قد عرفتك فيما تقدم أنّ العرب تبدأ بالشّتاء بعد أن تجعل السّنة نصفين شتاء وصيفا ثم يقسم الشّتاء نصفين فتجعل الصّيف أوّله والقيظ آخره وأنّها تفارق سائر الأمم في تحديد الأوقات، فأوّل وقت الرّبيع الأوّل عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول، وأوّل الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام، تخلو من حزيران، والخريف عندهم اسم للمطر الذي يأتي في آخر القيظ من دون الزّمان. وذكر المراد الفقعسي أنّه يكون حلول الشّمس بأعلى منازلها في شدة الحر، وذلك إذا حلّت بأول السّرطان فقال شعرا:
إذا طلعت شمس النّهار فإنّها تحلّ بأعلى منزل وتقوم
يريد أنّ الشّمس في منتهى صعودها في القيظ، فإذا طلعت حلّت بأوّل منها، وإذا انتصفت قامت على قمة الرأس. وهذا يدل على معرفتهم بحلول الشّمس رؤوس الأرباع، وإن كان حساب فصولهم على غير ذلك.
وأمّا أصحاب الحساب فيحدّون فصول السّنة بحلول الشّمس بنجم من هذه النّجوم الثمانية والعشرين، ويجعلون لكلّ زمان من الأزمنة الأربعة سبعة أنجم منها. ويبدؤون من الأزمنة بالفصل الذي تسمّيه العامة: الرّبيع وهو عند العرب الصّيف، ونجوم هذا الفصل الشّرطان والبطين والثّريّا والدّبران والهقعة والهنعة والذّراع، والشّمس تحل بالشّرطين بالغداة لعشرين ليلة تخلو من آذار فتسترهما وتستر المنزل قبلهما، فلا يزال الشّرطان مستورين بها إلى أن يطلعا بالغداة، لستّ عشرة ليلة تخلو من نيسان فيكون بين حلول الشّمس بها وطلوعها سبع وعشرون ليلة.
وإذا حلّت الشّمس برأس الحمل اعتدل اللّيل والنّهار، فصار كلّ واحد منهما اثنتي
[ ١٥٠ ]
عشرة ساعة يوما واحدا وليلة واحدة، ثم يزيد النّهار وينقص اللّيل إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك بعد أربع وتسعين ليلة من وقت اعتدالهما فينتهي طول النّهار، وينتهي قصر اللّيل، وينقضي فصل الرّبيع، ويدخل الفصل الذي يليه وهو الصّيف، ودخول الصّيف بحلول الشّمس برأس السّرطان ونجومه النّثرة والطّرف والجبهة والزّبرة والصّرفة والعوّاء والسّماك.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان إلى ثلاث وعشرين تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنّهار ثانية ويكون كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة، يوما واحدا وليلة واحدة، وينقضي فصل القيظ ويدخل فصل الخريف، ودخول فصل الخريف بحلول الشّمس رأس الميزان ونجومه الغفر- والزّباني- والإكليل- والقلب- والشّولة- والنّعايم- والبلدة.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول واحد وعشرون يوما، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وينتهي قصر النّهار، وينقضي فصل الخريف، ودخول فصل الشّتاء بحلول الشّمس رأس الجدي ونجومه: سعد الذّابح- وسعد بلع- وسعد السّعود- وسعد الأخبية- والفرع المقدّم والفرع المؤخر- وبطن الحوت-. ويأخذ النّهار في الزّيادة واللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى رأس الحمل ويعتدل اللّيل والنّهار، وينقضي فصل الشّتاء وذلك تسع وثمانون ليلة وربع، فجميع أيام السّنة على هذا العدد ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع، لا يتغيّر ولا يزول على مرّ الدّهر.
وقد بيّنا فيما مضى أنّ السيارات سبعة وأخبرنا أنها هي التي تقطع البروج والمنازل فهي تنتقل فيها مقبلة ومدبرة، لازمة لطريق الشّمس أحيانا وناكبة عنها أحيانا، إمّا في الجنوب وإمّا في الشّمال، ولكلّ نجم منها في عدوله عن طريقة الشّمس مقدار إذا هو بلغه عاود في مسيره الرّجوع إلى طريقة الشّمس، وذلك المقدار من كلّ نجم منها مخالف لمقدار النّجم الآخر.
فإذا عزلت هذه النّجوم السّبعة عن نجوم السّماء سمّيت الباقية كلّها ثابتة، تسمية على الأغلب من الأمر لأنّها وإن كانت لها حركة مسير فإنّ ذلك خفي يفوت الحس، إلّا في المدّة الطّويلة، وذلك لأنّه في كلّ مائة عام درجة واحدة فلذلك سمّيت ثابتة.
