ولفظ حيث- وما يتّصل به- والغايات- كقبل- وبعد- وذكر أول- وحينئذ- وقطّ- ومنذ- ومذ وإذ المكانية.
ومن عل يقال: اليوم ليومك الذي أنت فيه، وأمس لليوم الّذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى. وقال قطرب وغيره: يقول: رأيته أمس فتكسر، كما قالوا: قال الغراب:
غاق يا هذا في حكاية صوته، وتميم يرفعون أمس في موضع الرّفع فيقولون: ذهب أمس بما فيه فلا يصرفونه لما دخله من التّغيير وقال الرّاجز:
لقد رأيت عجبا مذأما عجائزا مثل السّعالى خمسا
فكأنّه ترك صرفه في لغة من جرّ بمذ. وقال عدي بن زيد:
أتعرف أمس من لميس طلل مثل الكتاب الدّارس المحول
قال الشيخ: اعلم أنّ أمس اسم معرفة لما مضى وشوهد. وغد بخلافه لأنه وإن كان اسما لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه، ولم يجيء فهو نكرة. ومثلهما قطّ وأبدا لأن قط معرفة وأبدا نكرة، وفي بناء أمس طريقتان:
الأول: ما ذكره أبو العباس المبرّد وهو أنّ شرط الاسم أن يلزم مسمّاه، ولا سيّما ما كان معرفة ليكون علما باقيا له. وأمس ليس يلزم مسمّاه لأنه اسم لليوم الذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى، فكلّما مضى يومك انتقل لفظ أمس عمّا كانت له إلى ما كانت بعده، فلمّا كان كذلك أشبهه الحروف في أنّه لا لزوم لها وإنما ينقل إلى ما ينقل إليه كمن وفي وإلى، فيفيد معناها فيه فبني لذلك.
الثّاني: إنه كان حق تعريفه أن يكون بالألف واللّام ليؤدّي العهد فيه فلم يدخلا عليه، بل ضمن معناهما، والاسم إذا تضمّن معنى حرف، يجب أن يبنى، فهذا وجه بنائه فأمّا من
[ ١٨٠ ]
منعه الصّرف فإنه يجعله معدولا عمّا فيه الألف واللّام كأنّه لا يأتي بهما، وهو يريد معناهما في الاسم كما أنّ قولك: سحر كذلك وقد مضى القول فيه، فإن نكّرته وجعلته شائعا صرفته به وصرفته، فقلت: مضى أمس وكذلك إن أضفته أو أدخلت عليه ألفا ولاما، لأنّه يصير موقتا محدودا تقول: مضى أمسك، وكان أمسا أطيب من يومنا، ومضى الأمس.
فإن قال: ما بال غد لا يكون مبنيا قلت: أمس معرفة مشاهد معلوم، وغد ليس بمعلوم ولا مشاهد، لأنّه لم يأت قبيلهما سبيل قط المشدّدة وأبدا، لأنّ قطّ للقائل من لدن قوله أي ابتداء كونه فهو معلوم، يقول: ما رأيته قطّ، تحركت الطّاء الأخيرة لأنه لا يلتقي ساكنان ويضمها كما يضم آخر الغايات، وسنبين القول فيها كلّها، وإذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد مذ لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، فهو غير معلوم، وجار على أصله الذي له وصار مصروفا منصرفا لم يعرض فيه ما يوجب تنيرا.
قال قطرب: وأظنه حكى عن الخليل أنّهم أرادوا بأمس حين حفظوا رأيته بالأمس، فحذفوا الباء والألف واللّام كما قالوا خير عافاك الله في جواب: كيف أصبحت؟ يريدون بخير، وكما قالوا: لاه أبوك الله أبوك. وقال ذو الأصبع شعرا:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب دوني ولا أنت ديّاني فتجزوني
فحذف لام الإضافة ولام التّعريف وهذا تقوية لقول الخليل، ومثله قول الآخر:
طال النّواء وليس حين تقاطع لاه ابن عمّك والنّوى لعدوّ
انتهى كلامه. قال الشّيخ: هذا الذي حكاه لا يكون بناء بل يكون الحركة في أمس إعرابا كما أنّها في حين وفي لاه أبوك شاذ، فلا يجعل أصلا لغيره. قال قطرب: فإذا دخلت الألف واللّام في أمس، فبعض العرب ينصبه، ويقول: رأيته الأمس وبعضهم يخفضه كحاله قبل الألف واللّام، ويقول: رأيته بالأمس وقال نصيب شعرا:
وإنيّ حبست اليوم والأمس قبله ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب
انتهى كلامه.
