات للنجاح تتفاوت بين الكمال والإخفاق، وأن عمل الكاتب يمكن أن يكون قريبًا من التعبير الكامل عن معناه، وأن يكون من القرب بحيث نقدر معناه الذي نتج عن اختيار للألفاظ أو ترتيب لها ليس كاملا كل الكمال، والتجربة ترينا كيف أن هذا كذلك. وينبغي أن نخلص إلى نتيجتنا الخاصة، وهي أن الأسلوب الجيد غير ممكن، وكذلك يمكن الحديث عن أسلوب رديء وأسلوب خاطئ، حيث يؤكد الأفلاطوني المتمسك أنه في هذه الحالة لا يوجد أسلوب٢.
وخلاصة هذه القضية: أن الأسلوب ينظر إليه من وجهة نظر على أنه خاصة فكرية، ومن وجهة نظر أخرى على أنه خاصة تعبيرية.
وحين ينظر إلى الأسلوب على أنه خاصة فكرية يكون التعبير اللغوي ليس شيئًا سوى تحقيق للفكرة في الصورة الحسية المناسبة. فالأفكار وحدها أساس الأسلوب بحسب رأي بوفون وأفلاطون من قبل، وحين ينظر إلى الأسلوب على أنه خاصة تعبيرية لا يكون الفكر بوصفه مادة العمل الفني أساسًا، ولا يكون لمادة العمل الفني أن تحدد الصورة وخصائصها؛ لأنه يحدث أن تكون المادة واحدة، ولكن كاتبًا يخرجها في صورة وآخر في صورة أخرى بينهما تفاوت في الواقع. وهما يختلفان كذلك عن محرر الحوادث الذي يقدم تقريره المشتمل على هذه المادة أيضًا، ولكنه يكون تقريرًا خاليًا من كل وقع، فإن ما يجعل الكتاب تحفة فنية ليس هو حوادث المغامرة الأساسية، ولكنه التعبير عنها، المرصوف رصفًا ممتازًا.
_________________
(١) ١ Peter Westland. literary Apprecistion.، the English universities press. London ١٩٥٠ pp، ٧١-٥. ٢ نفسه ص٧٦.
[ ٢٣ ]
والفصل في هذا الإشكال من خلال خبرتنا العملية يقضي بأن يكون الأسلوب صفة عقلية متحققة في اللغة، ويتبع هذا أن تكون لغة الأديب شخصية.
على أننا نعود فنجد الأديب يستخدم اللغة السائدة في مجتمعه، وهو لكي يوصل فكرته أو شعوره إلى الآخرين مضطر لأن يستخدم هذه "العملة" التي يتعامل بها الناس. فكيف يتسنى لنا أن نقول: إن لغة الأديب لغة شخصية صرف، وهو في الحقيقة يستخدم لغة الآخرين كذلك، أو -على الأقل- ما يفهمه الآخرون من هذه اللغة؟
أما أن الأديب يستخدم اللغة السائدة فهذا لا شك فيه، بدليل أننا لا نجد أديبًا في القرن العشرين يستخدم لغة القرون الوسطى. وأما أن لغة الأديب شخصية فهذا لا شك فيه كذلك، بدليل أننا نجد لكل أديب أسلوبه الخاص الذي نميزه به عن غيره من الأدباء، ويبقى أن يلتقي هذان الطرفان، فيتمثل في الأسلوب العظيم الجانبان الشخصي واللاشخصي.
والأدب -بعدُ- إنتاج شخص لأشخاص في مجموعة.
وبإزاء كلمتي الشخصي واللاشخصي نجد "الخاص" و"العام" في الأدب. وإذن "فكل عمل أدبي هو خاص وعام معًا، أو لنقل على نحو أفضل من ذلك: إنه فردي وجماعي معًا. فكل عمل أدبي -ككل كائن- له خصائصه الفردية، ولكنه يشارك الأعمال الفنية الأخرى في الصفات العامة"١.
وفردية الأسلوب الأدبي أو العمل الأدبي بعامة تأتي من أنه صادر عن فرد، وعموميته تأتي من أنه موجه إلى الجماعة.
وهنا نجد أنفسنا أمام مشكلة ذات جانبين هي مشكلة العلاقة بين الأدب والمجتمع. أما الجانب الأول فيبحث فيه عن موقف الأديب من المجتمع، وعن المضمون الاجتماعي لأعماله الأدبية ذاتها، وأخيرًا عن أثر هذا الأدب في المجتمع. وأما الجانب الثاني فتدرس فيه ظاهرة العبقرية المبدعة الخاصة بالأديب، واستقلال هذه العبقرية عن مجتمع بذاته.
_________________
(١) ١ Wellek & Warren، كتابهما السابق ص٧.
[ ٢٤ ]