قال قطرب: أسماء الأيام: السّبت- والأحد- والاثنان- والثّلاثاء- والأربعاء- والخميس- والجمعة. فالأحد هاهنا اسم وأصله: وحد وقد يكون صفة مثل قوله: بذي الجليل على مستأنس وحد. ومعنى الواحد الذي لا ثاني له وإنّما لم يثنّ وهو اسم لأنه متى ثنّي خرج من أن يكون واحدا، فلذلك لم يقل: وحدان وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة جاء في أحرف معدودة. والاثنان من ثنّيت الشيء إذا ضعّفته ثنيا ثم يسمّى المثنّى ثنيا، ولا يقال في أحد اثن، لأنّه إذا أفرد عما يثنّى به لم يستحقّ هذا الاسم. فأمّا الثّلاثاء والأربعاء والخميس فإنّها وإن أريد بها ما يراد من أسماء العدد إذا قلت ثلاثة وأربعة وخمسة، فإنّ في تغيّر الأبنية لها قصد. وسيبويه قال: أحبّوا في الأوقات أن يحصوها بأبنية تلزمها من بين سائر المعدودات، وشبّهها بقولهم: عدل وعديل ووزين ووزان في الفصل بين الأجناس.
وحكى سيبويه: هذا يوم اثنين مباركا فيه. واستدلّ على تعريفه بانتصاب الحال بعده، وفيه على هذا تعريفان.
الأوّل: باللّام تعريف الحارث والعباس.
الثّاني: تعريف العلميّة والوضع، كما أنّ عروبة، والعروبة للجمعة كذلك، والسّبت سمّي به قيل: للراحة، ومنه السّبات النّوم، ويقال: انسبت الرّجل إذا اعترته سكتة. وقيل:
أصل السّبت القطع. ومنه السّبات لأنّه يحول بين التمييز وصاحبه، ويقطعه عن عادته وتصرّفه، ويقال: سبتوا عنقه إذا قتلوه. والمنسبت من النّخل: ما يجري الإرطاب في جميعه، فكأنّه انقطع من حدّ البسر، ويقال لضرب من النّعال: السّبت، وإنّما هي التي قد نثر شعرها. ويقال: إنّ السّبت إنّما سمّي لما أخذ على اليهود في السّبت ونهوا عنه في هذا اليوم مما هو مباح في غيره، وانقطاع حكمه من حكم غيره، ومن جعل السّبت إنمّا يسمّى به
[ ١٩٩ ]
للرّاحة، يقول قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[سورة ق، الآية: ٣٨] هو ردّ على اليهود في قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
آخرها يوم الجمعة واستراح في يوم السبت فردّ الله ذلك عليهم وأبطل قولهم. وسمّي السّبت: شيارا واشتقاقه من شيرت الشيء إذا أظهرته وبيّنته، ويقال: شيراي حسن الشيارة وهي ظاهر منظره، ومن هذا قيل: القوم يتشاورون أي يظهرون آراءهم كأنّ كلّ جماعة منهم يظهرون ما عندهم ويعرضونه. ويجوز أن يكون قولهم لخيار الإبل الشّيار من هذا الذي ذكرناه. وقيل للأحد: أوّل لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام. وقالوا للإثنين: أهون وأوهد فأهون من الهون وهو السّكون من قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا
[سورة الفرقان، الآية: ٦٣] وأوهد يدلّ على هذا المعنى لأنّ الوهدة الانخفاض كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العد. وقالو للثّلاثاء الجبار أي جبر به العدد، وأعظم به العدد وقوي، لأنّه حصل به فرد وزوج.
