اعلم أنّ الشّمس تدور في الفلك دورا طبيعيا، وهي لازمة له وعليها طريقها والقمر- والكواكب الخمسة، وهي: عطارد- والزّهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل. ربما كانت على هذا الفلك، وربما مالت إلى الشّمال، والجنوب، ويسمّى هذا الميل عرض الكواكب، ويسمّى هذا الفلك فلك البروج، وهي اثنا عشر: (الحمل)، و(الثور)، و(الجوزاء)، و(السرّطان) و(الأسد)، و(السّنبلة)، و(الميزان)، و(العقرب)، و(القوس)، و(الجدي)، و(الدلو)، و(الحوت)، وإنما انقسم هذا الانقسام لأنّ الشّمس متى انتقلت في دورانها من نقطة بعينها عادت إلى تلك النّقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستّين يوما وربع يوم.
وفي دورها تستوفي فصول السّنة التي هي الرّبيع، والصيف، والخريف، والشّتاء.
ولهذه العلّة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس، والقمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة فجعلت الشّمس اثنتي عشر شهرا وسميت الشّهور القمرية، كما جعل الفلك اثني عشر برجا ليكون لكل شهر برج.
وأسماء شهور العرب: المحرم، وصفر، والرّبيع الأول، والرّبيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الأخرى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة.
قال الشّيخ: اختلف الناس في أعداد أيام سنيهم، وهم متفقون في عدّة الشّهور واعتماد العرب فيها خاصة على الأهلّة، فكل اثني عشر هلالا عندهم سنة، فتكون عدد أيامها ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما.
قال أبو الحسن المعروف بالصّوفي: بين أصحاب الحساب من الرّوم، والهند خلاف يسير في مقدار هذا الكسر، فكان الأوائل من أهل الروم متفقين في القديم على ربع يوم فقط، ثم استدركوا فيه شيئا حقيرا.
[ ١٢٦ ]
وقال أبو حنيفة: ليس في الأمم أحفظ للفصول، وأوقات الأنواء والطّلوع من الروم، ولذلك من حلّ من العرب في شق الشّام أعلم بهذا من غيرهم، ثم أنشد لعدي بن الرقاع:
فلا هنّ بالبهمى وإيّاه مذ نشا جنوب لراش فاللها له، فالعجب
شباطا وكانونين حتى تعذّرت عليهن في نيسان باقية الشّرب
وإنما نصف عيرا وأتنا رعين البقل في إبّانه
وإنّما نصف عيرا وأتنا رعين البقل في إبانه إلى أن هاج، ونضبت المياه. وهم يبدؤون فيجعلون أوّل السّنة تشرين الأول، ويجعلونه أحدا وثلاثين يوما. ثم تشرين الثّاني ثلاثين يوما، ثم كانون الأوّل واحدا وثلاثين يوما، ثم كانون الثّاني واحدا وثلاثين يوما وربع، ثم شباطا ثمانية وعشرين يوما، غير أنهم يجعلونه ثلاث سنين كلّ سنة منها ثمانية وعشرين يوما وفي السنة الرابعة تسعة وعشرين يوما، وتلك السّنة تكون في عددهم ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويسمونها الكبيسة.
وقال الخليل: يكون في شباط فيما تزعمه الرّوم تمام اليوم الذي كسوره في السّنين، فإذا تمّ ذلك اليوم في ذلك الشهر، سمّى أهل الشّام تلك السنة عام الكبيس، قال: وهو يتيمّن به إذا ولد في تلك السنة، أو قدم فيه إنسان. ثم آذار واحدا وثلاثين يوما، ثم نيسان ثلاثين يوما، ثم أيار واحدا وثلاثين يوما، ثم حزيران ثلاثين يوما، ثم تموز واحدا وثلاثين يوما، ثم آب واحدا وثلاثين يوما، ثم أيلول ثلاثين يوما، فتكون الزّيادات من الأيام خمسة أيام على ثلاث مائة وستين يوما.
ثم أحبّوا أن لا تغيّر أحوال فصول سنتهم على السّنين الكثيرة والدّهور المتابعة، فزادوا في آخر شباط ربع يوم لتصير أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، ويكون ثلاث سنين متوالية كذلك فإذا تمّت الأرباع في أربع سنين تصير سنتهم في السنة الرابعة التي تليه ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويصير شباط في تلك السّنة تسعة وعشرين يوما، وتسمى تلك السّنة الرّابعة سنة الكبيسة، فكرهت الفرس أن يزيد في سنتهم ربع اليوم لأنهم لو فعلوا ذلك لاضطروا إلى الكبيسة في كل أربع سنين ولم يمكنهم ذلك لأنهم سمّوا أيام الشّهر بأسام.
