اعلم أنّ الله تعالى عظّم شأن القرآن، وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف على سائر الكلام، وإن وافقه في مبانيه، ومعانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، وفنون الآداب والعذر، وجوامع الأحكام والسير، وطرائف الأمثال والعبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصّافية، ولا في بعد فوائده أو لو المعارف الوافية، وإن تلاحقت آلاتهم، وتوافقت أسباب التّفهم والافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمّل له، وقد صرف فكره إليه، وقصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحيانا فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السّماع نسيه استغرابا لمراسمه، واستجلاء لمعالمه، وذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التّحدي به إلى الأبد، ويختتم بترتيله وآدابه البذارة إلى انقضاء السّند، على ألسن الرّسل، جعله من التّنبيهات الجليّة والخفيّة، والدّلالات الظّاهرة والباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، والمتدبّر، والمهمل.
وإن كان في أثنائه أغلاق لا تنفتح الأشياء بعد شيء بأفهام ثاقبة، وفي أزمان متباينة، ليتّصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التّكليف، ولتجدّد في كل أوان بعوائده وفوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، ونتائج الاعتبار، فيتبيّن ثناؤه الرّاسخ المتثبّت، والنّاظر المتدبّر عن قصور الزّائغ المتطرّف وتقصير الملول الطّرف. لذلك اختلفت الفرق، واستحدثت المذاهب والطّرق، فكلّ يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، وإن ضلّ عن سواء السّبيل من ضلّ لسوء نظره وفساد تأنّيه، وعدو له عن منهاج الصّحابة والتّابعين وصالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، وكان الله تعالى فيما شرع من دينه وحدّ عليه من عبادته، ودعا إليه من تبيّن صنعه وتنبّه ما أقامه من أدلّته. قال: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
[سورة العنكبوت، الآية: ٤٤] مبيّنا أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقا لا باطلا وحتمالا عبثا لتوفّر على طوائف خلقه منافعها، ومثبتها من يصدق بالرّسل، ويميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التّحصيل وتراجع الأفهام، والأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التّكليف.
[ ١٩ ]
ثم كرّر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها وتصاريفها لما يكشفها من الغموض، وكان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدّمة ثم تجاوزت إلى ما سواها والله المعين على تسهيل المراد منه بمنه.
فمن ذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٣] الآية، وصف الله تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كلّ فصل منها عند التأمّل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، ودالة على كثير من صفاته التي استبدّ بها.
فالفصل الأول قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ
، والمعنى في قوله: بالحق، أنّ الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدلّ على نفسه بها ويظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقّق إلهيته وتثبت قدمه، وربوبيته ويظهر أنّ ما سواه مدبر مخلوق ومسخّر مقهور، وأنه الحق تمّ له ما أحدثه، وأنشأه لا بباطل، ووجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجّته بينّة وآياته محكمة، لا تخفى على النّاظر، ولا تلتبس على المتأمّل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، والحواس لا تلحقه، فعرّف عباده قدرته، وألزمهم بما غمرهم من منافعه ونعمة عبادته، فلا مانع لما منح، ولا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليما لأمره ورضى بحكمه.
والفصل الثاني قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٣] قوله: ويوم نصب على الظّرف، والعامل فيه ما يدل عليه قوله الحق، ولا يجوز أن يكون العامل قوله: يقول لأنه قد أضيف اليوم إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وقوله:
فيكون معطوف على يقول، وما بعد القول، وهو جملة تكون حكاية في كلامهم، وكن في موضع المفعول ليقول، وقد أبان الله هذا المعنى في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[سورة النّحل، الآية: ٤] لأنّ معنى الحكاية ظاهر فيه ومفهوم منه، وإذا كان الأمر على هذا فقوله: كن، حكاية، والمعنى فيه إيجاب خروج الشّيء المراد من العدم إلى الوجود. وقوله: فيكون بيان حسن المطاوعة من المراد وتكوّنه، وليس ذلك على أنّه مخاطبة المعدوم، ولكنّ الله تعالى أراد أن يبين على عادة الآمرين إذا أمروا كيف يقرّب مراده إذا أراد أمرا، فأخرج اللّفظ على وجه يفهم منه ذلك، إذ كان لا لفظ في تصوير الاستعجال، وتقريب المراد أحضر من لفظة كن فاعلمه. وتلخيص الآية وإذا كان يوم البعث والنّشر والسّوق إلى الحشر يوجب وقوع المكون بقولنا: كن، فيقع بحسب الإرادة لا تأخير فيه ولا تدافع، لأن حكمنا فيه المحقوق الذي لا يبدّل، ولأنّ الملك فيه للملك الذي لا يغالب ولا
[ ٢٠ ]
يمانع، فقوله في الفصل الأول: بالحق- أي بما وجب في الحكمة وحسن فيها. وقوله في الفصل الثّاني قوله الحق- أي المحقوق الذي لا يحول ولا يغيّر إذ كان البدء لا يجوز عليه، وأوائل الأمور في علمه كأواخرها.
والفصل الثالث قوله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٣] يريد به أنه في ذلك الوقت متفرّد بتدبير الفرق والأمم وتنزيلهم منازلهم من الطّاعة والمعصية، كما أبدأهم فكما كان تعالى الأوّل لقدمه يكون الآخر لبقائه، لا مشارك له، ولا مؤازر، وأبين منه قوله في موضع آخر: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[سورة غافر، الآية: ١٦] وهذا حال المعاد، والمعنى إذا أردنا سوقهم بعد الإماتة للنّشر لم يخف علينا شيء من أحوالهم لأنّا نملكهم، فأمرنا حتم لا تخيّر وفور لا تأخير، والإحصاء يجمعهم، والإدراك يعمهم. وقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٣] لم يشر به إلى وقت محدود الطّرفين ولكن على عادة العرب في ذكر الزّمان الممتد الطويل باليوم، فهو كما يقال: فعل كذا في يوم فلان، وعلى عهد فلان.
الفصل الرابع: قوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٣] يريد أنّه لا يخفى عليه ما فيه لأنّه العالم لنفسه فلا يغرب عنه أمر، والغائب عنده كالحاضر والبعيد كالقريب وهو حكيم فيما يقضيه عليم فيما يقضيه. لا يذهب عليه شيء من أحوال عباده، ومن مواعيده فيحشرهم جميعا، ويوفّيهم مستحقّهم موفورا.
ومنه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[سورة يس، الآية: ٣٧] إلى يسبحون، قوله: نسلخ منه النّهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النّهار، ألا ترى قوله في موضع آخر: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٥]، وفي هذا دلالة بيّنة على ما تذهب إليه العرب من أنّ اللّيل قبل النّهار لأنّ السّلخ والكشف بمعنى واحد يبين ذلك أنّه يقال: كشطت الإهاب، والجلد عن الشّيء، وسلخته أي كشفته، والسّلاخ الإهاب نفسه، وسلخت المرأة درعها نزعته، وسلخت الشّهر: صرت في آخر يوم منه، وسلاخ الحيّة جلدها، وإذا كان ذلك، وكان الله تعالى قال: اللّيل نسلخ منه النهار، والمسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فيجب أن يكون اللّيل قبل النّهار، كما أنّ المغطّى قبل الغطاء قوله: فإذا هم مظلمون- أي داخلون في الظّلام يقال: أظلم اللّيل إذا تغطى بسواده، وأظلمنا دخلنا في ظلمات، وهذا كما يقول: أجنبنا وأشملنا- أي دخلنا في الجنوب والشّمال، وأنجدنا، وأتهمنا أي أتيناهم، ثم قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[سورة- يس، الآية: ٣٨] وهذا يحتمل وجوها من التّأويل.
أ- أن يكون المراد جريها لاستقرار يحصل له إذا أراد الله وقوفها للأجل المضروب
[ ٢١ ]
لانقضاء وقت عادتها في الطلوع والأفول.
ب- أن يكون المراد بالمستقر وقوفها عنده تعالى يوم القيامة، والشّاهد لهذا قوله في آية أخرى: كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
[سورة القيامة، الآية: ١٠، ١١] فهو كقوله في غير موضع: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ*
[سورة الحديد، الآية: ٥]، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*
[سورة البقرة، الآية: ٢٤٥] .
ج- أن يكون المعنى أنها لا تزال جارية أبدا ما دامت الدّنيا تظهر وتغيب بحساب مقدر كأنها تطلب المستقر الذي علمها صانعها فلا قرار لها؛ ويشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ والشّمس تجري لا مستقر لها، وذلك ظاهر بيّن يوضحه قوله تعالى بعقبه: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*
[سورة يس، الآية: ٣٨]، أي تقدير من لا يغالب في سلطانه ولا يجاذب على حكمته، قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
[سورة يس، الآية: ٣٩]، الآية. برفع القمر على، وآية لهم اللّيل وإن شئت على الابتداء، وينصب على، وقدّرناه والعرجون) عود لعذق الذي تسمّى الكباسة تركبه الشمّاريخ مثله الأثكول والعثكول من العذق، فإذا جفّ وقدم دقّ وصغر وحينئذ يشبهه الهلال في أول الشهر وآخره.
وقال أبو إسحاق الزّجاج: وزنه فعلول لأنّه من الانعراج، وقال غيره: هو فعلول لأنه كالفثلول، ومعنى الآية وقدّرنا القمر في منازله الثمانية والعشرين، وفي مأخذه من ضوء الشّمس، فكان في أوّل مطلعه دقيقا ضئيلا، فلا يزال نوره يزيد حتى تكامل عند انتصاف الشّهر بدرا، وامتلائه من المقابلة نورا، ثم أخذ في النقصان بمخالفته لمحاذاة، وتجاوزه لها حتى عاد إلى مثل حاله الأولى من الدّقة والضؤلة وذلك كلّه في منازله الثمانية والعشرين لأنه ربّما استتر ليلة، وربما استتر ليلتين فمشابهة الهلال للعرجون في المستهل والمنسلخ صحيحة.
فأما قوله: حتى عاد فكأنه جعل تصوّره في الآخر بصورته الأولى في الدّقة مراجعة، ومعاودة. والقديم يراد به المتقادم كما قال في قصة يعقوب ﵇: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
[سورة يوسف، الآية: ٩٥] . وقال الفرّاء القديم يقال لما أتى عليه حول. وقيل أيضا:
معنى عاد صار، ويشهد لذلك قول الشّاعر:
أطعت العرس في الشّهوات حتّى تعود لها عسيفا عبد عبد
ولم يكن عسيفا قط، وقال امرؤ القيس:
وماء كلون البول قد عاد آجنا قليل به الأقوات ذي كلأ مخل
أي صار، وقال الغنوي:
[ ٢٢ ]
فإن تكن الأيام أحسن مرة إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
[سورة يس، الآية: ٤٠]، يعني ينبغي لها.
أي: لو كانت تطلب إدراك القمر لما حصلت لها بغيتها، ولا ساعدتها طلبتها يقال: بغيت الشيء، فانبغى لي. أي طلبته، فأطلبني، وإذا لم ينبغ لها لو طلبت، فيجب أن لا يحصل الفعل منها البتّة، لأنّ الإدراك معناه اللّحوق وسببه الذي هو البغاء ممنوع منه، فكيف يحصل للسّبب؟ وأيضا فإنّ سرعة سير القمر وزيادته على سير الشّمس ظاهر فهو أبدا سابق لها بسرعته، وتلك متأخرة لبطؤها، وقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
[سورة يس، الآية: ٤٠] محمول على وجهين.
الأول: أن يكون المعنى بالسّبق أوّل إقباله وآخر إدبار النّهار.
والثاني: أن يكون المعنى آخر إدبار النّهار وأول إقبال الصّبح، وسبق اللّيل النّهار بإقباله أن يقبل أول اللّيل قبل آخر إدبار النّهار وهذا ما لا يكون.
وأما سبقه إيّاه بإدباره، فإن سبق آخر إدبار اللّيل أوّل إقبال الصّبح قبل كونه، وهذا أيضا لا يكون، ولا يجوز كونه لأنهما ضدّان يتنافيان ويتعاقبان فلذلك لم يجر سبق اللّيل النّهار في شيء من أحواله.
وقيل معنى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
أي ليس لها أن تطلع ليلا، ولا القمر له أن يطلع نهارا لأنّ لكلّ منهما شأنا قدّر له ووقتا أفرد به، فلا يقع بينهما زاجر فيدخل أحدهما في حد الآخر قوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[سورة يس، الآية: ٤٠] أي كلّ واحد منهما له فلك يدور فيه فلا يملك انصرافا عنه؛ ولا تأخّرا إلى غيره، ولفظ الفلك يقتضي الاستدارة أي وكلّ له مكان من مسبحه مستدير يسبح فيه أي يسير بانبساط، ومنه السّباحة، وقال تعالى لنبيّه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٧] ولا يمنع أن يكون يشير بقوله: في فلك إلى الذي هو فلك الأفلاك، وإذا جعل على هذا فهو أبهر في الآيات، وأدلّ على اقتدار صانعه وإنمّا قال: يسبحون لأنّه لمّا نسب إليها على المجاز والسعة أفعال العقلاء المميّزين جعل الاخبار عنها على ذلك الحد، ومثله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[سورة يوسف، الآية: ٤] وهذا كثير.
ومنه قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] الآية نبه بهذه الآية، وبقوله إنّ عدّة الشهور الآية على نعمه على خلقه فيما إن شاء حالا بعد حال لهم، وابتدعه وما عرف مصالحه وقتا بعد وقت، فيما قدّر لهم فكر وذكر ونصب للحاضرة والبادية من الأعلام والأدلة بالمنازل والأهلّة، ومطالع النّجوم السّيارة وغير السّيارة حتى جعلت
[ ٢٣ ]
مواقيت وآجالا، ومواعيد، وآمادا، فعرفوا حلالها وحرامها ومسالمها ومعاديها وذا العاهة منها مما لا عاهة معها؛ وتبيّنوا بطول التّجارب أضرّها أنواء، وأعودها أمطارا، وأعزّها فقدانا، وأهونها أخلاقا، فأخذوا لكلّ أمر أهبته، ولكلّ وقت عدّته، إلى كثير من المنافع والمضار التي تتعلق باختلاف الأهواء وتفاوت الفصول والأوقات؛ ومن تدبّر قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] . ثم فكّر في تميز أحدهما عن الآخر باختلاف حالهما في النّور، والظّلمة، والظّهور والغيبة، ولماذا صارا يتناوبان في أخذ كلّ واحد منهما من صاحبه، ويتعاقبان في إصلاح ما به مصالح عباده وبلاده؟ وكيف يكون نموّ القمر من استهلاله إلى استكماله ونقصه، وانمحاقه من ليالي شهره وأيامه؟ وأنّى يكون اجتماع الشّمس وللقمر، وافتراقهما، وتساويهما، وتباينهما، ظهر من حكمة الله تعالى له إذا تدبّره، وردّ آخره على أوّله، وولي كلّ فصل منه ما هو أولى به.
ثم سلك مدارجها، وتتبع بالنّظر معالمها ومناهجها أدّاه الحال إلى أن يصير من الرّاسخين في العلم به تعالى وبمواقع نعمه، وآثار ربوبيته، ألا ترى أنّه لو جعل اللّيل سرمدا، أو جعل النّهار أبدا لا نقطع نظام التّعايش، وانسدت أبواب النّمو والتزايد، وتأدّى انقلاب التّدبر إلى ما شرحه بتعذر فسبحانه من حكيم رؤوف بعباده رحيم.
وقد سئل النّبي ﵌ عن نقصان القمر وزيادته، فأنزل الله تعالى أنّ ذلك لمواقيت حجكم، وعمرتكم، وحل ديونكم وانقضاء عدة نسائكم، وقوله تعالى:
آيَةَ اللَّيْلِ
، وآيَةَ النَّهارِ
إضافتهما على وجه التّبيين والشّيء، قد يضاف إلى الشيء لأدنى علاقة بينهما، قال تعالى: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
[سورة العنكبوت، الآية: ٥] . ولما كان هو المؤجل، وقال في موضع آخر: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ*
[سورة الأعراف، الآية: ٣٤] لما كان الأجل لهم، فكذلك قوله: آيَةَ اللَّيْلِ
، وآيَةَ النَّهارِ
، يعني الآية التي يختصّ بهما هذا في إضافة الغير إلى الغير.
فأما إضافة البعض إلى الكل فقولك: خاتم حديد، وثوب خز، فلا يمنع دخوله فيما نحن فيه، ويكون المعنى أنّ الآية الممحوة كانت بعض اللّيل، كما أنّ الخاتم، يكون بعض الحديد، كأنّ اللّيل ازداد بالمحو آيتها سوادا، ويقال؛ دمنة ممحّوة إذا درست آثارها وآياتها، ويقال: محوت الشيء، أمحوه، وأمحاه وفي لغة علي محيته، وحكى بعضهم: محا الشيء ومحاه غيره، وكتاب ماح، وممحو ومحوة، اسم لريح الشّمال لأنها تمحو السّحاب، والمحوة المطرة التي تمحو الجدب ومن كلامهم تركت الأرض محوة إذا جيدت كلها.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عنى بآية النّهار الشّمس، وبآية اللّيل القمر، وعنى بالمحو ما في ضوء القمر من النّقصان، وحكي عن السّلف أنّ المراد بالمحو الطّخاء الذي
[ ٢٤ ]
في القمر قوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] هو على طريق النّسبة أي ذات إبصار، وفي موضع آخر: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا*
[سورة يونس، الآية: ٦٧] أي مضيئا وكما يقال هو ناصب أي ذو نصب، ويجوز أن يكون لما كان الإبصار فيها جعله لها، كما يقال رجل مخبت إذا صار أصحابه خبتا، ونهاره صائم، وليله قائم.