وقال الخليل: سمّي به في الجاهلية الجهلاء، وفي الخبر العجماء جبار والمعدن جبار. أي يهدر الأرش فيه، فهو يخالف المعنى الأول. وقولهم للأربعاء: دبار لأنّه عندهم آخر العدد وقد تمّ بإجرائه العقد الأوّل. ودبر كل شيء مؤخّره، وإنما كان كذلك لأنّ الخميس- والجمعة- والسّبت- سمّوها بأشياء تصنع فيها فاستغنوا بها عن عددها. وقيل للخميس: مؤنس لأنه يؤنس به لقربه من الجمعة وفي الجمعة التأهّب للاجتماع. وقيل للجمعة: العروبة لبيانها عن سائر الأيّام، والإعراب في اللّغة الإبانة والإفصاح، والعرب شوك البهمي والواحدة عربة، سمّي بذلك لأنّ الورق يسقط منه فيظهر الشّوك. فالتّأويل أنّه قد بان من الورق والعرابة عسل الخزم، سمّي به لأنّه يقال لثمرة العراب، والواحدة عرابة، وقد أعربت الخزم، ويقال للمرأة الغزلة هي عربة وعروبة أيضا. ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا
[سورة الواقعة، الآية: ٣٥- ٣٦] وقيل: العروبة المتحبّبة إلى زوجها، ويقال للمتهلّل الوجه: عرابه. وبير عربة: كثيرة الماء. وقد قيل:
العروبة بالألف واللّام وبغير الألف واللام كأنّه جعل علما، وأنشد فيه شعرا:
وإذا ترى الرّواد ظلّ بأسقف يوما كيوم عروبة المتطاول
يروى يوما كيوم، ويوما كيوم، قال: ولم يزل أهل كل دين يعظّمونه وجعله متطاولا للعبادة فيه، والمعنى وإذا ترى هذا الحمار الوارد ظلّ له يوم طويل وطوله طول مكثه يميل بين الورود وتركه. وإذا نصبت اليوم: فالمعنى ظلّ الحمار يوما طويلا في هذا الموضع، وإذا رفع فالمعنى ظلّ بأسقف يوم له، وروي الأرواد فكأنّه جمع ورد والمعنى: أهل الأوراد أو يجعل الورد للواردين. وقال القطامي: فأتى بالألف واللّام شعرا:
[ ٢٠٠ ]
نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أورادا بأوراد
(وتسمّى الجمعة) حربة أيضا، سمّيت بذلك لبياضها ونورها فهي في الأيّام كالحربة.
(وذكر أصحاب) السّير أنّ أولاد نوح ﵇ عزموا على المسير في الأرض ليروها، ويختاروا منها لمطافهم وأوطانهم فبدؤوا بمسيرهم في يوم الأحد فسمّي الأوّل. (ثم لمّا كان اليوم الثّاني) كان السّير الذي شق عليهم في الأوّل أخفّ فسمّي الاثنين أهون. و(في الثّالث) جبروا ما تشعّث من أحوالهم بعد ما نزلوا سمّي لذلك الثّلاثاء جبارا، ولأنّهم جبروا ما كانوا خفّفوه من سيرهم فيما قبله فسمّوه جبارا. و(في الرّابع) انتهوا إلى عقاب وجبال فحجزتهم ومنعتهم فأدبروا وغيّروا الطّريق فسمّي الأربعاء دبارا. و(في الخامس) تسهّل الطّريق ورأوا ما أنسهم فسمّي الخميس مؤنسا. و(سميت الجمعة) العروبة لأنّ كلمتهم اجتمعت وبان لهم من الرّأي ما كان خافيا فتعربوا واتّفقوا. فإذا جمعت السّبت فيما دون العشرة أسبت والكثير سبوت. وإذا جمعت الأحد قلت في القليل: آحاد وفي الكثير أحود مثل جمل وأجمال وجمال وأسد وأسود وآساد. والاثنان لا يثنّى فإنّه مثنّى، فإن أردت تثنيته جئت بالمعنى فقلت: هذان يوما الاثنين ولا يحسن مضى الاثنانان، فيحصل الإعراب مرتين. قال قطرب: ومع ذلك قد حكي. وفي الجمع أيضا تقول: مضت أيام الاثنين، إلا أنّهم قد قالوا: اليوم الثّني فلا بأس على هذا أن يجمع فيقول: مضت أثناء كثيرة.
وحكي عن بعض بني أسد: مضت آثان كثيرة، كأنّه جمع أثناء مثل: قول وأقوال وأقاويل، وأسماء وأسامي، فلا بأس بذلك. قال: وحكيت لنا مضت أثانين، ولا وجه لهذا لأنّه من ثنيت الشيء، فالنّون الأخيرة لا مدخل لها، فأمّا جمع الثّلاثاء والأربعاء فثلاثاوات، وأربعاوات بالألف والثّاء، لأنّ فيها علم التأنيث وهو الهمزة بعد الألف كألف حمراء وصفراء.