واعلم أنّ الطّلوع والغروب، وتفصيل اللّيل والنّهار، والمشارق والمغارب قد قال الله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
[سورة الرّحمن، الآية: ١٧] و
[ ١٥١ ]
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[سورة المعارج، الآية: ٤٠] والمشرقان مشرقا الشّتاء والصّيف، وكذلك المغربان مغرباهما، والمشارق مشارق الأيام، وهي جميعا بين المشرقين، وكذلك المغارب هي مغارب الأيّام وهي بين المغربين، فمشرق الصّيف مطلع الشّمس في أطول يوم من السّنة.
قال أبو حنيفة: وذلك قريب من مطلع السّماك الرّامح، بل مطلع السّماك الرّامح أشدّ ارتفاعا في الشّمال منه قليلا. وكذلك مغرب الصّيف هو على نحو ذلك من مغرب السّماك الرّامح، ومشرق الشّتاء مطلع الشّمس في أقصر يوم من السّنة، وهو قريب من مطلع قلب العقرب، بل هو أشدّ انحدارا في الجنوب من مطلع قلب العقرب قليلا، وكذلك مغرب الشّتاء على نحو ذلك من مغرب قلب العقرب. فمشارق الأيّام ومغاربها في جميع السّنة بين هذين المشرقين والمغربين.
فإذا طلعت الشّمس من أخفض مطالعها في أقصر يوم من السّنة لم تزل بعد ذلك ترتفع في المطالع، فتطلع كلّ يوم من مطلع فوق مطلعها بالأمس، طالبة مشرق الصّيف فلا تزال على ذلك حتى تتوسّط المشرقين، وذلك عند استواء اللّيل والنّهار في الرّبيع، فذلك مشرق الاستواء، وهو قريب من مطلع السّماك الأعزل، بل هو أميل منه قليلا إلى مشرق الصّيف من مطلع السمّاك الأعزل.
ثم تستمرّ على حالها من الارتفاع في المطالع إلى أن تبلغ مشرق الصّيف الذي هو منتهاه، فإذا بلغته كرّت راجعة في المطالع منحازة نحو مشرق الاستواء، حتّى إذا بلغته استوى اللّيل والنّهار في الخريف، ثم استمرّت منحدرة حتى تبلغ منتهى مشارق الشّتاء الذي هو منتهاه. فهذا دأبّها، وكذلك شأنها في المغارب على قياس ما بيّناه في المطالع.
فأمّا القمر فإنّه يتجاوز في مشرقيه ومغربيه مشرقي الشّمس ومغربيها، فيخرج عنهما في الجنوب والشّمال قليلا، فمشرقاه ومغرباه أوسع من مشرقي الشّمس ومغربيها، وإذا أهلّ الهلال في منزلة من المنازل أهلّ في الشّهر الثّاني في المنزلة الثّالثة، ثم لا يزال بعد مهلّه ينقل كلّ ليلة إلى منزلة، حتّى يستوفي منازله في ثمان وعشرين ليلة ثم يستسر، فلا يرى حتى يهلّ.
فربما كان حلوله المنازل بالمقارنة لها إمّا بالمجامعة، وإمّا بالمحاذاة من فوقها أو أسفل منها، وذلك المكالحة، يقال: كالح القمر وربّما قصر واقتحم فنزل بالفرج والفرجة ما بين المنزلين، ويقال له الوصل أيضا، وهو يغيب في ليلة مهلّه في أدنى مفارقته الشّمس لستّة أسباع تمضي من اللّيل.
ثم يتأخّر غروبه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع حتّى يكون غروبه في اللّيلة السّابعة نصف
[ ١٥٢ ]
اللّيل، وفي ليلة أربع عشرة مع طلوع الشّمس، ويكون طلوعه فيها مع غروب الشّمس، وقد يتقدم ذلك أحيانا ويتأخّر على قدر تمام الشّهر ونقصانه ثم يتأخّر طلوعه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع ساعة، حتّى يكون طلوعه ليلة إحدى وعشرين نصف اللّيل، ويكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة.
قال أبو حنيفة: وكلّ هذا تقدير على مقارنة، ولا يكون أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس وبالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد ولا يمكن ذلك، ولكن يمكن ذلك في يومين، فأما في ثلاثة فلا شك فيه، فإذا كان ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة وإذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
[ ١٥٣ ]