وقال أبو عبيد يريد قد أضاء للنّاس أبصارهم، ويجوز أن يكون كقولهم: أصرم النّخل أي أذن بالصّرام، وأحمق الرّجل إذا أتى بأولاد حمق وقوله: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] مثل قوله في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا*
[سورة يونس، الآية: ٦٧] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٧] وفي آخر: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا
[سورة النبأ، الآية: ١١] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: ٧٣] وهذه الآي، وإن تشابهت في معانيها، فقد اختلفت تفاصيل نظومها، فقوله: جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا
أي يغشى كلّ شيء من الحيوان وغيره فيصير ذا دعة وسكون وانقطاع عما يعالجه في النّهار لابتغاء الفضل فيه، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا
أي وقت معاش، والمعاش، والمعيش ما أعان على الحياة به ممّا الحياة به، وليس الحياة، قال أمية:
ما أرى من معيشي في حياتي غير نفسي
وقد قال أبو العباس محمد بن يزيد: ثم يرى تفسيرهما جملة ثقة بأنّ السّامع يرد كلّا إلى ماله يريد مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
، ثم قال: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا
والسّكون في اللّيل، والابتغاء في النّهار، ومثله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنّما هو من أحدهما، فإن قال قائل: ما تصنع على هذا بقول سيبويه:
لا يقول لقيته في شهري ربيع إذا كان اللقاء في آخره قال: وكذلك لا يجوز أن يقول لقيته في يومين، واللقاء في أحدهما. قلت: هذا الذي قال صحيح لأنّ ذكرك الشّهر الذي لم يكن فيه اللّقاء، فصل ولكن لو وصفت الشّهرين بما يكون في واحد منهما فجمعت الصّفة فيهما كان جيدا، وذلك قولك في الشتاء يكون المطر ويقعد في الشّمس أي هذا وهذا، وكذلك في شهري ربيع تأكل الرّطب والتمر أي هذا في أحدهما، وهذا في أحدهما كما يقول: لو لقيت زيدا وعمرا لوجدت عندهما نحوا أو خطّا، إن كان النّحو عند أحدهما، والخط عند الآخر فليس هذا بمنزلة الأوّل لأنّ اللقاء في أحد الشّهرين والآخر لا معنى لذكره البتّة.
قال أبو العبّاس: ومن ذلك قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
[سورة الرحمن، الآية: ١٩] بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٠] ثم خبر بفضائلهما فقال:
[ ٢٥ ]
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنما خرج من الملح لا من العذب ولكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه. وكذلك قوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: ٧٣]، فالسّكون في اللّيل والاكتساب في النّهار، ولكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء، افتنانا في النظم وتبحرا في السّبك وثقة بأنّ اللّبس عنه بعيد كيف رتب وفي قوله تعالى:
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ*
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] إشارة إلى التّواريخ وضبط مبالغ الدّيون والمعاملات وآمادها ومواقيتها، وما فيه معاشهم ورياثهم وعليه تبتنى منافعهم ومصالحهم، وقد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] وإن كانت هدايته أبلغ، ومجامع بيانه من اللّبس أبعد، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللّيل لباسا أي للتّودع والسّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع.
قال امرؤ القيس شعرا:
ألا إنّ بعد العدم للمرء فنية وبعد المشيب طول عمر وملبسا
وقال ابن أحمر:
لبست أبي حتّى تملّيت عمره وملّيت أعمامي وملّيت خاليا
ويجوز أن يريد باللّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شيء وستره كما قدّمنا، والأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٧] وجعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا وقوله: وَالنَّوْمَ سُباتًا
أي راحة وأمنا ويقال: رجل مسبوت إذا استرخى ونام وسبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل واستراح وانسبتت البسرة، إذا لانت وقوله: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٧] مثل قوله: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا
[سورة المزمّل، الآية: ٧] أي ذهابا وتصرّفا في طلب الرّزق، ولمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه، كقولك: فلان أكل وشرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف، أو لغلبة الفعل عليه، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت فإنّما هي إقبال وإدبار
وهو يصف وحشية. قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا:
حتى يقول النّاس مما رأوا يا عجبا للميت النّاشر
[ ٢٦ ]
وهو في هذا الموضع الانتباه من النوم والاضطراب من الدّعة، وكما سمّى الله تعالى نوم الإنسان وفاة بقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
[سورة الزمر، الآية: ٤٢] كذلك وفّق بين إبقاء من الموت في التّسمية بالنّشور.
ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ
[سورة الفرقان، الآية: ٤٥] الآية قوله ألم تر لفظ استفهام وحقيقة البعث على النّظر والمعنى انظر حتى تتعجب إلى ما مدّه الله من الظّل وإنّما قلنا هذا لأنّ المد مدرك متبيّن وتبيّن كيفيته يبعد في الوهم فكيف في الإدراك فلا يعلمه إلا الله وهذا على عادتهم في التّفاهم بينهم يقولون: أرأيت كذا، والمراد أخبرني وأ رأيتك وأ لم ترك كذا وهل رأيت كذا، ولم تر إلى كذا، وأ لم تر كيف كذا؟ والفصل في أكثره أن تعق المخاطب على ما تجب منه من المدعو إليه، وقد استعمل هل رأيت معدولا به من حيث المعنى على ظاهره أيضا؟ وذلك كقول القائل: متى إذا جنّ الظلام، واختلط جاءوا بمذق؟ هل رأيت الذئب قط؟ ويسمّى مثل هذا التّصوير لأنّ المعنى جاؤوا بمذق أورق فصوّروا الورقة بلون الذئب، فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٨] فمعناه أرأيت كالذي حاجّه بين ذلك ما عطف عليه من بعد لأنه تعالى قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] لأنّ المعنى على ذلك، والكلام جار على التعجب، ولفظة إلى تأتي إذا حملت أرأيت على النظر.
فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
[سورة الفيل، الآية: ١] فالمعنى ألم تعلم ولا يحتاج إلى ذكر إلى.
والمراد بالظّل عند بعضهم الذي يكون بعد طلوع الفجر في انبساط وقبل طلوع الشّمس وظهورها على الأرض، وقد قال أهل اللغة في الفرق بين الظّل والفيء إنّ الظّل يكون بالغداة والعشيّ، والفيء، لا يكون إلا بالعشي لأنه اسم للذي فاء من جانب إلى جانب. ومنه قولهم فيء المسلمين للغنائم والخراج الرّاجعة إليهم. وقد جاء ما يفيد فائدته في صفة الظّل في مواضع، منها أكلها دائم وظلّها. ومنها قوله: وظلّ ممدود، فجعل ما في الجنة ظلالا فيئا، وكان رؤبة يقول: الظل ما لم تنسخه الشّمس، وهو أول والفيء ما نسخته الشّمس، وهو آخر، وقالوا: الظل بالغداة والعشي، والفيء بالعشي، وقيل أيضا: الظل يكون ليلا ونهارا، والفيء لا يكون إلّا بالنّهار، وما نسخته الشمس ففيء وكان في أول النهار فلم تنسخه الشّمس، وقيل الظّل للّيل في كلام العرب قال:
وكم هجرت وما أطلقت عنها وكم ربحت وظلّ اللّيل دان
فجعل للّيل ظلا وقول الآخر وتفيئوا الفردوس ذات الظّلال، اتّساع أيضا لأنه جعل للأفياء ظلالا فأما قوله شعرا:
[ ٢٧ ]
فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه ولا الفيء من برد العشي نذوق
فقد فصل بينهما قوله: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٥] سئل عنه متى كان متحركا فقيل: معنى السكون ها هنا الدوام والثبات، ألا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم وراكد ويمكن أن يقال: إنّ السّاكن ها هنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام وثبت.
وقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٥] يراد به أنّه لولا الشّمس لما عرف الظل، فالله تعالى يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار، وعلى هذا يكون الدّليل بمعنى.
الدّال.
وقال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظّل حتى ذهبت به ونسخته أي أتبعناها إياه قال: ويدلّك على ذلك قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٦] أي شيئا بعد شيء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال، وروي عن الحسن أنه كان يقول: يا بن آدم أما ظلّك فسجد لله، وأما أنت فتكفر بالله.
وقال بعضهم: وقد أحسن ما قال: الظلّ من آيات الله العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه، فدلّ بذلك على لزوم القمر له ولسائر الخلق قال الله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
[سورة النحل، الآية: ٤٨] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس، وحتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا، قبيل غروب الشّمس وإلى غروبها. ثم يدوم اللّيل كلّه، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى، فالشّمس دليل عليه لولا الشّمس ما عرف الظّل، فالله بقدرته القاهرة يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار. وإنّما قال: قَبْضًا يَسِيرًا
لأنّ الظّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة، ولا يقبل الظلام كلّه جملة واحدة، وإنّما يقبض الله تعالى ذلك الظّل قبضا خفيا وشيئا بعد شيء، ويعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللّيل حتى يذهب كلّه، فدلّ الله على لطفه في معاقبته بين الظّل والشّمس واللّيل، ومن كلامهم وردته والظّل عقال وطباق وحذاء. وقال:
ولو احقت أخفافها طبقا والظّلّ لم يفضل ولم يكر
أي لم ينقص، ويقولون: لم يزل الظّل طاردا أو مطرودا، ومحولا، وناسخا، ومنسوخا، وسارقا، ومسروقا، وكلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان وتفصيل لما أجمل فيما قدّمته، وسيجيء من صفات الظّل وأسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه.
[ ٢٨ ]
وأما قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
[سورة النحل، الآية: ٤٨] الآية فقوله: من شيء من دخلت للتّبيين كدخولها مع المعرفة في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[سورة الحج، الآية: ٣٠] والمعنى من شيء له ظّل كالشّخوص، ومن هذه قد تجيء مع النّكرة فتلزم ولا تحذف تقول: من ضربك من رجل وامرأة فاضربه. هذا في الجزاء كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
وإنّما كرهوا حذف من لأنهم خافوا أن يلتبس الكلام بالحال إذا قلت إلى ما خلق الله شيئا، ومعنى الحال ها هنا بعيد فألزموه من ليعلم به أنه تفسير وتبيين لما قد وقع غير مؤقت يكشف هذا أنّك لو قلت: لله درّه من رجل، جاز أن يقول: لله دره رجلا، ومن رجال فإنك قد أمنت الالتباس بالحال إذا لم يكن ذلك موضعه.
فأما قولك: لله درك قائما، فإنّما جاز سقوط (من) لأنّ الذي قبله مؤقت فلم يبال التباسه بالحال، قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
[سورة النحل، الآية: ٤٨] معناه ما قدّمته في بيان قوله تعالى: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٥] وكشفه أن جميع ما خلقه ﷿ ظلّه يدور معه ويمتدّ لا ينفك منه حتى لو رام انسلاله من دونه لما قدر عليه يصحبه مقبلا ومدبرا، وكيف مال زائدا عليه وناقصا منه ليذكره عجزه، ويصوّر له أنه على تصرفه المتين في لزام أضعف قرين وذلك تفيؤة أي ترجعه يمنة ويسرة ومتنعلا من تحت، ومعتليا من فوق على حسب اختلاف الأحوال، فيكون للأشخاص فيء عن اليمين والشمائل إذا كانت الشّمس على يمين الشخص، كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، وقيل: أول النّهار عن يمين القبلة، وفي آخره عن شمال القبلة، ومعنى قوله: سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
[سورة النحل، الآية: ٤٨] انها بآثار الصّنعة فيها خاضعة لله تعالى، وذكر السّجود قد جاء في هذا المعنى في غير هذا الموضع قال: (غلب سواجد لم يدخل بها الحصر)، وقال آخر:
بجمع تضلّ البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
والمراد الاستسلام بالتسخير والانقياد.
فأما قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ
[سورة الكهف، الآية: ١٧] بعد أن قال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا
[سورة الكهف، الآية: ١١] فمعنى ضربنا على آذانهم أي أمتناهم، ومنعناهم الإدراك، ويقال في الجارحة: إذا أبطلتها ضربت عليها، وفي الممنوع عن التصرف في شيء ضربت على يده، ومعنى تزاور، وتزور تنحرف عنهم، أي تطلع على كهفهم ذات اليمين ولا تصيبهم، والعرب تقول: قرضته ذات اليمين، وقرضته ذات الشمال، وقرضته قبلا وقرضته دبرا، وحذوته ذات اليمين وذات الشمال، أي كنت بحذائه من كلّ ناحية، وأصل القرض القطع- أي تعدل عنهم وتتركهم.
[ ٢٩ ]
وقيل: إنّ باب الكهف كان بإزاء بنات نعش فلذلك لم يكن الشّمس تطلع عليه وإنما جعل الله تعالى ذلك آية فيهم، وهو أنّ الشّمس لا تقربهم في مطلعها ولا عند غروبها. وقال الله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[سورة الرحمن، الآية: ٦] وقد بيّن الله المراد بما ذكرنا في آية أخرى فقال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[سورة الرعد، الآية: ١٥] يريد الانقياد في الطاعة من الملائكة والمؤمنين في السّماوات والأرضين، وأنه يستسلم من في الأرض من الكافرين كرها وخوفا من القتل، وظلالهم بالغدوّ، والآصال يؤدّي ما أودع من آيات الحكم وغرائب الأثر فسبحانه من معبود حقّت له العبادة من كلّ وجه، وعلى كل حال فلا يتوجه إلا إليه وإن قصد بها غيره، ولا تليق إلا به دون من سواه والدّاخر: الصّاغر، ويقال: تفيّأت الشّجرة بظلها إذا تميلّت. فأما قوله شعرا:
تتبّع أفياء الظّلال عشيّة على طرق كأنّهن سبوب
فإنما أضاف الأفياء إلى الظّلال لأنه ليس كلّ ظل فيئا، وكل فيء ظل، وتحقيق الكلام تتبع ما كان فيئا من الظلال، ومثله في الاتساع قول الآخر:
لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية وفاز باللّحم للقوم المراجيل
لأن المنصوبة هي الأخبية، ويقال: أظلّ القوم عليهم أي أوقعوا عليهم ظلالهم، وإنما قال: وهم داخرون، لأن المنسوب إليها من أفعال العقلاء، فأعيرت عبارتهم، وقد مضى مثل هذا.
ومنه قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٧] إلى تظهرون.
اعلم أنّ قولك: سبحان مصدر كقولك: كفران، وغفران إلا أنّ فعله لم يستعمل، ولو استعمل لكان سبح مثل كفر وغفر، ومعناه التّبعيد من أن يكون له ولدا، ويجوز الكذب عليه والتّنزيه له، والبراءة من السّوء وكل ما ينفى عنه إلا أنه التزم موضعا ولم يجر مجرى سائر المصادر في التّصرف والاستعمال. وذلك أنّه لا يأتي إلا منصوبا مضافا وغير مضاف، لكنّه إذا لم يضف ترك صرفه فقيل: سبحان من زيد، قال الأعشى شعرا:
أقول لمّا جاءني فخر فسبحان من علقمة الفاخر
فلم يصرفه لأنّه معرفة في آخره ألف ونون زائدتان فهو كعثمان، وسفيان كأنّه أجرى مجرى الإعلام في هذا، وهم يحملون المعاني على الذّوات في تخصيصها بأشياء كالأعلام لها، وعلى ذلك أسماء الأفعال، فأمّا قولهم: سبّح تسبيحا، فهو فعل بني على سبحان، ومعنى سبّح الله، أي قال: سبحان الله فهو عروض قولهم: بسمل إذا قال بسم الله، وقد
[ ٣٠ ]
أطلق سبّح في وجوه سوى هذا.
منها الصلاة النّافلة يشهد لهذا قوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
[سورة الصافّات، الآية: ١٤٣] أي من المصلّين، وهو مستفيض أنّ السّبحة هي النافلة، وكان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة.