وزعم يونس أنه يقال: مضت ثلاث ثلاثاوات، وأربع أربعاوات، على تأنيث اللّفظ ويقال: ربعت الجيش إذا أخذت ربع القسمة منهم ولم يأت على وزن المرباع في تجزئة الشيء غير المعشار والمرباع المكان الباكر بالنبات. ومنه قوله: رزقت مرابيع النّجوم، وفي الأربعاء لغات أربعاء بفتح الباء وأربعاء بكسر الباء والهمزة، ويجمع على أربعاوات وأرابيع، وتقول أيضا: ثلاث ثلاثاوات وأربعة أربعاوات على معنى التّذكير، لأنّ اليوم مذكّر وقال الشّاعر شعرا:
قالوا: ثلاثاؤه خصب ومأدبة وكلّ أيامه يوم الثّلاثاء
وحكى المفضّل في الثّلاثاء الأثالث في الكثير. وحكى في جمع الأربعاء الأرابيع أيضا، وأمّا الخميس فإذا جمعته على أقل العدد كان على أفعلة تقول: ثلاثة أخمسة، كما
[ ٢٠١ ]
قالوا: جريب وأجربة وكثيب وأكثبة، ويجوز في القياس جمعه على فعلان نحو خمسان، كما قيل: كثيب وكثبان ورغيف ورغفان.
وقال يونس: أخمسة في الأيام، وأخمساء في الخمس، تقول: إذا أخذ الخمس قد أخذ أخمساء في ماله. فأما الجمعة فإنّها إذا جمعتها لأدنى العدد كانت بالتّاء: ثلاث جمعات، أتبعت الضمّة مثل ظلمات، وإن أسكنت فقلت جمعات وظلمات كما أسكن عضد وعضد وعنق وعنق جاز وإن شئت فتحت فقلت ثلاث جمعات وظلمات. وقال النّابغة:
ومقعد أيسار على ركبانهم ومربط أفراس وناد وملعب
وإن شئت قلت ثلاث جمع كما تقول: ثلاث ظلم وثلاث برم. وإن شئت كان ذلك لكثير. وأيّام العجوز سبعة كما قال:
كسع الشّتاء بسبعة غير أيّام شهلتها من الشّهر
فبآمر وأخيه مؤتمر ومعلّل ومطفي الجمر
فإذا مضت أيّام شهلتها بالصّن والصّنبر والوبر
ذهب الشّتاء مولّيا هربا وأتتك واقدة من النّجر
قال أبو سعيد: سمّيت هذه الأيام غبرا للغبرة والظّلمة. والشّهلة العجوز. وآمر سمّيت بذلك لأنّه يأمر الناس بالحذر منه، وسمّي مؤتمر لأنّه يأتمر بالنّاس أي يرى لهم الشّر ويؤذيهم. ومنه قول امرئ القيس:
أجاز ابن عمر وكأنّي خمر ويعدو على المرء ما يأتمر
وسمّي (صنا) لشدّة البرد. والصّن البرد. وسمّي (صنبرا) لأنّه يترك الأشياء من البرد كالصّرة في الجمود، وكلّ ما غلظ فقد استصبر. وسمّي (وبرا) لأنّه وبر آثار الأشياء أي عفا.
(والتّوبير) المحو والإخفاء، كتوبير الأرنب، وهو أن يمشي في حزونه لا يوقف على أثره، وسمّي (مطفي الجمر) بذلك لأنّ شدّة البرد تطفىء الجمر. (ومعلّل) سمّي بذلك لأنّه يعلّل النّاس بتخفيف البرد. (والنّجر) وقدة الحر، ومنه قيل شهر ناجر. فهذا ما قاله أبو سعيد الضّرير، ومن النّاس من يقول في أيّام العجوز هي: المسترقة في أوّل الشّتاء. ومنهم من يجعلها في آخر الشّتاء ويسمّيها أيّام الشهلة. ومنهم من يعدّها خمسة، ومنهم من يعدّها سبعة على ما تقدم. وحكي أنّ الكسائي سأله الرّشيد عن سببها، فقال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، وكان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوّجوني زوّجوني زوّجوني وهم يضربون عنها ولا يكترثون لها فأنشأت تقول شعرا:
أيا بنيّ إنّني لناكحة فإن أبيتم إنّني لجامحه
[ ٢٠٢ ]
هان عليكم ما لقيت البارحه من الهياج وحكال الوامحه
ويروى الفاضحة. وقيل: أرادت بالوامحة الواحمة أي المشتهية من قولهم: وحمت المرأة توحم وحما وهي امرأة وحمى، فقالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوّجك بعد ذلك، فجاؤوها بعد السّابعة وقد انقضت.