زعموا أنها أسامي الملائكة الذين يديرون أيام الشّهر وأسامي الأيام، هرمز، بهمن، ارديبهشت، شهرير، اسفندار، مذخر داد، مرداد، يبا، ذر، آذر، أبان، حوزماه، تير، جوش، ديبمهر، مهر، سروش، رشن، فروردين، لوهرام، رام باذ، دنيدين، دين ارد، اشتاذ، اسمان، زامياذ، ماراسفند، انيران.
[ ١٢٧ ]
وأسماء الشهور اعتقدوا فيها مثل ذلك وهي: فروردين ماه، ارد بهشت ماه «١»، خرداد ماه، تير ماه، مرداد ماه، شهرير ماه، مهر ماه، ابان ماه، آذر ماه، دي ماه، بهمن ماه، اسفنديار مذماه.
وزعموا أنّ هرمز هو اسم الملك الذي يدبر أوّل يوم من الشّهر، وبهمن اسم الملك الذي يدبر اليوم الثّاني.
وكذلك الأسامي كلّها وسمّوا أيضا الأيام اللّواحق بأسماء الملائكة الذين زعموا أنهم يدبرونها وهي: خونو ذكاه، واستوذ كاه، واسفيذ كاه، ومشتحزكاه، وشتكاه. وقالوا إنّ كبسنا في كلّ أربع سنين يوما فجعلنا اللواحق ستة أيام في هذا اليوم بلا مدبر، وسقط أول يوم من آذر ماه واستوحش هرمزد وقدر أنهم يقصدونه ثم كانوا يكبسون في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا واحدا ليسوّوا بين الملائكة، ولا يستوحش أحد منهم وتصير سنتهم في تلك السنة ثلاث مائة وخمسة وتسعين يوما وكانوا على ذلك إلى أن انقضت دولة الفرس ولم يكن فيهم من يمكنه فعل ذلك إلى أن كبس المعتضد مقدار ما كان قد مضى من سنة الكبيسة لكل أربع سنين يوما واحدا وجعل النيّروز اليوم الحادي عشر من حزيران وفيه يقول الشاعر مادحا له شعرا:
يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخّر
من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر
ووضع الكبيسة على رسم الرّوم ولا يعمل ذلك إلا ببغداد، فإنّهم يجعلون أوّل سنتهم في التقويم يوم النّيروز المعتضدي، ويستعمل في سائر البلدان النّيروز القديم.
وذكر هذا الإنسان وهو أبو الحسين الصّوفي أنّ العرب كانت تكبس أيضا. ثم ذكر النسيء من قول الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] وقد تقدّم القول على ما قاله فيما مضى وبينّا من تفسير الآية والأخبار المرويّة ما أغنى.
واعلم أنّ العرب لا تذهب في تحديد أوقات الأزمنة إلى ما يذهب إليه سائر الأمم، وتجعل أوّل عدد الأزمنة في تحديد أوقاتها، إلى ما يعرف في أوطانها من إقبال الحرّ والبرد، وإدبارهما، وطلوع النّبات واكتهاله وهيج الكلاء ويبسه، ويذهب في عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف وتسمية الربيع لأنّ أول الرّبيع وهو المطر يكون فيه- ثم يكون بعده فصل الشّتاء- ثم يكون بعده فصل الصّيف- وهو الذي يسميه النّاس الرّبيع ويأتي فيه الأنوار. وإنما
[ ١٢٨ ]
سمّوه صيفا لأنّ المياه عندهم تغل فيه والكلأ يهيج، وقد يسمّيه بعضهم الرّبيع الثّاني، ثم يكون بعد فصل الصّيف فصل القيظ، وهو الذي يسمّيه النّاس الصّيف فأوّل وقت الرّبيع الأول عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول. وأول الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام من آذار، وأوّل القيظ عندهم أربعة أيام تخلو من حزيران. والخريف المطر الذي يأتي في آخر القيظ ولا يكادون يجعلونه اسما للزّمان.
وقال عدي بن زيد فجعله اسما للزّمان في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى ولم يولّيني العراقي
وسماه خريفا، لاختراف الثمار فيه والحطيئة ممن يجعله المطر وذكر امرأة فقال:
وتبدو مصاب الخريف الجيالا. يريد أنّها تنقل إلى البدو لمصاب هذه المطرة، فهذه حدود الأزمنة عندهم، ثم يجعلون لكل زمان صميما يخلص فيه طبعه فيذكرون منه شهرين ويدعون شهرا لأنّ نصف شهر من أوله مقارب لطبع الزّمان الذي قبله، ونصف شهر من آخره مقارب لطبع الزّمان الذي بعده، فالخالص منه شهران فيسمّون شهريّ الشّتاء بالخالص شهري قماح قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا وحبّ الزّاد في شهري قماح
وسميا بذلك لأن الإبل فيهما ترفع رؤوسها عن الماء لشدة برده والإبل القماح هي التي ترفع رؤوسها. وقال بشر يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود نغضّ الطّرف كالإبل القماح
والإبل إذا رفعت رؤوسها عن الماء غضّت أبصارها، ويدعون هذين الشّهرين ملحان وشيبان لبياض الأرض بالصّقيع والجليد. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جلودها لملحان أو شيبان واليوم أشهب
فهذان شهر الشّتاء فشيبان من الشّيب وملحان من الملحة وهي البياض وقيل كبش أملح منه.
وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى والآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج، قال: وقولهم مات الجندب وقرب الأشيب أي الثّلج، ويسمّون شهري القيظ اللّذين يخلص فيهما حره شهري ناجر وسمّيا بذلك لأنّ الإبل تشرب فلا تكاد تروى لشدّة الحر، والنّجر والبغر متقاربان وهو أن يشرب فلا يروى من الماء يقال نجر من الماء إذا امتلأ منه فكظمه،
[ ١٢٩ ]
وهو على ذلك يشتهيه قال ذو الرمة يصف ماء شعرا:
صرى أجنّ يروي له المرّ وجهه ولو ذاقه ظمآن في شهر ناجر
وقال الشّماخ شعرا:
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما جرت في عنان الشّعر بين الأماغر
فهذان شهرا القيظ ولا أعلم أنهم سمّوا شهري ربيع الثاني باسم، إلا أنّهم يقولون:
حللنا ببلد كذا في حدّ الربيع يريدون شهريه وقال أبو ذؤيب شعرا:
بها أبلت شهري ربيع كليهما فقد مار فيها نسؤها واقترارها
النّسو بدو السّمن والاقترار أن تحثر بولها وهو من علامات السّمن، قال رؤبة:
شهران مرعاها بقيعان الصّلق مرعى أنيق النّبت مجاجّ الغدق
وقال ابن مقبل شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع وحازها أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
يريد بأخي السّلوة النّدى لأنهم في رخاء وسكون ما دام النّدى عندهم وقولهم: مسّى به الليل: أي جاء عند مجيء الليل، والأملح الأبيض، ربما ذكروا استيفاءها شهور الرّبيع الثّاني كلّها. قال حميد شعرا:
رعين المراز الجون من كلّ مذنب شهورا جمادى كلّها والمحرّما
قال: شهورا جمادى كلّها وهما شهران كما قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
[سورة النساء، الآية: ١١] يريد أخوين فصاعدا ولم يفعلوا ذلك في زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. ولا أحسب ذلك إلا لأنه لم يدعهم إلى ذكره شيء كما دعا إليه شدّة البرد في الشّتاء، وشدّة الحر في الصّيف والقيظ، ووقت الجزء في الرّبيع.
قال أبو حنيفة: النّاس مجمعون من تقديم البروج على برج الحمل. ومن تقديم المنازل على الشّرطين، وفي ذلك دلالة على تقديم فصل الرّبيع، وذكره قبل سائر الفصول وهو لحلول الشّمس برأس الحمل، قال: والفصل اسم جرى في كلام العرب وجاءت به أشعارهم، قال الشّاعر يصف حمير وحش شعرا:
نظائر جون يعتلجن بروضة لفصل الرّبيع إذ تولّت صبائنه
وسمّي فصلا لانفصال الحر من البرد، وانقلاب الزّمن الذي قبله، ويقال للفصول
[ ١٣٠ ]
أيضا: الفصيان والواحدة فصية، وهي الخروج من حر إلى برد، ومن برد إلى حر. والفصية تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء فتلك فصية، ولا يستعمل الفصل إلّا في حينه، فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصية: أن يخرج من برد إلى حر، ويقال: أفصى القوم وهم مفصون، ويقال: لو أفصينا لخرجت معك. والشّمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار، ويسمّى الاستواء الرّبيعي.
ثم لا يزال النّهار زايدا، واللّيل ناقصا إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك أربع وتسعون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول النّهار وقصر الليل، وينصرم ربع الرّبيع، ويدخل الرّبع الذي يليه، وهو الصّيف، وذلك لحلول الشّمس برأس السرّطان، ويبتدئ اللّيل بالزّيادة، والنّهار بالنقصان، إلى ثلاث وعشرين ليلة تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار ثانية، ويسمّى الاستواء الخريفي، وينصرم ربع الصّيف ويدخل ربع الخريف، وذلك لحلول الشّمس برأس الميزان، ويأخذ اللّيل في الزيّادة والنّهار في النقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى وعشرون ليلة، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وقصر النّهار، وينصرم فصل الخريف، ويدخل فصل الشّتاء، ويبتدئ النّهار في الزيادة، وذلك لحلول الشّمس برأس الجدي إلى مصيرها إلى رأس الحمل، وذلك تسع وثمانون ليلة وربع فعندها ينصرم ربع الشّتاء، ويدخل فصل الرّبيع، فعلى هذا دور الزّمان فاعلمه.
[ ١٣١ ]