ومنها الاستثناء كقوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ
[سورة القلم، الآية: ٢٨] أي لولا تستثنون. وقيل: هي لغة لبعض أهل اليمن وليس للكلام وجه غيره لأنّه تعالى قد قال: قبل ذلك: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ
[سورة القلم، الآية: ١٧- ١٨] ثم قال: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ
[سورة القلم، الآية: ٢٨] فأذكرهم تركهم الاستثناء، والمراد من الله تعالى أن يعرفنا عبادته ويعلمنا حمده وما يستحق به إذا أقمناه وكأنه قال: سبّحوا الله في هذه الأوقات وتذكّروا في كلّ طرف منها ما يجدد عندكم من أنعامه، ثم قابلوا عليه بمقدار وسعكم من الحمد والتّسبيح. قوله: حين تمسون وحين تصبحون- أي إذا أفضيتم إلى الصّباح والمساء وحق النّظم أن يكون حين تمسون وحين تصبحون وعشيا وحين تظهرون، لكنه اعترض بقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة الروم، الآية: ١٨] ومثل هذا الاعتراض إلا أنه أبين الفعل والفاعل قوله شعرا:
وقد أدركتني والحوادث جمّة أسنّة قوم لا ضعاف ولا نكل عزل
وفي القرآن: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٥- ٧٦- ٧٧]، ففصل بين اليمين وجوابها كما ترى، وحسن ذلك لأن المعترض يؤكّد المعترض في الأوّل، والحمد إذا اقترن بالتّنزيه والتّسبيح صار الأداء أوفر بهما وأبلغ، والصّبح، والصّباح، والإصباح كالمسي، والمساء، والإمساء، وهذا مما حمل فيه النّقيض على النّقيض، وعلى هذا المصبح والممسي، وجاء فالق الإصباح، ويعني به الصّبح وصبّحت القوم أتيتهم صباحا، أو ناولتهم الصّبوح، ويقولون: يا صباحاه إذا استغاثوا، والمصباح السّراج، واصطبحت بالزّيت، والصّباح قرط المصباح الذي في القنديل والعشي آخر النهار، فإذا قلت عشيّة: فهي ليوم واحد، والعشي السّحاب لأنه يغشى البحر بالظّلام الذي يتلخّص به الآية أن يعلم أنّ المساء منه ابتداء الظّلمة كما يكون من الصّبح ابتداء النّور، والظّهيرة نصف النّهار، وفلان يرد الماء ظاهرة إذا ورد كلّ يوم نصف النّهار يقول، فعلموا الله تعالى بما يدلّ عليه آياته في الصّباح والمساء، والغدو، والرّواح فإنّ في معنى كلّ لمحة من هذه الأوقات بما يحويه من غرائب صنع الله في تبديل الابدال، وتحويل الأحوال وإيلاج اللّيل في النهار والنّهار في اللّيل إيجاب شكره علينا معشر عبيده مؤتنف،
[ ٣١ ]
وإلزام حمده ببقاء الزّمان متّصل قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة الروم، الآية: ١٨] يريد به في أهل السّماوات والأرض، فهو على حذف المضاف كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
والمراد أهلها، والمعنى أنه محمود في كلّ مكان وبكلّ لسان.
وذكر بعض المفسرين أنّ قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٧] الآية دالّة على أوقات الصلاة، وهذا سائغ وإن كانت الفوائد فيما ذكرناه أعمّ وقد قال الله تعالى في موضع آخر: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] الآية، منبها على أوقات الصلاة مجملا، وتاركا تفصيلها وبيانها للنبي ﷺ، والدّلوك مختلف فيه فمنهم من يجعله الزّوال ومنهم من يجعله الغروب، وهذا كما اختلفوا في الآية الأخرى وهي:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[سورة البقرة، الآية: ٢٣٨]، فمنهم من قال: أراد بالوسطى العصر، ومنهم من قال: أراد بها الفجر ويجوز أن يكون المفروض بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] أربع صلوات في النّهار صلاتان: الظهر والعصر، وفي اللّيل صلاتان: المغرب والعشاء الآخرة.
وقوله تعالى: كانَ مَشْهُودًا
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] أي يشهده الملائكة، ويجوز أن يكون المراد حقه أن يشهد، والغسق الظّلمة. فأما اختصاص السّماوات والأرض بالذّكر من بين الأشياء كلّها فلشمولها لكل مخلوق، ومثله قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] والمعنى وهو الذي يحق له العبادة، وإذا كان كذلك فكلّ مذكور معلوم داخل فيهما، ويكون قوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] خبرا ثانيا أي هو إله في الأرض كما هو إله في السّماء لا يخفى عليه خافية.
ويحتمل أن يكون المراد وهو الله في السّماوات أي هو معبود فيها، وقد تم الكلام ويكون قوله: وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] على أنه خبر ثان، والمراد أنه معبود في جميع ذلك عالم بالسر والجهر. وقيل في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[سورة الزخرف، الآية: ٨٤] أنّ الخلق يؤلهون إليه- أي يفزعون في الشدائد إليه مستعينين به «١» وأهل الأرض متساوون في حاجتهم إلى رحمته وجميل تفضله. فأما قوله: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[سورة الزخرف، الآية: ٨٤] فإله مشترك غير مخصوص وجاز فيه الجمع كما جاء: اجشاء الآلهة إلها واحدا.
وكما قال: اجشاء لنا إلها كما لهم آلهة وهو يعمل عمل الفعل، ألا ترى أنّ قوله:
[ ٣٢ ]
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ
الظّرف فيه متعلق بما في الإله من معنى الفعل وفي تقديره وإعرابه عدة وجوه: منها أن يقال: إنّ العائد إلى الذي محذوف كأنّه قال: وهو الذي هو في السّماء إله وفي الأرض إله، وساغ حذف العائد بطول، وهي قوله في السّماء إله وفي الأرض إله، وهذا كما حكى عنهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وقد قال الخليل: إني أستحسنه إذا طال الكلام فهذا وجه، ويجوز أن يقال: إنه مرتفع بالابتداء وخبره في السّماء وفي الأرض والعائد إلى الذي هو الذي يعود إلى إله لأنّ الذي هو في المعنى والحمل على المعنى مذهب أبي عثمان، وقال مع ذلك لولا كثرته لرددته، ومثله قول القائل: أنت الذي فعلت، وقوله:
(أنا الذي سمتني أمي حيدره) والقياس فعال، وسمته وقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] الظّرف لا يتعلق بالاسم أعني لفظة الله على حد ما يتعلق بإله إلا على حد ما ذكره لك، وهو أنّ الاسم لما عرف منه معنى التّدبير للأشياء وإبقائها بحفظ صورها في نحو: أنّ الله يمسك السّماوات والأرض أن تزولا، ونحو:
ويمسك السّماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ونحو: أمن جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، صار إذ ذكر كأنه ذكر المدبّر والحافظ فيجوز أن يتعلّق الظّرف بهذا الذي هو الاسم العالم بعد أن صار مخصوصا وفي حكم أسماء الأعلام التي لا معنى فعل فيها، فهذا بمعنى الاسم، وما كان يدل عليه من قبل من معنى الفعل.
وعلى هذا تقول: هو حاتم جوادا، وهو أبو حنيفة فقيها، وهو زهير شاعرا، فتعلق الحال مما دخل في هذه الأسماء من معنى الفعل لاشتهارها بهذه المعاني، فلا ترى أنك لا تقول: هو زيد جوادا ما لم يعرف بذلك وعلى هذا تقول: هو حاتم كلّ الجواد، وهو أبو حنيفة كل الفقيه.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة يونس، الآية: ٣] الآية، لما كان الله تعالى خالق الأشياء ومبتدعها، ومدبّر الأفلاك ومسخّرها، وكانت الأبصار لا تدركه، والأقطار لا تحده، وأراد مع ذلك أن يعرف نفسه إلى من يتعبّده من خلقه لتسكن نفوسهم إلى مصطنعهم فيعتصموا به ويتمسكوا بدعائه أحالهم على مراده من ذلك بآثاره وآياته في أرضه وسمائه، إذ كان الطريق إلى معرفة الشيء أما أن يكون بما يؤدي إليه رواتب الحس، وهي الأجسام والأعراض، أو بما يبرهن عليه دلائل الصّنع، وهو ما يكشف عند الاستدلال، فأعلم المشركين فيما أنزله أنّ الذي يجب تعظيمه ويحق ربوبيته هو خالق السّماوات والأرض في ستة أيام، فتوصّلوا إلى معرفة ما نصبه من أدلّته، فسيشهد لكم من جلائل قوّته وعزّته ما يزيد في البيان على ما يصل إليه الواحد منكم بحاسّته ويصوّر لكم النّظر بما مهل في أوائل عقولكم ما تميّز الشّك من اليقين لكم وتخلّص الصفو من الكدر
[ ٣٣ ]
في معتقدكم، فالآلة تامة، والعلّة منزاحة، وما كلف بما كلفتم إلّا بحكمة بينة، وطريقة في فنون الصّواب ثابتة، وإنما خلقهما في ستة أيام ليعرف عباده أن الرفق في الأمور، وترك التّعجل هو المرضى المختار في التّدبير لأنّه تعالى لو شاء أن يخلقهما في أدنى اللّمحات، وأوحى «١» الأوقات لما مسّه فيما يأتيه إعياء ولا لغوب، ولا أعجزه كلال ولا فتور.
وإنّما أراد أن يحدثه حالا بعد حال لتدرك ثمرات عبرهم شيئا بعد شيء، وليتأدّب أولو البصائر بآياته، وحمله قرنا بعد قرن، يبيّن هذا أنه تعالى نهى نبيّه ﵇ فيما يتلقّاه من وحيه، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
[سورة طه، الآية: ١١٤] وقال أيضا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
[سورة الإنسان، الآية: ٢٣- ٢٤]، ثم جعل فيما نزّله مجملا ومطلقا ولو شاء لجعل الكلّ مفسرا، ونعى على الكفار لما قالوا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. وقال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: ٣٢] وهذا أحسن.
وقال بعض مشايخ أهل النّظر: لو أراد الله تعالى أن يخلقها ويخلق أضعافا كثيرة معها لفعله، وهو عليها قادر لكنه جعلها في ستة أيام ليعتبر بذلك ملائكته الذين كانوا يشاهدونه، وهو يحدث شيئا بعد شيء في هذه الأيام الستّة عبرة مجددة، ويستدل بكل ما يحدث دلالة مستأنفة وليكون ذلك زيادة في بصائرهم، والحجة التي يقيمها عليهم، فقيل له في ذلك: إن كان ذلك حكمة فيجب أن يطرد في جميع ما خلقه وليس الأمر على هذا على أنّ ذلك ليس بسائغ لأنّ الملائكة لا يستغنون عن مكان يحويهم وإذا كان لا مكان في العالم إلّا السّماء والأرض فليس يعقل كون الملائكة قبل كونهما.
ويمكن أن يقال: في هذا والله أعلم أنه تعالى أعلمنا أنه أحدث شيئا بعد شيء حتى وجدت عن آخرها في ستّة أيام، وبيّن لنا بذكر الأيّام السّتة ما أراد أن يعلّمنا إياه من الحساب الذي لا سبيل لنا إلى معرفة شيء من أمور الدّنيا والدّين إلا به، كما قال: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة يونس، الآية: ٥] الآية. فأصل جميع الأعداد التّامة ستة، ومنها: يتفرع سائر الأعداد بالغا ذلك ما بلغ إذ كان ما عداها من الأعداد ناقصا، أو زايدا.
ألا ترى أنّ لهذا النّصف وهو ثلاثة والثّلث، وهو اثنان، والسّدس، وهو واحد، وإذا حسبت جميعها كانت ستة، وعند من يعتني بهذا الشأن أن نظير الستة من العشرات ثمانية وعشرون، وكذلك لها في كل من المئتين والألوف نظير واحد، فالسّتة أول الأعداد التامة
[ ٣٤ ]
كما أنّ التسعة منتهى الأنواع كلها الآحاد والعشرات والمئات والألوف لاشتمالها على الفرد، وهو واحد والزّوج وهو اثنان والزّوج والفرد، وهو ثلاثة والزّوجين، وهو أربعة، وقد انتهى أنّ ما يجيء من بعد يكون مكررا، وإذا حسبت الجميع كان تسعة، فكأنه سبحانه من حكيم أراد أن يكون انتهاء خلقه للعالم بأسره إلى عدد تام فيما يحصى كما أنّه في نفسه تام لا بخس فيه ولا شطط فيما يروى ويتلى.
ونظير هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: وإن كان فيه زيادة بيان، وسنحكم القول في جميعه لأنّ ما فيه من زيادة بيان نقيضه إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصّلت، الآية: ٩] إلى فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
[سورة فصلت، الآية: ١٠] يريد ما أضيف إليه لولا ذلك لما كان لقوله سواء للسائلين معنى فكأنه قال في تمام أربعة أيام سواء لمن يسأل عن ذلك، ثم قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ
[سورة فصّلت، الآية: ١١] إلى فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصّلت، الآية: ١٢] .
واعترض بعض الملاحدة فقال: هذا باطل إنكم وفقتم بين التفصيل في هذه الآية وبين الإجمال في الآية المتقدّمة، بأن تقولوا: قوله في أربعة أيام، يريد مع اليومين الذين خلق الأرض فيهما، فما قولكم في قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
الآية. فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السّماء.
وقال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها
إلى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[سورة النازعات، الآية: ٢٧، ٣٠] فدلت هذه الآية على أنه خلق السّماء قبل الأرض.
والجواب أنه إنما كان يحد الطّاعن متعلقا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها، أو أنشأها وإنّما قال: دحاها، فابتدأ الخلق في يومين، ثم خلق السّماوات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها ومدها وأرساها بالجبال وأنبت فيها الأقوات في يومين فتلك ستة أيام وليس أحد أنه تعالى لها في ستة أيام إلا كتكوينه إياها في غير مدة ولا زمان لكن الحكمة التي دللها عليها أوجبت تقسيمها والإتيان بها على ما ترى.
وقال في موضع آخر: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة يونس، الآية: ٣] وكان عرشه على الماء، وهذا أبلغ في الأعجوبة أن يكون العرش هذا البناء العظيم على الماء وإنما يراعى في أسباب الأبنية ووضع قواعدها أن يكون على أحكم الأشياء فهو مثل ابتداع أعيانها وإقامتها بلا عهد ولا علاقة. وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[سورة فصّلت، الآية: ١١] أي قصد خلق السّماء كما خلق الأرض سواء، وعمد إليها بعقب خلقها من غير
[ ٣٥ ]
حائل بينهما وذلك تكوينه لهما جميعا كما أراد. وهذا كما يقال: فعلنا كذا، ثم استوينا على طريقنا، أو استمررنا فيها سائرين ولم يشغلنا عن الامتداد شاغل. قال زهير في مصداق ذلك:
ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم ماء بشرقي سلمى فيداور كل
ويروى ثم استووا، وتنادوا، وقد كان الله تعالى قبل تسويته إياها على ما هي عليه خلقها دخانا، فكون بعد ذلك من الدّخان سماء وشمسا وقمرا وكواكب ومنازل وبروجا وقوله: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*
[سورة يونس، الآية: ٣] يريد الاستيلاء، والملك يدل عليه قول بعيث:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
يعني بشر بن مروان لما ولي العراق، والعرش يحتمل أن يكنى به عن الملك وإن كان الأصل فيه ما يتخذه الملوك من الأسرّة، ولهذا قيل لقوّام أمر الرّجل العرش، وإذا اضطرب قيل ثلّ عرشه، ويحتمل أن يراد به السّماوات والأرض لأنّ كلها سقف عند العرب، ويقال:
عرشت الشيء، وسمكت، وسقفت، وسطحته بمعنى، ويكون مجيء ثمّ على هذا النّسق خبرا على خبر لا لترتيب وقت على وقت ومثل هذا قول الشاعر:
قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جدّه
وذكر بعض شيوخ أهل النظر أنّ ثم إنما هو لأمر حادث، واستيلاء الله على العرش ليس بأمر حادث بل لم يزل مالكا لكل شيء، ومستوليا على كل شيء فيقول: إنّ ثم لرفع العرش إلى فوق السّماوات وهو مكانه الذي هو فيه فهو مستول عليه ومالك له فثمّ للرفع لا للإستيلاء، والرّفع محدث، قال ويشبه هذا قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
[سورة يونس، الآية: ٣١] لأنّ حتّى يكون لأمر حادث وعلم الله ليس بحادث. وإنّما المعنى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك وإنّما قال هذا لأنه لم يعرف ما ذكرناه من الوجه الثّاني في ثم، ومعنى يغشى اللّيل النّهار أي يغطي ضياءه ونوره، فهو كقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ*
[سورة لقمان، الآية: ٢٩] قوله: يطلبه حثيثا أي يطلب اللّيل النّهار، والحثيث السّريع، وذلك كما قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
[سورة يس، الآية: ٤٠] جعل التّعاقب كالطلّب وقد مرّ القول في ذلك مستقصى.
قوله تعالى: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ*
[سورة النحل، الآية: ١٢] أي بإرادته وانتصب القمر وما بعده بالفعل، وهو خلق، ومسخّرات انتصبت على الحال أي سخّرت بالسير، والطّلوع والغروب. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[سورة الأعراف، الآية: ٥٤] المراد بالخلق
[ ٣٦ ]
المخلوق وللأمر في اللغة وجوه تجيء ومعناه الإرادة والحال ومصدر أمرت، وتختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[سورة الروم، الآية: ٥٤] .
والمعنى الأمر كله له لا شريك معه في شيء ولا معين، ولا وزير، ولا ظهير. وإنّ إرادته هي النافذة لا ترتد ولا تبوء، ولا تتوقّف، ولا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب ولا نصب.
قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[سورة غافر، الآية: ٦٤] تمجيد وتجليل، وهذا تعليم من الله كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة الفاتحة، الآية: ٢]، تعليم كيف يحمد، والعالمين الخلائق. وقال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، وقيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم والطّابع لأنه يختم بهما الشيء ويطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. وقوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ
[سورة فصّلت، الآية: ٩] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
تبكيت للمخاطبين وإزراء بهم. وإنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها ولا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. وتلخيص الكلام أتكفرون بمن هذه آثاره، وتجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب وخالق الأرض والسّماوات، وهو لنا ولكم بمرصاد.
ومعنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
[سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان التكوين، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان حسن الطاعة، وسرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء والجواب بالألفاظ المستعارة والأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم وتعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، وأساليب التّصاريف في الاستفهام والأفهام، وإخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، وإن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب والمجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة والدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ أين من بنى دورك وأسّس ربوعك وعرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، وهذا كاف لمن تدبّر.
فأمّا الطّوع والكره والطائع والمكره واستعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف ويهون أو يشتد فظاهر، وقد قال الله تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
[سورة
[ ٣٧ ]
المائدة، الآية: ٣] أي سهّلته عليه ودمثته. وأما التأنيث في قال لها وقالتا فللفظ السّماء والأرض وكونهما في لغتهم مؤنثين، وأما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، وقد مضى مثله. وروي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، واستقام خلقها في الاثنين، وبارك فيها وجعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[سورة فصّلت، الآية: ١١] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما وفرغ منهما قال الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السّوابغ تبّع
وقيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، والأول أحسن في النّظم وأجود، ويجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي قصد لبنائها من غير فصل ولا زمان كما يقال لمن كان في عمل وأريد منه إتمامه وترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه ومعنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ
[سورة فصّلت، الآية: ١٠] أي جبالا ثوابت تمسكها، وهذا كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا وَالْجِبالَ أَوْتادًا
[سورة النبأ، الآية: ٦، ٧] وقوله: سَواءً
المنتصب على المصدر أي استوت سواء، واستواء، ويجوز الرفع على معنى وهي سواء أي مستويات. ويجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً
[سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى مستويات.
وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[سورة فصّلت، الآية: ١١] المراد بالوحي الإرادة والتكوين، والمعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه وقدّرها من مراده قال تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
[سورة الأحزاب، الآية: ٣٨] وكما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ
[سورة الطلاق، الآية: ١٢] وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا
[سورة فصلت، الآية: ١٢] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا ونهارا، وقال: وَحِفْظًا
لأنها باللّيل رجوم للشياطين، وانتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، وحفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصلت، الآية: ١٢] نبه على حكمته فيما فعل وقدرته وأنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته.
ومنه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا
[سورة الفرقان، الآية: ٦١] إلى شُكُورًا
أراد بالبروج الحمل، والثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، وكل برج منها ثلاثون قسما، ويسمى الدّرج وإنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ
[ ٣٨ ]
القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، وهي التي تسمّى الشهور القمرية، وجعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وقريب من ربع يوم ويستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع والصّيف والخريف والشّتاء. ولهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس.
فلّما كانت العرب تراعي القمر ومنازله، وهي ثمانية وعشرون منزلا في قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور مراعاة عجيبة. ولهم في ذلك من صدق التأمّل واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب والجدب، ويعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن والإقامة ذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم فيها، وعلى جميع الخلق ودعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا
[سورة نوح، الآية: ١٥] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
[سورة يونس، الآية: ٥] فقوله: تَبارَكَ
تعليم منه أي قولوا تبارك، والمعنى دام ذكره وثبت بركته عليكم ويمنا واستدامة الخير ونفعا.
وأصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه وقوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجًا
[سورة الفرقان، الآية: ٦١] أي الشّمس وقد كرر ذكر الأنوار والظّلم في عدة مواضع؛ ولم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، وذلك لشيء حسن وهو أنّ الضّياء والنّور والمصباح وما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شيء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد وحمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، ولا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، وكشف الله تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا
[سورة النبأ، الآية: ١٣] . والوهج ضوء الجمر واتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن وصفت بالسّراج وهذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٦٢] أي مختلفة يجيء هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا، ويجوز أن يريد به أنها تجيء وبعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع وتختلف في قصورها ويكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[سورة آل عمران، الآية: ١٩٠] . وانتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، وقوله: لِمَنْ أَرادَ
مفعولا ثانيا لجعل، والمعنى صير اللّيل والنّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، واللّام في لمن تعلق بجعلنا، ويجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، واللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم ومن أجلهم والوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،
[ ٣٩ ]
وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته «١» عمله من التّذكّر والتّشكر كان له في اللّيل مستعتب ومن فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب.
وتلخيص الآية من أراد الاستدلال على الله، فتفكر في آلائه التي لا تضبط وتذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل والنّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، والشّكر كل ما كان طاعة وثناء على الله، ويكون بالفعل والقول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[سورة سبأ، الآية: ١٣] قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*
[سورة القمر، الآية: ١٧] ومن تأمّل هذا التّوسيع من الله عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا وله أن ينقطع فيه إلى الله من غير تضيق ولا مدافعة على أنّ الله تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال.
ومنه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
[سورة المرسلات، الآية: ٢٩] إلى لِلْمُكَذِّبِينَ
قوله تعالى: انْطَلِقُوا
لم يرد به الأمر بالانطلاق وإنما هو مقدمة يأس من المأمور وبعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
[سورة ص، الآية: ٦] وهذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، وأقبل يأمر بكذا، وقم بنا نفعل وإن لم يكن، ثم اقبال وقيام ويقولون: ذهب يقول في نفسه وإن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك وفي صورته وعلى هذا قولهم: تعال نفعل كذا وهلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث والنّشور وملائكة الله وكتبه ورسله وشيء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه وتخوفون له فلا تعبأون به ولا تنزجرون لمكانه وهذا تبكيت وتقريع.
قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[سورة المرسلات، الآية: ٣٠] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم ويساقون إلى النّار ولا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه وأليم سخطه. ويكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، وكالتّفسير له والمراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل ولا روح فيه ولا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة ولهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، وكأنّها في عظمها جمالات صفر، والجمالات جمع جمالة، وزيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. وهذا كما يقال: بحر وبحارة وذكر وذكارة، وقد قرأ ابن
[ ٤٠ ]
مسعود جمالة، وقرىء جمالات وهو أكثر في القراءة وأقوى ولا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، ويراد بالجمالات الطّوائف، وهذا كما يقال: جمال، وجمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، ويكون جمالات، وجمال كحبال، وحبالات، وبيوت، وبيوتات للطّوائف، وقد قيل: رجال ورجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت وبينت لأنّ رجال نهاية الجمع ورجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، ومعنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب.
وقد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
[سورة المرسلات، الآية: ٣٢] قيل فيه: واحد القصور والتّشبيه بها لعظمها، وقيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، وهي الغليظ من الشّجر وقرىء كالقصر بفتح الصاد وهي أعناق الإبل.
فأما تكرير التّشبيه وجعلها أولا كالقصر وفي الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشرّرة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد وللجمع والله أعلم.
وقوله تعالى: لا ظَلِيلٍ
فهو كقولهم: داهية دهياء، ونهار أنهر، وليل أليل، وليلة ليلاء يتبعون الشيء بصفة مبنية منه. والمراد المبالغة والتأكيد. وقال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[سورة المراسلات، الآية: ٣٠] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها وعلى هذا كل ذي ظل إذا تأملته ويشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
[سورة الزمر، الآية: ١٦] . وقال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[سورة العنكبوت، الآية: ٥٥]، وقال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، وأنه لا يغني من اللهب وأنّها ترمي بالشّرر كالقصر، وتحصيل هذا ذي ثلاث صفات.
ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٥] إلى الْعالَمِينَ
قوله: فَلا أُقْسِمُ
يجوز أن يكون قوله: فَلا
نفيا لشيء قد تقدّم، وتكون الفاء عاطفة عليه وابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ
ويجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
[سورة الحديد، الآية: ٢٩]، والمعنى لأن يعلم، وقال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، وقال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، وإزالة لما يعترض فيها من التّجوز والتّسمح؛ وإذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ
يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور وخلوصه من الشّك أبين وأوضح من أن
[ ٤١ ]
يتكلّف إثباته بالإيمان. وعلى هذا يكون قوله: وإنّه لقسم يراد به أنّ الحلف بمواقع النّجوم عظيم ممّن أقسم بها، وقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ
بعث على الفكر في المحلوف فيه وبما يتضمّنه مما يعظم موقعه في الصّدور عند تأمّل الأحوال المبهجة للاستدلال؛ وقيل: أراد بالنّجوم الأنواء وما يتعلق بها من حاجات النّفوس ومن المآرب والهموم على اختلاف المعتقدات فيها. وقيل: بل المراد بها فرق القرآن لأنّ الله تعالى أنزله نجوما لما عرفه من مصالح المكلّفين والمدعوّين إلى الدّين، ويكون الشّاهد لهذا الوجه قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٧]، ويكون الطّريق فيمن جعلها الأنواء التّنبيه على وجوه النّعم في الأنداء والغيوث، وما به قوام الخلق في متصرفاته. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
جواب اليمين عند من أثبته يمينا وفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٨] يجوز أن يريد به اللّوح المحفوظ لأنه أودع التّنزيل اللّوح، ثم فرّق منه نجوما ويشهد لهذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا
[سورة الزخرف، الآية: ٤] وذكر الأم كما قيل في المجرّة أم النّجوم، وكما قيل مكة أمّ القرى، ومعنى كريم أنّه خلص من جميع الأدناس، وطهرّ من الشّوائب، يشهد لهذا قوله تعالى في صفة المؤمنين: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا
[سورة الفرقان، الآية: ٧٢] .
وهذا كما يقال: في صفة الشيء العظيم الخطير هو مكرم علي أي يجلّ موقعه، والمراد بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٩] الملائكة إذا جعلت الكتاب اللّوح المحفوظ، والمعنى لا يصل إليه ولا يقرّبه غيرهم وذلك على حسب ما يصرفون فيه عند تنزيله، وإن جعلت الكتاب المكنون ما حكم الله به من قضاياه وتعبّد به عباده من أصناف العبادات، وشاهد هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[سورة الحجر، الآية: ٩] وإنّ حفظ الشيء وصيانته وكنه واحد، والشّاهد في أنّ الكتاب المكنون هو الحكم المفروض. قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[سورة النساء، الآية: ٦٦]، وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٣]، فحينئذ يكون معنى لا يمسّه لا يطلبه كما قال:
مسسنا من الإباء شيئا وكلّنا إلى حسب في قومه غير واضح
وقد حكي أنّ اللمس والالتماس والمس متفقات، والحجة في أنّ اللمس مثل الالتماس قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ
[سورة الجن، الآية: ٨] . وقول الشاعر:
ألام على تبكّيه وألمسه فلا أجده
فقوله: لا أجده يشهد بأنّ المراد بالمس الطّلب لا غير، وقد أحكمت القول في هذا:
في (شرح الحماسة)، وقال بعض النّظار: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٩]، لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي، والمعنى لا يتناولن المصاحف إلّا
[ ٤٢ ]
المطهّرون، فليس يجوز للجنب والحائض مسّ المصاحف، تعظيما لها وإجلالا. قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة الواقعة، الآية: ٨٠] تصديق للنبيّ ﵌ في جميع ما دعا إليه من الإيمان بالله تعالى أو في إبطاله دعاويهم وشهاداتهم في القرآن وسائر العبادات، وارتفع تَنْزِيلٌ
على أنّه صفة لقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
، أو على أنّه خبر مبتدأ محذوف.
ومنه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ
[سورة الإسراء، الآية: ٤٢]، كما يقولون إلى حَلِيمًا غَفُورًا
ذكر الله تعالى فيما وعظ من قبل قوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ
[سورة الإسراء، الآية: ٣٩] ثم أتبعه بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا
[سورة الإسراء، الآية: ٤١]، والإنذار بالتّبكيت الشّديد والوعيد الممض إلزاما للحجّة، وإظهارا للعناد منهم، وأنه هداهم فلم يهتدوا، وذكّرهم فلم يعبأوا إعجابا برأيهم، وذهابا عند التّدبّر، والنّظر ليومهم وغدهم ودنياهم وآخرتهم، ثم أخذ ﷿ يحاجهم على لسان نبيّهم فقال: قل لهؤلاء الذين ضلّوا عن الرّشاد، وعموا عن الصّواب، إنّ الله تعالى لو شركه في ملكه غيره كما تدّعون لفسدت الأحوال، وتقطّعت الوصل والأسباب. ولعلا بعضهم على بعض وكان يطلب كلّ الاقتسار، وتسليم الأمر له، كما قال هو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] . وكان لا ينفع الاستثناء فيما بينهم وترك الخلاف وإظهار الرّضاء، لأنّ الاستبداد، أو طلبه وإن لم يظهر فعلا من واحد منهم فلا مهرب من تجويزه عليهم؛ وجوازه لن يحصل إلّا عن تقدير استضعاف، ومن قدر فيه ضعف فإنه لا يكون إلها وهذا بيّن. قوله تعالى: إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
[سورة الإسراء، الآية: ٤٢]، أي لطلبوا إلى أخصّهم بالملك، وأولاهم بالأمر منازعته ومجاذبته ومساواته ومسامته؛ قوله:
ذِي الْعَرْشِ
يجوز أن يريد به ذا السلطان والعزّ، ويجوز أن يريد به ذا السّرير الذي حمله في السّماء والملائكة يطوفون حوله. كما أنّ البيت المعمور في السّماء الرابعة. وقال بعضهم: أي العرش، وأنشد قول الشّماخ: (فأدمج دمج ذي شطن بعيد) . قال: يريد أدمج شطن، فزاد ذي، فكذلك قوله: إلى ذي العرش، يريد إلى العرش، والمعنى لطلبوا إلى الاستيلاء على العرش، والاستواء عليه طريقا، قال ومثله لفظ حي أنشد أبو زيد:
يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد قد كنت خائفه على الأحماق
يريد أنّ أباك خويلد، فزاد قوله: حي، وقوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ
الظّالمون بمعنى علا، والمعنى جلّ، وارتفع عما يقول المشركون أكده بقوله: عُلُوًّا
، ووصف العلو بالكبر مبالغة في التّبعيد. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[سورة الإسراء، الآية: ٤٤] . يريد ما من شيء إلّا وبما فيه من أثر الصّنعة يدلّ على قدرة الله تعالى ويشهد.
[ ٤٣ ]
بإلهيته، ويدعو إلى عبادته وينفي عنه مشابهة لخلقه، وجميع ما لا يليق بحكمته. ومعنى يسبّح بحمده أي ينزهه، إما إعرابا باللّسان، أو دلالة بواضح البرهان، وفائدة قوله: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أي فيما يظهر من حكمته في خلق ما خلق. والأنعام على من أنعم حمدا له إذا لم يكن إعداد الشّكر في مقابلة النّعم أكثر من إضافة النّعم إلى المنعم، فإذا كان الحمد تولية النعمة ربّها وإشادة ذكره ونسبتها إليه، فآثار النعم حامدة شاكرة لمسديها. ألا ترى إلى قول القائل: (ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب) . فنسبة الثناء إلى الحقائب كنسبة التّسبيح بالحمد لله إلى الدّال عليه والمقيم له. وهذا حسن بالغ. قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[سورة الإسراء، الآية: ٢٢] أي تجحدونه، أو تعرضون عنه فعل من لا يفهم وهذا كقوله تعالى يصفهم: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٩]، ثم قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٩] . قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا
[سورة الإسراء، الآية: ٤٤]، يريد هو حليم حين لم يعاجلهم فيما ادّعوه بالعقوبة ولكن تركهم إمهالا ورفقا، وهو غفور لمن أناب وإن ارتكب كلّ منكر قبيح رحمة منه لعباده وحسن تفضّل.
ومنه قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ
[سورة الحديد، الآية: ٢] إلى عَلِيمٌ
، أثبت الله لنفسه أنه القادر الغالب، فهو يملك وجميع ما تدركه الأبصار والأوهام من أصناف العالم جليلها ودقيقها، خيرها وشرّها، يتصرّف فيها كما شاء؛ واختار تصرّف الملاك، فهو ملك مالك يبدئ، ويعيد، ويحيي ويميت، وقد أقرّت له الصعاب.