(فمن عدّها) سبعة فقال: هي: صن «١» وصنبر- ووبر- وآمر- ومؤتمر- ومعلّل- ومطفي الجمر- (ومن عدّها) خمسة قال هي: صن- وصنبر واختهما وبر- ومطفي الجمر- ومكفي الظّعن.
وقال أبو سعيد الضّرير: سمّيت أيام العجوز لأنّ العرب جزّت الأصواف والأوبار مؤذنة بالصّيف، وقالت عجوز منهم لا أجزّ حتى تنقضي هذه الأيّام فإنّي لا آمنها، فاشتدّ البرد لها، وأضرّ بمن قد جزّ وسلمت العجوز بما لها.
وقال أحمد بن يحيى: الصّحيح أنّ العجوز عجلت بجزّ صوفها لحاجتها إليه وثقتها بالحر، فجاء البرد وموّتت غنمها، وكانت سبعة فماتت كلّ يوم واحدة فمن جعلها سبعة فلهذه العلّة، وإلّا فبرد العجوز ربّما بقي عشرة أيام أو أكثر.
وقال أحمد بن يحيى: (معتدلات سهيل) بإزاء (برد العجوز) (والكسع) ضرب الضّرع بالماء البارد حتى لا يدر، وكسع الشّتاء ضرب آخره بهذه الأيّام. و(الشّهلة) العجوز، وتشهّل الغلام إذا تغيّر بخروج لحيته أو لغير ذلك. قوله (بآمر) أي بيوم استعدّ فيه للبرد كأنّه أمر بذلك. و(مؤتمر) أي ايتمر للّذي أمره بذلك فقبله وقوي برده. و(معلّل) من العلل وهو شرب بعد شرب كأنّه جاء ببرد بعد برد (ومطفي الجمر) أي لشدّة البرد لا يكون للجمر ثبات. (والصّن) المتكمّر برد شديد، (والصّنبر) مثل ذلك. (والوبر) يكون من الوبر الذي احتيج إليه من البرد. (والوقدة) شدّة الحرّ من الوقود وهو النّار. (والنّجر) شدّة العطش.
(وشهرا ناجر) تموز وحزيران.
وقال الضّرير في قول أبي عبيدة في الكسعة إنّها الحمير إنّه خطأ، لأنّ الكسعة تقع على الإبل والبقر العوامل والحمير والرقيق لأنّها تكسع بالعصا، أي تساق أو بالخب، فكيف جعلها حميرا وحدها؟ ومما يصدّق ما قلنا قول الشاعر في أيّام العجوز كسع الشّتاء، يريد كسعت أيّام العجوز الشّتاء كما تكسع السّيقة إلى حيث يراد بها، ويقال: إنّ يومنا لصنبر،
[ ٢٠٣ ]
وهو القر. وقال غيره في شدّة البرد: الخرص والصّنبر والزّمهرير. وقال بعضهم: أيّام العجوز: الصّن- والصّنبر وابن عمهما الوبر- والمضوضى في القبر- والمسند اللّامة الجمر والمدخل الفتاة في الخدر والمسلخ العجوز في الوكر.
وقد سمّت العرب الأيّام الخمسة بأسماء كما خصّت أيّام العجوز بأسماء وهي الهنبر- والهنزير وقالب القمر- وحالق الظّفر- ومدحرج البعر. قال أبو حنيفة: أمّا أيام العجوز فهي عند علماء الحضر في نوء الصّرفة بعد انقضاء الجمرات وهي خمسة.
وقال الكلابي: هي بالبادية عند ثلاثة بعد سقوط الجمرة الآخرة من الجبهة بنحو من سبع ليال، قال: وهذه الأيّام تسمّى صفوان. والثّاني الصّافي وهو أشدّها قرا، والثّالث صفى وهو آخرها، وأوّل نهاره يشبه الأوّلين، وآخر نهاره يتباشر النّاس بلينه. وروى غيره عن العرب أول يوم صفي. والثّاني صفوان. قال وذلك إذا اشتدّ البرد. والثّالث همام لأنّه يهم بالبرد ولا برد له. وقال أبو زياد: فيها يقولون: أيّام العجوز ثلاثة، وقد كان أيام العجوز لنا شهرا. قال: وأيّام العجوز عند الجمهور سبعة، وسقوط الجمرة الأولى عند العوام لسبع من شباط. وسقوط الجمرة الوسطى لأربع عشرة من شباط، وسقوط الأخيرة لإحدى وعشرين من شباط. وأول أيام العجوز عندهم لخمس وعشرين من شباط، وآخرها لثلاث من آذار.
[ ٢٠٤ ]