قال الشيخ: الوجه في إدخال الألف واللام أن ينكّر أولا ثم يعرّف بهما، فأمّا من نصب بعد إدخال الألف واللّام فهو القياس، لأنّ الألف واللّام والتّنكير يرددان اللفظ إلى ما كان يجب عليه في الأصل.
وأما ما حكاه عن يونس أنّه سمع الكسر مع دخول الألف واللّام، فالمتكلّم بذلك يجب أن لا يكون قد اعتدّ بالألف واللّام، ولم ينكّر قبل دخولهما، وبقي الكسر إيذانا بفعله ذلك، ويكون هذا كقوله شعرا:
[ ١٨١ ]
ولقد جنيتك أكمؤا وعاقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فأدخل الألف واللّام على الأوبر وهو معرفة، لأنه لم يعتد بهما، أو يكون أجراه مجرى الخازباز وخمسة عشر وأخواته في العدد، لأنّ الألف واللّام لا يزيلان بناءهما ولا يردانهما إلى أصلهما، والأول أجود وأكثر نظيرا في الوجود. قال قطرب: وإذا جمعت أمس في القياس قلت: ثلاثة آماس، لأنه مثل فرخ وأفراخ، وفلس وأفلاس، وقال الرّاجز شعرا:
مرّت بنا أوّل من أموس تميس فيه مشية العروس
فجمعه على فعول مثل فروخ وفلوس، وقال بعض الأعراب:
مرّت بنا أول من أمسيه تجرّ في محفلها الرّجليه
فبنى أمس انتهت الحكاية. قال الشّيخ: الياء في أمسيه لبيان الحركة، وكذلك في الرّجليه، وكأنه أراد أوّل من أوّل من أمس فثنى أمس بدلا من تكرير أول، وهذا كما قال أبو العباس فيما حكى عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه. والمراد: اضرب اضرب فأتى بدل التّكرير بلفظ التثنية، فأما أوّل من قولك أول من أمس فهو صفة كان المراد به يوما أوّل من أمس، وقالوا: بعد غد، ولم يقولوا: قبل أمس، فكان أول بدل قبل، وبعد غد في موضع الصّفة أيضا.
قال قطرب: فإن أضفته فإنّ بعضهم يجرّه كحاله قبل أن تضيف، كما كأن ذلك في الألف واللّام. قال الشيخ: الوجه في أمس إذا أضيف أن يعرب ويصرف كما قلناه في الألف واللّام، فأما من بناه مع الإضافة فإنّه شبهه بخازباز وخمسة عشر وأخواته، لأنها بنيت، وإن أضيفت، ورجوع أمس في التّنكير إلى أصله هو الّذي يدل على مخالفته لباب خازباز وخمسة عشر وأخواته. وقد قال قطرب في أمس: إذا جعلته نكرة فإنه يجري فيه الإعراب وكل ما يرده التنكير إلى أصله تردّه الإضافة والألف واللّام إلى أصله، وخمسة عشر وأخواته بنيت نكرات، وإن كان كذلك كان الضّعف والبعد في بناء أمس عند الإضافة ومع الألف واللام ظاهرين فاعلمه، وتقول: آتيك غدا أو شيّعه، وآتيك الجمعة أو شيّعه والمراد اليوم الذي يليه. قال عمر بن أبي ربيعة شعرا:
قال الحبيب غدا يفرّقنا أو شيعه أفلا تودّعنا؟!
فكان هذا من الاتباع، وفي الحديث: شاعه أبو بكر أي اتّبعه، فيقال على هذا النّبي ﷺ وشيّعه، أي مصدّقه وصاحبه ومن هذا الشّيعة.