وتذلّلت له الرّقاب. لا يمتنع عليه مراد وإن عزّ وشقّ. ولا يوجد عنه ذهاب فيما ثقل أو خفّ. إليه آماد الأعمار، والأرزاق، ومصارف البقاء والفناء فهو القادر الحكيم، والعالم الغني، لا يخفى عليه معلوم وإن دقّ، ولا يعزب عن الظّهور له مطلوب وإن رقّ، الأول في الوجود لقدمه لا عن ابتداء مدة، والآخر بعد فناء كل شيء خلقه في الدّنيا لبقائه لا إلى غاية، لم يزل ولا يزال على ما هو عليه من ديموميته، وحكمته، وصواب فعله وقدرته، يحيي الأموات إذا شاء، ويميت الأحياء إذا شاء، ويفني المخلوقات إذا شاء، ويعيدها إذا شاء. الظّاهر بما له من آياته التي لا تخفى، وعبره التي لا تفنى، والباطن لأنه لا تدركه الأبصار ولا تحصله الحواس، وهذا وجه في الآية. وقيل: أراد بالظّاهر أنّه غالب على كل شيء، بما دلّ به على نفسه، من أصناف صنعه كما قال تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
[سورة الصف، الآية: ١٤]، أي عالين غالبين، ويقال: ظهرت على الجلي الواضح الذي هو كالجمر. وقيل في الباطن التي هي في خفائها كالسّر فهو بما تجلّى منها ظاهر، وبما خفي منها باطن، وهذه آية لها جوانب تقتضي الكلام عليها وأنا إن شاء الله أبلغ الغاية بمقدار فهمي.
[ ٤٤ ]
اعلم أنّ الله تعالى قال في موضع من كتابه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٦، ٢٧] ما قال على الموت لأنّ الموت إنّما نعدم به الحياة، والله تعالى قال: كلّ من عليها، ولم يقل حياة من عليها، وقال بعده: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
، والميت جيفة تبقى، وإذا كان كذلك فلا فضيلة في البقاء مع الشركة فيه، وإذا سقطت الفضيلة فلا تمدّح لرب العالمين، وقال تعالى في موضع آخر: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[سورة العنكبوت، الآية: ٨٨] . وذكر في صفات نفسه هو الأول، والآخر، والظّاهر، والباطن. وكلّ هذه الآي دالّة على أنّه تعالى يصير منفردا بالوجود، كما كان منفردا به من قبل أن يخلق الخلق وأنه تعالى يفني كل ما خلقه إفناء لا يبقى له أثر ولا رسم حتى يصير بالفناء في حكم ما لم يخلق ولم يوجد، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[سورة الروم، الآية: ٢٧] وفي آخر: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
[سورة الأعراف، الآية: ٢٩]، والمعاد هو وجود على صفة لا زيادة عليها، وهو أن يتقدّم الوجود للشيء فيبطل، ثم يعاد إلى الذي كان عليه من الوجود، وإذا كان السمع قد أثبت معادا، وحقيقة المعاد ما ذكرناه من أنّ ما سميّناه في الأول إحداثا ومحدثا سمّيناه، وقد بطل واستجد الجادة في الثاني معادا، ومستجدا فقد وضح معنى قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
والآي التي معها.
فإن قيل الذي يعرفه أهل اللغة من معنى الفناء هو نفاد المركب قليلا قليلا كنفاد الزّاد والاضمحلال والهزال هو تحلّل الأجزاء؛ والاستحالة هو تغيّر مزاج الشيء. قلت: الفناء بطلان الشيء دفعة واحدة، وهو ضد الإنشاء والاختراع فإذا تجاوزت هذا الموضع فاستعماله على ضرب من التّشبيه به فقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٦]، يريد أنّ جميع ما خلقه قبل الوقت الموعود للثّواب والعقاب يبطله بمعنى يخزعه، إذا حصل فنى به الأجسام، والأعراض كلّها. فناء الضّد بالضّد، وليس ذلك المعنى بمقدور للعباد. والبقاء لا يجوز عليه، فإذا أفناهم بعزته الغالبة بذلك المعنى أعادهم بقدرته الواسعة كما كانوا قبل الفناء، ولا يصح ما أجمع عليه المسلمون من أمر المعاد والفناء إلّا على ما ذكرناه، وهو اللغة والشّرع، والنّاظر فيما ذكرناه بيّن له معرفة الفناء مثل ما بين له من معرفة المعاد.
وحكمة وضع اللّغة لأنّ الذي ينقطع وجوده بالموت كالحي منّا ظاهر التميز عما لا ينقطع وجوده بالفناء، وما أشبهه من الأعراض. وإذا كان كذلك فإنّا نثبته بالسّمع كما ثبت جواز كونه وخلق الله له بالعقل ولكّل معرفة حقيقة إلى الله تعالى، كما قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: ٨٥] . ويكون من جملة ما استأثر بعلمه، وإذا أعادهم حشرهم النّظر في أعمالهم في مواقف مختلفة، كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: ٢٥، ٢٦] . وكما قال تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[سورة إبراهيم، الآية: ٤٧]، وكما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ
[ ٤٥ ]
مِيقاتًا
[سورة النبأ، الآية: ١٧] إلى سَرابًا
فإن سأل سائل عن معنى قوله: فَكانَتْ أَبْوابًا
[سورة النبأ، الآية: ١٩] . وعن وجه التشبيه بالسّراب قلت: معنى قوله: أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة، وليس المعنى صارت كلّها أبوابا، كما أنّ قوله: كانت فراخا بيوضها صارت كلّها فراخا، لأنها إذا صارت كلّها أبوابا عادت فضاء، وخرجت من أن تكون أبوابا.
وأما التّشبيه بالسرّاب، فالمراد به بيان إلماعها، وتخلخلها في نفسها، والسّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد، ويقال: سرب الماء يسرب، إذا سال، والمراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود، وقد أخرج الله تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لا ختلاف أحوال المسوفين، وكرر ذكرها، وحذّر منها، ونبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ
[سورة المرسلات، الآية: ٨] إلى لِيَوْمِ الْفَصْلِ
، وقال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
[سورة الحجر، الآية: ٤٨] الآية، فتبديل الأرضين والسّماوات وإطفاء الضّوء وتفريج السّماء وتحليل عقدها حتى تصير أبوابا وطمس نجومها؛ وانتشار كواكبها، ونسف جبالها كلّ ذلك، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء، وإزالة معاقد الأرض والسّماء. وقد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها، ووسائطها، وأواخرها فمن ذلك قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
[سورة النازعات، الآية: ٦] إلى بِالسَّاهِرَةِ
. وقال تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ
أي الوعد به صدق، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون والآخرون، ويجتمع متفرّق الأسباب، ومتمزّق الأجلاد، ويعود غائب الأرواح، ويحشر الأفواج. وقد قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
[سورة النازعات، الآية: ٣٤] والطّامة هي العالية على ما قبلها.
وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ
[سورة الانفطار، الآية: ١] إلى وَأَخَّرَتْ
، وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
[سورة الانشقاق، الآية: ١] إلى وَتَخَلَّتْ
وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[سورة التكوير، الآية: ١] وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
، وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
[سورة الزلزلة، الآية: ١]، وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٧] إلى آخر السورة. وهذا السؤال، والجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها
[سورة النازعات، الآية: ٤٤] مثل قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
[سورة البروج، الآية: ١٢] والإبداء إبداعه الخلق كلّه لا من شيء والإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة، والبعث، والحشر، وإعداد الثّواب والعقاب.
وحكي عن الأصمعي أنه قال: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى.
[ ٤٦ ]
قال أبو العباس المبرّد: وهذا خطأ لأنّ قوله: أول هو موقع لما بعده وذلك أن تأتي بعده بما شئت، ولا يكون آخر إلّا لشيء قبله غيره، وإنّما هو مأخوذ من آخره. وقيل: لما كان لا أول له. قال المبرد: ولا يجوز هذا إلّا في صفة القديم تعالى، فهو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن. وقال الفقهاء: إذا قال الرجل: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين جميعا معا لم يعتق واحد منهما، وإن ملك بعد ذلك عبدا آخر لم يعتق أيضا لأنه ليس بأول، ولو قال: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ونصف عبد عتق العبد ولم يعتق النّصف لأنّ هذا أول عبد ملكه، والنّصف لا يسمّى عبدا واحدا، ولو قال آخر: امرأة أتزوّجها من النّساء فهي طالق، فتزوّج امرأة، ثم تزوّج أخرى، ثم طلّق الأولى، ثم تزوّجها، ثم مات فإنّ الطّلاق يقع على الثانية التي تزوّجها وما يقع على التي تزوّجها أول مرة وليست بآخر، والتزوج بها ثانيا لا يخرجها من كونها أول امرأة.
ألا ترى أنه لو نظر إلى امرأتين، فقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما، ثم تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين يتزوجها لأنها آخر امرأة تزوّجها منهما ولو تزوّج الأولى بعد الثانية لم تطلق، وكان المبرد إنما قال: لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم لمكان الآخر لأنه لم يزل ولا يزال، أولا وآخرا، والواحد منّا ليس كذلك فاعلمه.
ومنه قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[سورة طه، الآية: ١٤] وفي موضع آخر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] إلى مَقامًا مَحْمُودًا
، وقوله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
يريد أدمها واثبت عليها فلان لا يقوم لكذا، وهذا يقوم علي بكذا، فله تصرّف في الأمر واسع. قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
يحتمل وجهين: أحدهما أقم الصّلاة لتذكرني بها أي الصّلاة ذكرى لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[سورة العنكبوت، الآية: ٤٥] وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
أي إذا ذكرتني، فأقم الصّلاة كأنه يرجع النّسيان كالذّكر في الوجه الأول تسبيح الله وتمجيده بصفاته الكريمة، وفي الوجه الثاني الرّجوع إليه بعد ذهول يسبق ونسيان يلحق، واللّام من قوله:
لذكري أي عند ذكري، وكذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أي عنده ولام الإضافة يدخل في الكلام لوجوه.
أ- التمليك: كقوله تعالى: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ*
[سورة النجم، الآية: ٣١] وكقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ
[سورة الجن، الآية: ١٨] .
ب- أن يكون الشيء سببا لغيره، وعلّة له مثل قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
[سورة الإنسان، الآية: ٩] .
ج- أن يكون دخوله لمعنى الإرادة كقولك: قمت لأضرب زيدا أي قمت إرادة
[ ٤٧ ]
لضربه، ولكي أضربه أي قمت من أجل هذه الإرادة، وقد يحذف اللام من هذا وأشباهه.
د- أن يكون بمعنى في كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ
[سورة الحشر، الآية: ٢] أي في أول الحشر.
هـ- أن يكون لمرور الوقت على الشيء كقول النابغة شعرا:
توهّمت آيات لها فعرفتها لستّة أعوام، وذا العام سابع
أي عرفتها وقد أتت عليها ستة أعوام، أو توهّمتها لذلك، ويقال أتى للصبّي سنتان عليه وكم سنة أتت لك؟
وأن يكون لمعنى بعد كقوله ﵌: «صوموا لرؤيته»، وقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[سورة الطلاق، الآية: ١] والعدة ها هنا ظرف للطّلاق وبمنزلة وقت له لا علة ولا سبب، كما لم يكن الحشر علة لإخراج الذين كفروا إنما كان علة إخراجهم كفرهم، والدليل على ما قلنا أنه قال: لأول الحشر جعل له أولا.
ز- أنه يدخل لما ذكرناه أولا، وهو قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
وأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أي لا صفرارها عند غروبها دلكت فهي دالك وقال ابن عباس: لدلوك الشّمس لزوالها الظهر، والعصر وأنشد:
شادخة «١» الغرّة غراء الضّحك تبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس، وقال أبو حاتم: روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها فعلى هذا يجوز أن يكون المفروض بالآية أربع صلوات الظّهر- والعصر، والمغرب، والعشاء- باللّيل. ويجوز أن يكون إلى غسق في موضع مع، فيدل على فرض صلاتين من اللّيل والنّهار، وثالثة يدل عليها: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] .
ثم سائر الصّلوات يدلّ عليها بغير هذه من الآيات وقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] يريد، وأقم قرآن الفجر، والمعنى أقم الصلاة بالقراءة، وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، فالضمّير في به يرجع إلى القرآن، ومعنى كانَ مَشْهُودًا
أي حقّه أن يشهد أي يخرج له إلى المساجد، ويقام مع الجماعة فيشاهد وقيل أراد تشهده الملائكة، وقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[سورة الإسراء، الآية: ١٧] معنى تهجد اسهر يريد استيقظ، ومعنى به أي بالقرآن ويقال هجدّ أيضا بمعنى نام.
[ ٤٨ ]
قال:
هجدنا، فقد طال السّرى وقدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
يريد يومنا ومثل هجد، وتهجّد قولهم حنث وتحنّث لأنّ معنى حنث لم يبر في اليمين، ومعنى تحنث ألقى الحنث عن نفسه.
وهذا الأمر اختص به النّبي ﵌ تفضيلا له على جميع الخلق.
ومعنى نافلة لك عطاء لك وتكرمة لذلك أتبعه بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا
[سورة الإسراء، الآية: ٧٩] أي افعل ذلك رجاء أن تثاب هذا الثواب العظيم.
وقيل في المقام المحمود إنّ المراد به الشفاعة للمذنبين، والذي عليه الناس أنّ الدّلوك مغيب الشّمس، ويذهب العرب لذلك إلى أنّ قول القائل:
هذا مقام قدمي رباح غدوة حتى دلكت براح
يدل على صحة قولهم وأصله أنّ السّاقي يكتري على أن يسقي إلى غيبوبة الشّمس، وهو في آخر النّهار يتبّصر هل غابت الشّمس. قوله: براح أي يضع كفه فوق عينه ويتبصر، قال: ويسلم للحديث ما جاء أنّ ابن عباس قال: إنّ غسق اللّيل ظلمته الأولى للعشاء والمغرب، فإذا زادت قليلا، فهي السّدفة، وقوله: (نافلة لك) ليست لأحد نافلة إلّا للنّبي ﵌ لأنه ليس من أحد إلا يخاف ذنوبه غيره فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فعمله نافلة.
ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
[سورة هود، الآية: ١١٤] إلى الْمُحْسِنِينَ
، وقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٢] الآية طرفا النهار النهار الفجر والعصر وكما ثنى الطرف هنا جمع في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ*
[سورة الحجر، الآية: ٣٩] إلى وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى
[سورة طه، الآية: ١٣٠] لذلك اختلف النّاس فبعضهم جعله من أوقات الصلوات المفروضة، والقائل بهذا يكون عنده الفجر من النّهار محتجا بأنه ابتداء الصوم لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٧] والذين يخالفونه يجعلونه من اللّيل، ويدعون أنّ ابتداء النّهار طلوع الشمس وانتهاءه غروبها، وإذا زالت الشّمس انتصف النّهار فأما قوله تعالى: وَأَطْرافَ النَّهارِ
[سورة الحجر، الآية: ٣٩] فيجوز أن يجعل النهار للجنس حتى يصير له أطرافا، ويجوز أن يجعل الجميع مستعارا للتثنية لأنّ أرباب اللغة قد توسعوا في ذلك ألا ترى قوله: يا ناحة ودخيلا، ثم قال: طرفا فتلك لهما تنمى، وكقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[سورة التحريم، الآية: ٤] وليس
[ ٤٩ ]
بمستنكر أن تسمى الساعات أطرافا، كما قيل أصيلالة وعشيّات في آخر الأصيل، والعشية.
قال أبو العباس ثعلب أطراف النّهار قيل يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر، وهو وجه أن جعل الظهر، والعصر من طرف النّهار الآخر، ثم يضم الفجر إليهما فيكون أطرافا، وقال أبو العباس المبرد: معناه أطراف ساعات النّهار أي من اللّيل سبّحه وأطعه في أطراف ساعات النّهار (الأناء) الساعات واحدها أنى، ويكون من آنيت- أي أخرّت ومن قول الشّاعر:
وأنيت العشاء إلى سهيل أو الشّعرى فطال بي الإناء
وقال العجّاج: طال الإناء، وانتظر النّاس الغير من أمرهم على يديك، والتور طال الإناء وزايل الحق الأشر. وفي القرآن: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
فأما قوله تعالى: وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ
[سورة هود، الآية: ١١٤]، فالزّلف السّاعات ومن أبيات الكتاب:
طيّ اللّيالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتّى احقوقفا
والزّلفة واحدة الزّلف، ويقال لفلان عندي زلفة، وزلفى، وهي القربة، وفي القرآن:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*
[سورة الشعراء، الآية: ٩٠] أي قرّبت، وسميت المزدلفة لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، وانتصب سماوة على المفعول من طي اللّيالي، والمعنى أنّ اللّيالي طوت شخص الهلال، ونقصته شيئا شيئا حتى ضمر ودقّ.
قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[سورة هود، الآية: ١١٤] يجوز أن يريد أنّ الحسنات من أفعال النبيّ ﵌، والمؤمنين يبطلن سيئات الكفّار والمجرمين، وهذا بشارة من الله للمؤمنين بأنه سيعلي كعبهم، وينفذ كلمتهم كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
[سورة الأنبياء، الآية: ١٨] ويجوز أن يكون مثل قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[سورة النساء، الآية: ٣٠] ويكون هذا مثل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*
[سورة التوبة، الآية: ٣٣]، وقوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
[سورة هود، الآية: ١١٤] أي أخبرناك بما أخبرنا من ضمان النصّرة، وقمع الباطل، وإعلاء كلمة الحق لكي تتذكر به فيزداد حرصا على الإدخار والإصلاح ولأنك إذا أقررت به والتزمته فتذكرته تيسّر لك المطلوب وقد قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[سورة ق، الآية: ٣٧] يريد أنّ المأمور بهذا، أو الموعوظ إذا قبله حصل لك بذلك ذكر في الذّاكرين، وهذا ترغيب لأنّ ما يبقى به الذّكر ليس كما يلغى وينسى. قال:
فقال له هل تذكرنّ مخبرا يدل على غنم ويقصر معملا
[ ٥٠ ]
أي هل تعتد بهذا الخبر فتذكره به، فأما قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٢] أي من النّصف، أو زد عليه، فانتصاب اللّيل إلّا قليلا أي قبله بقليل أو بعده بقليل لأنّ بيان أو انقص منه، أو زد عليه ذلك، والمعنى قم نصف اللّيل، أو انقص من نصفه حتى يرجع إلى الثلّث، أو زد على نصفه حتى يبلغ الثلثين، وفي هذه الأشياء منها أنّه جعل نصف اللّيل قليلا منه سواء جعلته بيانا للقليل المستثنى، أو جعلته بيانا للباقي الواجب لأنّ الكلام يقوم على الوجهين جميعا ومنها أنّ قوله: أو انقص منه قليلا بمعنى إلّا قليلا في التّحصيل ولكنّه ذكر مع الزيّادة، وكان كالمكرّر، وكثير من أهل النّظر يذهبون إلى أنّ القلة تقع على ما دون الثلّث لقوله ﵇ لسعد في الوصيّة:
«والثلّث كثير» ومنها أنّ هذا التّنويع يدل على أنّه تعالى لم يفرضها عليه لكنّه على سبيل التّرغيب لأنّ الفرائض التي يفرضها الله على عباده ليس يجعل الأمر فيها إليهم فينقصوا ما شاؤوا، ويزيدوا فيها ما شاؤوا، وقد قيل: إنّ الله تعالى كان فرض على رسوله وعلى المؤمنين قيام اللّيل، ثم نسخه إذ كان شقّ عليهم فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[سورة المزمل، الآية: ٢٠] أي يعلم مواقيتها ويعلم أنكم لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذاك والقيام فيه، فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن، قالوا: وهذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالمكتوبات الخمس.
وقوله تعالى: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
يجوز أن يكون من دنا الشّيء إذا سفل، فنزل كما قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
أي نزل، ومنه قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ
[سورة الأحزاب، الآية: ٥٩] أي يرسلن، وقال بعضهم: معنى أدنى أدون، لكنّه قلب فقدّم اللّام وقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٥] يجوز أن يكون المعنى قولا يثقل العمل به، ويجوز أن يريد به قولا له وزن، وخطر بين الكلام إذا ميّز أي ليس بالسّفّساف الدّون، ومعنى يلقي ينزل فيتلقنه. ومنه قولهم: ألقيت على فلان مسألة كذا، فأعييته. وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ
[سورة السجدة، الآية: ٢٣] فبعضهم يجعله من هذا أي لا تلك في شك من نزول هذا الكتاب قبلك، وكان شيخنا أبو علي ينكر أن يكون القيت من لقيت، ويقول: إن لقي يتعدّى إلى مفعول واحد يقول: لقيت زيدا فلو كان ألقيت من لقيت لوجب أن يتعدّى إلى مفعولين. كما أنه إذا دخل على ما لا يتعدى إلى المفعول عداه إلى واحد يقول: خرج زيد وأخرجته وذهب زيد، وأذهبته.
وتقول في المتعدي: قرأ كذا وأقرأته أنا كذا، وسمع زيد شرا، وأسمعته أنا خيرا. وإذا كان كذلك، ووجدنا لقى يتعدّى إلى مفعول واحد، وألقيت مثله يتعدّى إلى مفعول واحد
[ ٥١ ]
وعلمنا أنهما من أصلين فاعلمه. قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ
[سورة المزمل، الآية: ٦] يريد السّاعة منشأ الحدوث ويقال فلان ناشئ ونشأت السّحابة من قبل البحر، ويجوز أن يكون ناشئة يراد بها الحدث لا الفاعل فيكون كاللاغية في قوله تعالى: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
[سورة الغاشية، الآية: ١١] أي لغوا وكالكاذبة في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
[سورة الواقعة، الآية: ٢] أي كذب ومثل ذلك قم قائما أي قم قياما. قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٦] أي أبلغ في القيام وأبين في القراءة لما في اللّيل من السكون والقرار، ويجوز أن يريد أنها أشد على الإنسان وأشقّ لأنّ اللّيل للتودّع والرّاحة.
وقرىء وطاء بالواو والمد والمعنى أشدّ مواطاة للقلب إذا نقله السّمع.
ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
[سورة الانشقاق، الآية: ١٦] إلى لا يَسْجُدُونَ
أول السورة إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
والانشقاق والانفطار، والانفتاح يتقارب في المعنى وذلك من أهوال القيامة، وما يتغيّر فيها من الأمور، ويتبدّل. وقيل: المراد انشقّت بالغمام كقوله تعالى في موضع آخر: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
[سورة الفرقان، الآية: ٢٥] . وجواب إذا محذوف لما يدل عليه ما عرف من أهوال القيامة وشدائدها وتخمر في النفوس وتقرّر.
والمراد إذا انشقت السّماء كان من أشراط القيامة فيكم ما عرفتموه، وتكرر عليكم وصفه، وقيل جوابه في قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ
[سورة الانشقاق، الآية: ٦] وقيل جواب إذا مضمر مقدم، والمراد اذكر إذا حدثت هذه الحوادث. وقيل جوابه أذنت، والواو زائدة. والنّحويون على اختلافهم يردّون هذا وكأنّ قائله شبهه بقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[سورة الزمر، الآية: ٧١] لأنّ المعنى عنده فتحت والأجود عندي أن يكون جواب إذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ
[سورة الانشقاق، الآية: ٦] أي في ذلك الوقت يكون ذلك حالك، ومعنى أذنت لربّها أطاعت، واستمعت، وأجابت، وحقّت أي وجب ذلك عليها، وكانت محقوقة بالانشقاق.
وقوله تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
[سورة الانشقاق، الآية: ٣] كأنّه بسط مجموعها وأخرج مضمونها وموعدها حتى تخلّت. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
[سورة الانشقاق، الآية: ٦] عموم دخلت الكافة تحته، وقوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ
[سورة الانشقاق، الآية: ٦] يشير إلى ما قاساه مدة حياته واكتسبه في متصرّفاته ونيل فيه من سعادة وشقوة وحياة وإماتة، وما تزوّده من دنياه وأعدّه لأخراه، أي تسعى سعيا قد أتعبك وتلاقي له كل ما قدّمته من عملك وتصير من حميته إلى ما تستحقّه بفعلك. قال:
وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقوله: فَمُلاقِيهِ
من قولك: لاقيت من كذا جهدا وأذى، وقاسيت من كذا
[ ٥٢ ]
مكروها. والضّمير في ملاقيه إن شئت جعلته للكدح والأجود أن تجعله للرّب، والمعنى تلاقي جزاءك منه فيكون على حذف المضاف. والشفق الحمرة تبقى من الشّمس في المغرب إلى وقت العشاء. وقال بعضهم: هو البياض الذي إذا ذهب صلّيت العشاء الآخرة لأنّ الحمرة تذهب عند الظّلام.
قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشّفق وكأن أحمر.
قوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
[سورة الانشقاق، الآية: ١٧] أي جمع وأدرك من مقتضياته، وهوله ويجوز أن يكون وسق بمعنى، طرد يريد وما جاء به واحتمله، والوسيقة الطّريدة.
وقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
[سورة الانشقاق، الآية: ١٨] يريد استتبّ، واستوسق لثلاث عشرة وأربع عشرة، ويجوز أن يريد باتّساقه استمراره في سيره وتناهيه في ازدياد ضيائه:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ
[سورة الانشقاق، الآية: ١٩] كما قيل سادوك كابرا، عن كابر، والمعنى كبيرا عن كبير أي يتردّدون بعد أحوال مختلفة، ويخرجون من بعضها إلى بعض من نشر وحشر وفناء وإعادة؛ و(الطّبق) الشّدة قال: (قد طرقت ببكرها أم طبق) .
وقال:
فلو رآني أبو حسّان وانحسرت عنيّ الأمور إلى أمر له طبق
يقال: رغب، ورهب أنت بينهما حب الحياة، وهول الموت والشّفق وفائدة القسم تأكيد الوعيد على المخاطبين بهذا الكلام، وهو قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ
[سورة الانشقاق، الآية: ١٩] وقرىء لتركبنّ جعل الخطاب للنبيّ ﵌، والمراد لتركبنّ طبقا من طباق السّماء.
وقوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[سورة الانشقاق، الآية: ٢٠] لفظة استفهام معناه الإنكار، والتبكيت يقول: ما الذي منعهم من الإيمان، وقد وضحت الدلائل والسّبل، وتكرّرت الآيات والنّذر، وضاقت المعذرة وحقّت الكلمة. قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
[سورة الانشقاق، الآية: ٢١] اكبارا وإعظاما وإيمانا، وإيقانا وهو من المعجزات الباهرة والإلزامات المسكتة. وهل ذهابهم عن تدبّره واشتغالهم إلّا عناد فبشّرهم بعذاب أليم. أصل البشارة من البشرة استبشر بشيء انبسط جلده، ونضر وجهه، وهذا وأمثاله إذا استعملت في غيره كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع. أي يقيمون بدل التّحية عند اللّقاء ذلك، فأما قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[سورة القمر، الآية: ١] فإنما معناه سينشق القمر، ومن أثبت ذلك دليلا لا ختص به عبد الله بن مسعود، وإنّ سائر النّاس لم يروه لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة، أو غير ذلك. ويجوز أن يكون غير عبد الله بن مسعود قد رأى ذلك، فاقتصر في نقله على رؤية عبد الله، وعلى ما نطق به القرآن من ذكر،
[ ٥٣ ]
وكان الجاحظ ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن يختلف التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة فلو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسير.
ومنه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا
[سورة الملك، الآية: ٣] إلى وَهُوَ حَسِيرٌ
أوّل السورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[سورة الملك، الآية: ١] وليس تفاعل هذا كتفاعل الذي يفيد التكلّف للشيء عن غير موجب له نحو تخازر، وتعارج، وتساموا، وتجاهلوا لكنّه بمعنى فعل وأصل البركة البقاء والزيّادة، وكذلك لفظة تعالى في صفة الله، فهي بمعنى علا ومثله لعلا وتكبّر بمعنى كبر وعلا، وهذا كما يقال: علا قرنه، واستعلاه وقال زهير: وكان أمرين كلّ أمرهما يعلو. ومثله قرّ واستقر، وهزأ، واستهزأ، ويشهد لما قلنا قول امرئ القيس: تجبر بعد الأكل فهو نميص. وإنّما يصف نبتا قد رعي ثم عاد منه شيء فتجبر بمعنى جبر من قوله: قد جبر الدّين الإله فجبر.
وقد كشف عن المراد بقوله: فهو نميص أي لقصوه كأنّه ينمص بالنّماص، وهو المنقاش، ومتى جعلت تجبر صار كالجبارة، وهي النّخلة التي فاتت اليد طولا وأوقع آخر الكلام أوّله لأنّ المنموص لا يتجبّر ولا يطول. وعلى هذا قوله تعلّى الندى في متنه وتحدّرا يريد علا وحدر، وأنشد أبو عبيدة: تخاطأت النّبل أحشاءه معناه أخطأت، فهذا شاهد ﵎، ومثل هذا أجاب، واستجاب وقوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[سورة الملك، الآية: ١] أي يملك الملك الذي يمكّن عباده منه، ويصرفهم فيه، فالبقاء له والقدرة والتمكّن، والقمر بأمره وحكمه، وإضافة الفعل إلى اليد ضرب من التّوسع يقال: وفي يدي وملكي وفي قبضي، وهو قبضي. قال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[سورة الزمر، الآية: ٦٧] أي يحكم فيها حكما لا قصور فيه عن المراد، ولا تجاوز إلى أكثر من المرتاد، ففعله وفق إرادته ووفق قصده وإرادته، فخلق الحياة لمن يريد استبقاءه ليعبده، والموت إلى غير ما هو عليه إخبارا منه لطاعة المطيع منهم، فيشيبه ومعصية العاصي منهم فيعاقبه، وهو العزيز فلا يفوته الهارب، القدير فلا يعجزه المغالب. قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا
أي بعضها فوق بعض وعلى حدة، فيطابقه، ويشابهه، ولا يخالفه فيباينه وقال الشاعر شعرا:
إذا نزل الظلّ القصير بنحره فكان طباق الخف أو قل زائدا
ويقال: طابق فلان فلانا على كذا إذا وافقه عليه. ويقال: النّاس طبقات أي بعضهم فوق بعض. ومنه قولهم: طابق البعير إذا وضع خفيّ رجليه في موضع خفّي يديه. وقد قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[سورة فصلت، الآية: ١٢] فقوله الدّنيا يدل على أن
[ ٥٤ ]
بين السّماوات تقاربا، وتباعدا، وأن التي هي فوق هذه ليست بالدّنيا منه، قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[سورة الملك، الآية: ٣] وقرىء من تفوت أي بنى ما خلقه على حكمه فلا يفوت بعضه بعضا ولكنه يتعادل، وفي هذا المعنى قالوا: وجه مقسم إذا كان الحسن مقسوما فيه فأعطى كل جزء نصيبه منه حتى لا استبداد فيه، وقالوا: ما أحسن قسمة وجهه وهذا بخلاف ما ذكرناه في تفسير المتفاوت لأنّ المتفاوت ما يزيد على الاعتدال، أو يخرج عن القدر الملائم بالانتقاص، وذلك ضد التقدير وقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[سورة الملك، الآية: ٣] المراد به أيّها الإنسان قد أعطيت من الآلات، ورتّب في عقلك وتحصيلك من البيّنات ما تدرك به حينا، أو تقديرا تراكيب الأشياء وسلامتها مما يشينها إذ دخولها فيما يجتذب وجوه الفساد إليها، فتأمّل ما صنعه الله واخترعه في هذا الخلق العظيم واقتف آثاره فيها، وردّد طرفك وعقلك في ظواهرها وبواطنها ومفرداتها؛ ومركباتها وتأمّل بعد تقصّي وسمك واستفراغ جهدك، ورد المجمل على المفصّل والمشاع على المقسوم، هل تجد فيه خللا، أو هل تتبيّن فيه عيبا؟ وقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا
[سورة الملك، الآية: ٤] بعث على الكشف والبحث وتأكيد في المبالغة فيهما وإنّما قال هذا لما يعتقده العرب من أنّ النظرة الأولى حمقاء فينبغي أن لا يكتفى بها في المزاولات، والتتبّع في المستكشفات حتى أنّ بعضهم قال في صفة امرأة شعرا:
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة وإن كرّت الأبصار كان لها العقب
يقول لهذه المرأة، على من يستقري محاسنها النّظرة الأولى، فإن لم يقنعهم ذلك، فأخذوا يستنبطون في المعاودة، ويحيلون الطّرف في العين والأثر كان لها البسطة أيضا، فإن أبوا إلّا أن يكرروا الأبصار، وردّدوا النّظر حالا بعد حال كان لها العقب، وهو ما يسلم على التّعاقب من أواخر البحث فقوله تعالى: كَرَّتَيْنِ
تأكيد على ما ذكرناه، وحكي لي عن بعض أهل النظر أنه قال: إنّ الله تعالى أمر بكر البصر ثلاث مرات لأنه قال: ارجع البصر، ثم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
، وهذا الذي ذكره وعوّل عليه من ذكر الكرّتين لا يحصل له المراد، بل يفسد عليه ما اعتمده لأنّه قال تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[سورة الملك، الآية: ٣] وهذا لا يقتضي إلّا مرة واحدة، وقال من بعد: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
[سورة الملك، الآية: ٤]، ولو اقتصر الكلام على فارجع البصر، ولم يأت بذكر المرّتين لكان للسامع أن يتجاوز إلى ما فوقها من الكرّات لأنّ ثم لا يقتضي الحصر، ولا يوجب الوقوف.
فلما قال: كرّتين علم أنه أكّد به ما ذكر من الرّجعتين على أنّ قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ
ليس قبله فعل مذكور فيكون الرّجوع عن ذلك الفعل لأنه قال تعالى: ما تَرى فِي
[ ٥٥ ]
خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ
[سورة الملك، الآية: ٣] فكان المراد انظر، فارجع، ثم ارجع أي لا ترض بالنظرة الأولى ولكن راجع بعدها، ثم راجع، وإذا كان التكرار هو الرّجوع إلى الأول، والأول هنا النّظر المضمر فقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
كرّر أوّل إلى النظر المستدل عليه، وقوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
، وإذا كان الأمر على هذا لم تحصل ثلاث كرّات فلذا اتّبع الكلام بقوله كرّتين وهذا جيد بالغ، وقوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
أي من شقوق وصدوع.