وقال ابن الأعرابي: يقع الشيعة على كل من أحبّ وصدّق وحضّ على الاتباع أو حرّض تأخر عن المتبوع أو تقدم عليه. ألا ترى قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ
[سورة الصّافات، الآية: ٨٣] يعني من شيعة محمد ﷺ فأما قوله:
[ ١٨٢ ]
كأن أمسيا به من أمس يصفرّ ليس اصفرار الورس
فإنّه يعني عرق الإبل، وهو يصفّر إذا يبس ومعنى أمسيا به: يريد عرقا ظهر منذ ثلاثة أيام، ومعنى من أمس: منذ، كما قال: أقوين من حجج ومن دهر وعرق الخيل إذا يبس ابيضّ. قال بشر:
تراها من يبس الماء شهبا مخالط درّه فيها اقورار
والحول: السّنة بأسرها، وجمعه أحوال، وقد حال الحول يحول حولا وحؤلا واحتال الشيء وأحول: أتى عليه حوال أو أحوال، وأحال بالمكان: أقام فيه حولا، وقال الخليل:
أرض مستحالة تركت أعواما من الزّراعة.
والسّنة اسم لاثني عشر شهرا، وهو اسم منقوص والذّاهب منه في لغة كثير منهم الهاء، كان الأصل سنة، فحذف الهاء لمناسبتها لحروف المدّ واللّين وعلى هذه اللغة تصغر سنيهة، ويقال منه: هو يعمل مسانهة، كما يقال: معاومة ونخلة سنهاء: تحمل عاما وتحول عاما قال:
ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السّنين الجوائح
وفي لغة غير هؤلاء الذّاهب منه الواو، كان الأصل سنوة، فحذف الواو تخفيفا ثم جمعت على سنين جبرانا بالنقيصة لأنّ جمع السّلامة إذا حصل في غير النّاطقين ومن جرى مجراهم يكون للتّفخيم والتّعظيم، أو جبرا لنقص داخل على الاسم، والأسماء المنقوصة تجد الذّاهب منها في الأعم الأكثر الواو والياء لاستثقالهم إيّاهما، وكما يحذفونهما حذفا يعلّونهما بالقلب والإبدال، لأنّ كلّ ذلك يؤدّي إلى التّخفيف، وعلى ذلك هذه اللّغة يصغّر سنيّة وتجمع سنوات ويقال: هو يعمل مساناة، ويقال: أسنى القوم وهم مسنون: إذا أتت عليهم سنة، وقد جعل السّنة اسما للجدب، فيقال: أصابتهم السّنة، وجعل الفعل منه أسنت، فرقا بين هذا المعنى وغيره، يقال: أسنت القوم وهم مسنتون، وعلى هذا لغة من جعل لامه واوا دون اللّغة الأخرى، وهم يفعلون ذلك بما فيه لغتان ويقال أيضا: رجل سنت: أي قليل الخير، وقوم سنتون، والتّاء من أسنت هو بدل من الواو، وهذا كما فعلوا في بنت وأخت، ثم جعل البدل في أسنت لازما كأنّهم أرادوا أن يختصّ بالجدب، حتّى كأنّه وضع له، فلا مناسبة بينه وبين ما للوقت وهذا كما جعل البدل في قولهم: عيد، لازما، فقيل: عييد وأعياد في تصغيره وجمعه ولم يردّوه إلى أصله، وإن كان من عاد يعود لقصدهم إلى أن يختص بما يفيده بعد الإبدال العارض فيه كأنّه بناء آخر له وليس بمشتق.
فأمّا قولهم: العام، فيقال منه: عاومت النّخلة إذا حملت سنة وحالت أخرى، وعنب معوم: كثر حمله سنة وقلّ أخرى. وفي الحديث نهى عن المعاومة، وهو: أن تبيع الزّرع
[ ١٨٣ ]
عامك بما يخرج من قابل، وهو أن يزيد على الدّين، ويؤخّر في الأجل، ويقال: أتيته ذات عويم: أي العام، ويقال: أعوام عوم وعام عايم على التّوكيد، كما يقال: شعر شاعر، وهو عامي إذا أتى عليه عام. قال العجّاج: من أن شجاك طلل عامي.