وقوله تعالى: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا
[سورة الملك، الآية: ٤] المعنى إنك إن أدمت النّظر، واتبعت البصر تطلب العيب في حكمة الله والفطور في صنعه رجعت من مطلوبك خاسر الصفقة، صاغر الرجعة، خائب الطلبة بعيدا من البغية، والخاسيء من قولك خسأت الكلب إذا طردته وبعدته خسأ ولا تقل انخسأ، والحسير الكال المعي. ويقال: إبل حسرى لأنّ حسيرا فعيل بمعنى مفعول، فهو كجريح، وجرحى.
ومنه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ
[سورة الرحمن، الآية: ٣٧] الآية، وقوله:
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: ٢٥] خضراء ملساء متّصلة الجوانب والأكناف مرتبة الوسائط، والأطراف محفوظة من مسترقة السّمع بما أعدّ لها من الارصاد.
وتلخيص هذا يبين إذا ضمّ إلى قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
وإلى قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
[سورة البقرة، الآية: ٢١٠] لأنّ المعنى يأتيهم أمر الله، والسّماء كالوردة، وقد انفطرت بالغمام أي تنشق بها، والملائكة تنزل منها في الغمام فكأنها تنشق، وهم في تكاثفهم، وتراكمهم بما معهم كظل من الغمام وهذا كما يقال: رعف الباب بفلان- أي جاه من قبله، وسال الوادي ببني فلان إذا خرجوا منه، وكقول الشاعر:
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وكما قال:
ألا صرمت حبائلنا الجنوب ففرّقنا ومال بنا قضيب
قضيب: واد باليمامة، والمعنى أنجدنا لما افترقنا، وانهمت هذه المرأة ويقال: نزل بقارعة الوادي- أي أعلاه، وقوله: مال بها، كقوله: سالت الأباطح بأعناق المطي قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[سورة الرحمن، الآية: ٣٧] يريد تحوّلها عما كانت، والورد الأحمر وليس بمشبع قال:
[ ٥٦ ]
فهو ورد اللّون في ازبئرار وكميت اللّون ما لم يزبئر
وقال الفراشية: تلوّن السّماء تلون الوردة من الخيل لأنّها تكون في الرّبيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ البرد كانت وردة حمراء، فإذا كانت بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة قال عبد بني الحسحاس شعرا:
فلو كنت وردا أحمرا لعشقتني ولكنّ ربّي شانني بسواديا
وقيل في الدّهان: إنها جلود حمر، وقيل: هي جمع دهن- أي تمور كالدّهن صافية، والشاهد لهذا قوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا
[سورة الطور، الآية: ٩] أي تتميع.
وقال تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ
[سورة المعارج، الآية: ٨] وهو الصفّر المذاب، وكان التّشبيه وقع بالذّوب، فيكون المور والذّوب على طريقة واحدة، وقوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
[سورة الفرقان، الآية: ٢٢]، وقوله تعالى في سورة الرّحمن: عند ذكر وعيد الكفار، والإنذار من يوم الحشر، والمعاد وما يجري مجراه من الاقتصاص، والأمر بالعدل والإنصاف: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ*
[سورة الرحمن، الآية: ١٣] . سأل سائل: أي شيء في هذا من الآلاء حتى ذكره الله ممتنا به في جملة ما عدّده من صنوف النّعم، ووجوه القسم في الأولى والآخرة.
والجواب إن الله تعالى منعم في كل حال ومذكّر بما يزيد المتعبد استبصارا في الأمر الأولى ونفورا، وزهدا في الدّنيا، وواعظ بما يكون السّامع له أقرب إلى الطّاعة فيما يعمله من الاستطاعة، وإذا كان الأمر على هذا فنعمه على خلقه في الإنذار والإعذار مثل نعمه في التّبشير والتّحذير إذ كان الصّارف عن الشر بلطفه مثل الباعث على الخير بفضله، وقد توعّد الله جاحدي نعمه والمهملين لآياته ونذره بالخسف والرّجف والخزي الثّابت، والبعث المفاجئ، والمسخ المرصد والرّيح العاصف والزّلازل، والصّواعق بعد أن أمضى بها أو بأكثرها الحكم على من حقت عليه الكلمة فمن سعد ووعظ بغيره فأجاب حين دعي، وأدرك لما بصر ونفعته المهلة والإملاء، واستسعد بالإعادة، والإبداء ونبهه ضرب الأمثال والمبالغة في الإبلاغ.
ثم عرف حال أولئك المستمرين في الضّلالة والذّاهبين عن طريق الهداية ومصائر أحوالهم، فإنه إذا راجع نفسه درى عظم نعم الله عليه فيما وفقه، أو يسرّ أخذه به من العدول عن سلوك مناهجهم، وأوجب على نفسه شكرين (الأول) لاهتدائه، (والثّاني) لما زاده الله من الاستضاءة بنور الهدى وقربه من التقوى.، ألا ترى قوله تعالى: حاكيا عن أهل الجنة وقد استقروا في منازلهم منها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
[سورة الأعراف، الآية: ٤٣] قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
[سورة البقرة، الآية: ٢١٠] نصف
[ ٥٧ ]
عقبي حالهم وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة يونس، الآية: ١٠] وقال تعالى بين أحوالهم قبل ذلك: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ
[سورة مريم، الآية: ٦٧] إلى وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٧٢] فعلى هذا الذي بنينا الكلام عليه قدر الله نعمه على الجن والإنس في دنياهم، وأخراهم، ثم قال: يأيها تكذبون وكل ما تتصرفون فيه من حياة وممات ونعمة ونقمة وتيسير وتعسير، وتقريب وتبعيد آثار إحساني فيها ناطقة وأعلام آلائي فيها سنة واضحة وهذا بمن الله ظاهر.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] إلى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] الخلق هو الاحداث على تقدير من غير احتذاء مثال ولذلك لا يجوز إطلاقه إلّا في صفة الله تعالى لأنه لا أحد جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء أمثال إلّا الله وإنما جمع السّماوات، ووحّد الأرض لأنّ الأرضين لتشاكلها تشبه الجنس، والواحد كالرّجل، والماء الذي لا يجوز جمعه إلّا أن يراد الاختلاف، وليس يجري السّماوات مجرى الجنس المتفق لأنه دبّر في كل سماء أمرها بالتّدبير الذي هو حقّها قوله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يجوز أن يكون من الخلاف كالسّواد والبياض لأنّ أحدهما لا يسدّ مسد الآخر في الأحوال.
ويجوز أن يكون من الخلف لأنّ كل واحد منهما يخلف صاحبه على طريق المعاقبة والنّهار في اللغة يفيد الاتساع أيضا، ويقال: انهرت العنق إذ أوسعته، وذكر الله تعالى هذه الآيات مجموعة معظما شأنها ليصرف بكريم عطفه وحسن نظره أوهام المخاطبين بها إليها، وإلى النظر في تراكيبها وابتداع خلقها مدرجا إلى الاستدلال بها على خالق لا يشبه الأشياء ولا يشبه من جهة أنه لا يقدر على خلق الأجسام إلا القديم الذي ليس بجسم ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولا بدّ له من محدث لاستحالة التسلسل، فتقديم السماوات والأرضين في الذّكر لأنها المعظم في المشاهدات والأصل وما عداها تبع لها، ولتكون الحواس إلى تمييزها أسرع، والأذهان إلى تبحثها أميل، والنّفوس في الكشف عن سرائرها أرغب، والعقول عنها أفهم، واختلاف اللّيل والنّهار يدلّ على عالم مدبر لأنه متقن في الصنع محكم في التدبّر قريب التحوّل بعيد التأخر، فهو أبلغ أداء وأبين مأخذا، وأفصح برهانا، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] لأنه فعل منعم عالم بما يكون قبل أن يكون هيأ الله لمنافع الناس ومن جرى مجراهم لكي يفكروا، مع كثرة بلواهم بها، ومع تعذر فعل مثلها عليهم منها وليعلموا بمواقع حاجاتهم وتيسر مرافقهم بها أنّ الله لهو الحكيم الرؤوف المحدث لهم، والمنشئ والمصرف والمسخر.
فأما الماء المنزل من السّماء، فيدل على الرازق المنعم المبدع لما شاء لا يعجزه شيء
[ ٥٨ ]
مروم، ولا يتكأده مطلوب، لا يخطئ تدبيره، ولا يقصر عن الحاجة تقديره آخر مراده وفق أوله لائق بآخره.
وأما إحياء الأرض بعد موتها فتمثيل للحشر والبعث، وتنبيه على أنه تعالى تتجدد منحه حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت ليكون للعائشين بها أهنأ، وفي إظهار القدرة عليها أحكم، ويجوز أن يقال: وصفت الأرض بالحياة لينشأ النبات عنها كنشوء النتاج عن الحيوان فقيل: إذا كانت عامرة حيّة، وإذا كانت هامدة ميتة، ويجوز أن يقال: وصفت بذلك لأنّها تخرج ما تحيي به النّفوس من الثمار والزّروع. قوله: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يريد من جهة السّماء ومن نحو السّماء، وفي موضع آخر: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٨] يجوز أن يكون بدلا من الماء، أو تبيينا له وتفسيرا، أو يكون كالفطور وأمثاله فلا يدل على الكثرة، وإذا جاز ذلك فيه فليس لأحد من الفقهاء أن يتعلق بظاهر الآية فيقول: إنّ طهورا فعول، وهو صفة للماء فيجب أن يدل على الكثرة والمبالغة في الحكم الذي يجب في فعول إذا كان صفة لأنّ فعولا قد يكون كالفطور فلا يدل على الكثرة، ولأنه قد يجوز أن لا يكون صفة للماء بل يكون بدلا وتفسيرا، ويسقط التعلّق بظاهر الآية.
وأما قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] فيستدلّ به على الاقتدار على ما لا يتأتى للعباد إن ميسرها لأوان فقرهم إليها إن شاء جعلها السّبب في إهلاكهم بها، فهو مذكّر واعظ ومبشّر قادر، ومعنى تصرفها تحوّلها من حال إلى حال ومن جهة إلى جهة، وكذلك صرف الدّهر تقلبه، وقال الحسن: الصّرف النافلة، والعدل الفريضة.
قوله تعالى: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] أصل البث التفريق، ثم توسع فيه فقيل بث فيه الشّراب والسّم، ويريد بالفلك السّفن إذا أصعدوا في البحر للتجارات وما يجري مجراها، ويقع على الواحد، والجمع قال تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ*
[سورة الشعراء، الآية: ١١٩] وإذا أنث فلأنه أريد به الجمع، وأصله الدّوران، ومنه تفلّكت الجارية إذا استدار ثديها، وإنّما استوى الواحد، والجمع فيه لأنّ فعلا وفعلا يشتركان كثيرا كمثل قولهم: العرب العرب، والعجم، والعجم، والبخل، والبخل، فمن قال: في أسد أسد، قال: في فلك فلك، فجمعه على فعل، ومثل هذا قولهم: هجان لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع، كقولك: قضيب وقضب، وكتاب وكتب، فمن قال: كريم وكرام، وطويل، وطوال يلزمه أن يقول: هجين، وهجان. فإن قال قائل: لم جمعت اللّيل ولم يجمع النهار؟ قلت: النّهار بمنزلة المصدر، فهو كقولك: الضيّاء والظّلام، فوقع على القليل
[ ٥٩ ]
والكثير، واللّيلة مخرجها مخرج الواحد من اللّيل على أنه قد جمع في الشذوذ على نهر قال:
لولا الثّريد إن هلكنا بالضّمر ثريد ليل وثريد بالنّهر
وأصل التّسخير: التّذليل، والمراد إنّ الله يمسكه، وتسكين الأجسام الثقال بغير دعامة ولا علاقة فعل من لا شبيه له ولا نظير، فهو القادر الذي لا يعجزه مراد قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يريد أنّ هذه البراهين على التّوحيد، وبطلان التّشبيه يستدل بها العقلاء، فيصلون إلى العلم بما يلزمهم، ثم العمل بها ففيه مدح المفسرين المتأملين، وذمّ لمن سلك غير طريقهم، فأهملوا مع المهملين.
ومنه قوله تعالى في سورة النّمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
[سورة النّمل، الآية: ٥٩] إلى قوله:
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
[سورة النمل، الآية: ٦٦] .
اعلم أنّ هذه الآي تشتمل على فوائد كثيرة ومسائل جمة عجيبة. فمنها بيان الفائدة في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
، وكيف جعل قرآنا متلوا؟ والظاهر أنه من كلام جبرائيل مخاطبا للنبيّ ﷺ عند أداء المنزل إليه، ومنها: كيف مورد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ
[سورة النّمل، الآية: ٥٩] والقصد إلى تبكيت المعاندين وإنذارهم وجمع الحجّة عليهم وقل إنكارهم بدلالة قوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
[سورة النمل، الآية: ٥٩] إلى غير ذلك مما سنبيّنه شيئا بعد شيء إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق.
أما لفظة قل: فحيث ما جاء في التّنزيل مبتدأ كان، أو متوسطا، فهو أمارة كونه من كلام الله خطابا للنّبي ﷺ تبصيرا عند افتتاح القول، وتهذيبا، أو إسقاطا للسؤال، يوجهه المعاندون نحوه امتحانا، فكان النّبي ﷺ ينتظر في مثل هذه الأحوال ما يلقنه من وحي فيدفع به مضرّتهم، أو يبطل به حجّتهم، أو يتوصّل به إلى تعجيزهم ورد كيدهم في نحورهم، أو يستظهر به داعيا عند طلب السّلامة عليهم ظهر الابتداء المعقب بقل والله يمده بما يعلو به أمره، ويشتد به أزره فلا يجيء لفظة قل في القرآن إلّا وهو تلقين للنّبي ﷺ وكموعد ينتظر إنجازه على هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: ٨٥] وقوله تعالى: ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ
[سورة الأحقاف، الآية: ٩]، وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ
[سورة ص، الآية: ٦٥] وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
[سورة الكافرون، الآية: ١] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[سورة الإخلاص، الآية: ١] وقُلْ أَعُوذُ*
[سورة الفلق، الآية: ١] وما أشبهها.
[ ٦٠ ]
وأما قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ
فإن القوم لما تقرر الكلام عليهم واستمرارهم في لزوم الجحد ومباينتهم لنهج الحق جعل الله ابتداء الكلام خطبة على عادة العرب في مقاماتهم وعند تصرّفهم في منافراتهم لأنهم يبدؤون في مقارضاتهم بحمد الله، والثّناء عليه والصّلاة على رسوله يأخذون في مآربهم ويستقرّون في وجه القول مدارجهم لتكون طرق البيان بها أوسع، وبراهين الموجبات فيها أثبت فقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي ابتدأ بالثناء على الله فيما آتاك من فضله واختصك به من كرامته، ثم اتبعه بالتّسليم على إخوانك من الأنبياء الذين اصطفاهم الله كما اصطفاك، وحمّلهم من أعباء الرسالة مثل ما حمّلك، ثم سل هؤلاء الذين ينازعونك الأمر، ويرادونك فيما تدعو إليه القول، وقل الله خير أم ما تجعلونه شركاءه.
ومثل هذا من الكلام يستعمل مع من حقت عليه الشّماتة ولزمت الحجة وتبرأت منه المعذرة فيقرع لسوء اختياره به ويرى بعدما بين أمريه فيه، ثم أخذ تعالى في إحصاء نعم الله التي تفرد بإنشائها يقرّرهم على ما يضطرون إلى تسليمها ونقص يد المنازعة فيها من خلق السّماء والأرض وإنزال الغيث الذي تنبت به الحدائق، ويحيي به الموات، ويعيش منه الناس والأنعام كما قال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
[سورة الزمر، الآية: ٢١] الآية. يقول: انظر كيف أنزل الغيث، وكيف أحيي به الأرض؟ ثم جعله فيها ينابيع إلى أن أخرج به المرعى فجعله غثآء أحوى.
ووجه التّقرير بهذا تأنيسهم بما كانوا لا ينكرونه لأنهم كانوا معترفين بأنّ ما يدعونه من الشّركاء لم ينبتوا شجرها، فكيف ما عداها، وأنّ مثل الشّركاء في العجز عنها مثلهم في أنفسهم لا تباين ولا تمايز لتساوي أحوالهم وتقارب آماد قواهم، فقال ذات بهجة، ولم يقل ذوات لأنه لمّا كانت الجموع مؤنثة اكتفى بالتأنيث عن الجمع ومثله القرون الأولى، والأسماء الحسنى قوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة النمل، الآية: ٦٠] أم فيه لتحوّل الكلام، عن حال إلى أخرى فهي أم المنقطعة لا المعادلة، وفي قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
هي المعادلة والمفسرة بأي، وفي كلّ منهما تبكيت شديد وتعنيف بليغ وإن اختلف طريقاهما لأنّ قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ
[سورة النمل، الآية: ٦٠] ممتزج بوعيد وتعجيب. وقوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ
[سورة النمل، الآية: ٥٩] ممتزج بتسخير ولو قيل إلها بإضمار فعل جاز. ومثله:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ألؤما لا أبا لك واغترابا
وقوله تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
[سورة النمل، الآية: ٦٠] حكم بأنّ الكلمة حقّت عليهم لعبادتهم ألا ترى أنه تابع بين البراهين السّاطعة والإلزامات الدّامغة، فأخذ يسألهم عن
[ ٦١ ]
الأرض ومصيرها قرارا للخلق وما في خلالها من الأنهار، وما ثبت بها من الجبال، وعن البحرين والحاجز بينهما، وعن إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف من يقيمها فيقول: من أنشأها وجعلها كذلك تكرّر التفريع، ومثل هذا من القول مع المصر الجاحد أبلغ من كل وعيد، وأوعظ من كلّ نكير. قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
[سورة النمل، الآية: ٦٢] يجري مجرى الالتفات في كلام البلغاء لأنه تعالى بعد تعداد آلائه عليهم وعلى جميع الخلق معهم، وبعد إظهار الآيات البيّنة وذهابهم عن المناهج المستقيمة وأنّهم لا يرجون بالنّذر ولا يرعون للعبر.
قال: بلغت المقال في نكوصهم إليهم ويقبح فيما يؤثرونه من صوابهم لديهم: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
، وهو لا يثبت بالقليل شيئا وإنما هو نفي خالص فكأنه قال: لا تذكرون شيئا، ويجوز أن يكون انتصاب قليلا على الظّرف وعلى أن يكون صفة لمصدر محذوف قوله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[سورة النمل، الآية: ٦٣] يريد من يسيّركم ويرشدكم إلى القصد والسّمت في تلك الحال، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[سورة النمل، الآية: ٦٣] أي أمام الغيث ناشرة، أو مبشرة، فقد قرىء نشرا بالنّون، وبشرا بالباء، ومعنى النّشر ضد الطي أي تفتح الأرض، وتعرج أطباقها للمطر والنّبات كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[سورة الحجر، الآية: ٢٢]، وختم الكلام بإعادة التّبكيت لأنّ هذه المسائل لا أجوبة لها تعالى الله عما يشركون، ثم قال تعالى: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[سورة النمل، الآية: ٦٤] جعل الخطاب في هذا الفصل، وفي فصلين قبله وهما: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
[سورة النمل، الآية: ٦٢] وأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بلفظ المستقبل بعد أن ساق في أول الفصول الكلام على بناء الماضي فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة النمل، الآية: ٦٠] وأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا
[سورة النمل، الآية: ٦١] لأنّ بعض أفعاله تعدم وحصل محصل المستكمل المفروغ منه، وفعل ما يساء في خلقه حالا بعد حال، فهو كالمتّصل الدائم لذلك خالف الآخر الأول، وقال بعد المسائل التي رتّبها معجزاتها: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
[سورة النمل، الآية: ٦٤] على مقالتكم، واستأنف تعليم النّبي ﷺ بما يورده عليهم في إنكارهم البعث واستعجالهم من النّشور بعد الموت لما قالوا: أَإِذا كُنَّا تُرابًا
[سورة النمل، الآية: ٦٧] وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ
[سورة النمل، الآية: ٦٧] لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[سورة النمل، الآية: ٦٨] فقال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
[سورة النمل، الآية: ٦٥] فما غاب عنكم كيف تحكمون عليه بالبطلان والامتناع، وقد استوى المخلوقون في استبهام أمر الساعة عليهم فلا يشعرون متى يبعثون ألا تسمع قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٧] وإذا
[ ٦٢ ]
كان القيامة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه لما تعلق بخفائه من مصالح المكلفين، فالمتكلم فيه أمّن الكفار واقف من مطلوبه موقف الخزي والخيبة، والرّاجع من مرتاد القيامة يفوت السّلامة.
قوله تعالى: بل أدرك علمهم في الآخرة استهزاء بهم جعل علمهم كالثّمر المنتظر ينعه وتكامله، فإذا تم بلوغه قيل أدرك، وقرىء بل إدارك علمهم، والمعنى تدارك، وهو أبلغ في المعنى لأنّ تفاعل بناء لما يحصل شيئا بعد شيء على هذا قولهم: تداعى البناء وتلاحق القوم وما أشبهه، ثم قال مرزيا بهم ومبطلا لظاهر ما أعطاهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
[سورة النمل، الآية: ٦٦] فانظر كيف ارتجع منهم ما بذله وعلى أي ترتيب رتّبه لأنه قال: بل أدرك علمهم بلسان التّهكم والهزء، ثم حطّهم عن تلك الرّتبة فقال: بل هم في شك منها فضعف علمهم وإدراكهم بالشّبهة العارضة لهم إذ كان الشّك لا يحصل إلا لعارض شبهة، ثم قال: يجهلهم ويردّهم إلى أسوأ منازل الباحث، فقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
، وقال بعض أصحاب المعاني: بلغني عن ابن عبّاس أنه قرأ: بلى إدارك يستفهم، ويشدّد الدال، وهو وجه جيد لأنه أشبهه بالاستهزاء بأهل الجحد كقولك للرّجل بكذبه والعمى المذكور بإنما هو من الرّي دون البصر، وهذا بيّن والحمد لله.
ومنه قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة النور، الآية: ٣٥] إلى وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[سورة النور، الآية: ٣٥] أراد بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أنّ الآيات الباهرة الدالة عليه وعلى أنه لا نظير له ولا شبيه، وأنّ العبادة لا تحق إلا له مبينة مضيقة لعذر من شبه بخلقه ظاهرة ظهور المصباح لذي وصفه في المشكاة التي بين أمرها إذا كان الله تعالى خالق الظلم والأنوار، ثم جعل المصباح في زجاجة صافية تشرق إشراق الكوكب المضيء الوقّاد، وقد استصبح ذلك السّراج بزيت من شجرة زيتون قد بورك فيها ثابتة على خط استواء لا شرقية، فيكون خطها منها العشيات فقط بل تستوفي قسطها مما ينمّيها ويربّيها كل وقت حتى إنّ عصيرها إذا اعتصر يقرب من أن يشرق وإن لم تمسه نار، ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ
[سورة النور، الآية: ٣٥] يعني نور المصباح، ونور الزّجاجة، ونور الزّيت يدل على أنّ أسبابه متعاونة في الإضاءة فكلّ موادها نور مفرد لو اكتفى به في الإشراق لأغنى عن غيره، فيقول: إنّ هذه الأنوار المجتمعة المترادفة مثل لآيّات الله في وضوحها، والدّلالة على وحدانيته، فلا شبهة تعرض لناظر ولا مرية يتسلط على خاطر فكلّ من ضل عمّا دعي إليه فإنما أتى من قبل نفسه وسوء تأنّيه، أو من هو يجذبها إلى الضّلال فيرديه. فإن قيل: هل تعرف في نظوم كلامهم مثل هذا التركيب، والتّلفيق؟ أو هل تعرف في الأمثال المضروبة لتأكيد القصص والأخبار ما أسس هذا التأسيس؟
[ ٦٣ ]
قلت: هم يقولون مثل هذا إذا قصدوا التّنبيه على تناهي الشيء وبلوغه أقصى مأخذه حتى يستغرق أكثر أوصافه على ذلك قول الأعشى، وهو يهول أمره ويعظمه فيما قاساه في الغزل حتى بلي فيه بما لا مزيد على شأنه فقال:
علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أخرى غيرها الرّجل
وعلقته فتاة ما يخاف لها من قومها ميت يهذي بها وهل
وعلقتني فتاة ما تلا يمني فاجتمع الحبّ حبا كلّه تبل
فكلّنا هائم يهذي بصاحبه فآب ودان مخبول ومختبل
فهذا من الباب الذي نحن فيه، وقد فعل الله مثل ذلك فيما ضربه من المثل للكفر والضّلال فقال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
الآية، فكما ضرب للهدى المثل بالنّور على ذلك الحدّ من التأكيد ضرب للكفر مثله وعلى حده.
فأما قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[سورة النور، الآية: ٣٥] فإنه يحتمل وجهين:
(أحدهما) أن يكون مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[سورة الزمر، الآية: ٢٢] وقوّى بصيرته ونوّر منهاجه وقصده، ويجوز أن يريد بالنّور الذي يهديه له ما يفعل الله بالمؤمنين من إرشادهم إلى طريق الجنة، كما قال في صفتهم: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[سورة التحريم، الآية: ٨]، ومثل قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، قوله تعالى في صفة النبي ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا*
[سورة الفتح، الآية: ٨] الآية، وهذا واضح بيّن.
قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ
إلى شِهابًا رَصَدًا
[سورة الجن، الآية: ٨] يقال لمس والتمس بمعنى طلب وحمل عليهما المس أيضا، فالحجة في الأول قوله الام على تبكيه فلا أجده يكشف ذلك قوله: فلا أجده، وفعل، وافتعل يتصاحبان كثيرا، وأما المس وخروجه إلى معنى اللمس فقد استشهد له بقوله:
مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا إلى حسب في قومه غير واضع
فقيل المعنى طلبنا في نسب آبائنا هل فيه ما يقتضي ما أنكرناه من أخلاقهم لأنّ المس بالجارحة لا يتأتى في الأنساب، والأحساب، ثم حمل قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٩]، وقيل معناه لا يطلب النّظر في أدلة الله المنصوبة في كتابه العزيز للاقتباس من آدابه وحكمه، والاعتبار بأمثاله، وحججه إلا المطهرون من دنس الشرك ودغل الكفر، ويكون على هذا التأويل الكلام خبرا.
[ ٦٤ ]
وقيل فيه أيضا: إنّ المس هو التّناول باليد، ويكون على هذا اللّفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى النّهي كأنه نهى الحائض والجنب، ومن جرى مجراهما من تناول المصاحف تنزيها لها، وتعظيما لشأنها، والوجهان قريبان، فأما الآية فهي إخبار عن الجن المسترقة للسّمع وأنهم كانوا قبل الإسلام يقعدون من السّماء مقاعد تقرب الاستماع إلى الملائكة وتسهله في السّماء الدّنيا، فكانوا يلتقطون من تجاورهم وتذاكرهم بما يوحى إليهم امتحانا لهم ما يلقونه على ألسن الكهنة حتى يتصوروا للنّاس بصورة من يعلم الغيب، فيؤمنوا بهم وذلك من الإضلال، وفساد الأدلة ما لا خفاء فيه، فقالوا: قد كان هذا فلما بعث النبي ﷺ منعنا من ذلك بما أرصد لنا من ثواقب النّجوم.
وقد اعتقد قوم أنّ انقضاض الكواكب ظهر في الإسلام لأنها جعلت رجوما للشياطين فيه، وقد جاء في الشعر القديم تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بمنقضّ الكواكب، فالأقرب في هذا أنه كثر في الإسلام، ومن قبل كان يتفق نادرا، أو يكون جعلها رجوما إسلاميا وفيما تقدم من الزّمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ
[سورة الملك، الآية: ٥] وقوله تعالى لا يبدل ولا يدخل التسمح بل هو الوحي المحقق والخبر المصدق.
فإن قيل: من أين لك أنّ الملائكة كان يرد عليهم الوحي فيتدارسونه بينهم ويجاذبونه حتى توصّلت الشّياطين منه إلى الاستماع. قلت: يدل على مثل ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[سورة البقرة، الآية: ٣٠] الآية، فتبيّن أنّه قدّم إلى الملائكة خبر ما أراده من آدم ﵇ وما كان من ذريته في الأرض امتحانا لهم. قوله تعالى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا
[سورة الجن، الآية: ٨] يعني الملائكة فدعاهم حرسا لما كان منهم من منع الشّياطين من السّمع. والحرس جمع حارس، ومثله غائب، وغيب. والشهب جمع شهاب، وهو النّار ولولا فعل الله تعالى ذلك لكان الوحي إلى النّبي يتخلّله الفساد، بما يكون من الجن فله الحمد والشكر على نعمه في كل حال وسيجيء من الكلام من بعد فيه ما تزداد به هذه الجملة انشراحا إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] الآية، نبّه الله تعالى على عدد الشّهور العربية، وهي التي تسمّى شهور القمر. وميزان السنة اثنا عشر شهرا لأنّ القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، ألا ترى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة يونس، الآية: ٥] وكذلك فعلت الفرس بقسمة أيام السنة باثني عشر قسما، وجعلوا أيام كل شهر ثلاثين يوما، وزادوا في آخر (ماه ابان) خمسة أيام سموها اللّواحق، والمسرقة،
[ ٦٥ ]
وسمّوها الكبيسة وإنما زادوا ذلك لتتم سنة الشّمس.
وكذلك زادت الرّوم في أيام شهورهم ونقصت، وكبست ليكون أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وذكر بعضهم أنّ العرب كانت تعمل الكبيسة أيضا لئلا تتغير أحوال فصول سنتهم، وكان شتاؤهم أبدا في جمادي الأولى، وجمادي الآخرة، ويجمد الماء في هذين الشّهرين ولذلك سموهما بهذا الاسم، ويكون صيفهم في شهر رمضان، وشوال، وسموا رمضان بهذا الاسم لشدّة الحر فيه، ووجدوا أيام السّنة القمرية ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما، وتنقص عن أيام السّنة الشّمسية نحو أحد عشر يوما، وأحبوا أن تكون فصول سنتهم على حال واحدة لا تتغيّر، وكانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، ويجعلون سنتهم ثلاثة عشر شهرا ويسمّونها النّسي إلى أن بعث محمد ﷺ، وأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّمَا النَّسِيءُ
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] الآية فلم يكبس بعد ذلك، فصار شهر رمضان يتقدم في كلّ سنة نحو أحد عشر يوما، ويدور على جميع فصول السنّة في نحو ثلاثين سنة، ولا يلزم نظاما واحدا، وهذا الذي حكاه هذا الإنسان يبطله ما ذكره الله تعالى، ورواته نقلة الأخبار، وسأبيّنه من بعد.
فقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] فالكتاب ها هنا هو الحكم والإيجاب ألا ترى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ*
[سورة البقرة، الآية: ٢١٦] وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[سورة الأنعام، الآية: ١٢]، والمعنى إنّ الواجب عند الله أنّ عدد الشهور على منازل القمر وأنّ أعياد المسلمين وحجّهم وصلواتهم في أعيادهم وغير ذلك تدور وأنه أجراها على هذا المنهاج: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، [سورة التوبة، الآية: ٣٦] ثم قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
يريد من الأشهر، أي جعل لها حرمة كما جعل البلد الحرام، والبيت الحرام ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] يريد دين الإسلام قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] أي لا تدعوا مقاتلة عدوكم إذا قاتلوكم في هذه الأشهر، فتكونوا معينين على أنفسكم وظالمين لها بكشف هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
[سورة البقرة، الآية: ٢١٧]، والمعنى عن قتال في الشهر قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ
[سورة البقرة، الآية: ٢١٧] وقد تم جواب السؤال لكن الله تعالى زاد في الكلام ما انشرحت به القصة وأتى من وراء القصة، فقال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
[سورة البقرة، الآية: ٢١٧]، فقاتلوهم فإنكم معذورون، ومعنى قوله تعالى:
كَافَّةً
جميعا، ومحيطين بهم ومجتمعين. وانتصابه على الحال، ومثل كافة قولهم: قاموا معا لا يدخلها الألف واللام، وكذلك قاموا جميعا، وقال الزّجاج: اشتقت من كفة الشيء
[ ٦٦ ]
وهي حرفه وكأنها مأخوذة من كف لأنّ الشيء إذا انتهى إلى ذلك كفّ عن الزّيادة ولا يثنّى ولا يجمع لأنّها مصدر في الأصل كالعاقبة، وقم قائما، وكقولهم: العامّة والخاصة.
ومن هذا قولهم: لقبته كفة كفة، والمعنى كفة ككفة، أو كفة إلى كفة، قوله تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] ضمان منه يقال لنصرة المؤمنين قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] النّساء، التأخير، وقال: نسأ الله في أجله، ومنه النّسيء في تأخير الدّين يقول: فالذي يفعله الكافرون في تقديم الأشهر الحرم على أوقاتها التي جعلها الله لها وتأخيرها زيادة في كفر الكافرين، واستمرار في ضلالهم وذهاب عن الواجب عليهم وإنّما كانوا يفعلون ذلك فيحلّون الشهر من هذه الشّهور في بعض الأعوام ويحرّمونه في العام الآخر ليوافقوا بالتّحليل تحريم الله تعالى فيحلّوا الحرام ويحرّموا الحلال.
قوله تعالى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] أي استحسنوا من ذلك ما هو سيىء وأتى بلفظ الخبر، عن المفعول ولا فاعل، ثم ومثله قولهم: أعجب بنفسه، وعنى بكذا وهذا كان من عادتهم كما كانوا يفعلونه في البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي حتى أبطلها الله تعالى بما أنزل فيه: (والبحيرة) كانت النّاقة إذا انتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا شقّوا أذنها، وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تمنع عن ماء وكلاء ولا يركبها المعي إذا لقيها.
والسّائبة: كان الرّجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برء من علّة يقول: ناقتي سائبة، أو عبدي سائبة فلا يستعان بعد ذلك به ولا يحادث عما يريده.
والوصيلة: هي الغنم إذا وضعت أنثى كانت لهم وإن وضعت ذكرا جعل لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا، وأنثى قالوا؛ وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم.
والحامي: كانوا إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحملون عليه ولا يمنعونه من ماء ومرعى.