ومنازل القمر، مقسمة الفصول على السنة، وأعداد كواكبها وتصوير مأخذها ضارة ونافعة اعلم أنا نذكر من أمر الأنواء ومذهب جهّال العرب فيها، ومن صفة المنازل والبروج ما يحتاج إليه هذا الكتاب، والدّاعي إليه أنهم كانوا ينسبون الأوقات إليها كثيرا، وكذلك ما نذكره من أحوال الشّمس والقمر، وكان في العرب من يسرف في الإيمان بها ونسبة الحوادث إليها، حتى أوهم كلامهم وإفراطهم أنّ السّقيا وجميع ما يحمد منها، أو يذم إلى جميع ما ينقل فيه الأيام من خير وشر، ونفع وضر، وكلّ ذلك من الأنواء وبها. وهذا كإضافتهم إلى الكواكب أفعال صانعها، وتطابقهم في التّيمن والتشاؤم بها، لذلك قال رسول الله ﷺ: «من آمن بشيء من ذلك فقد كفر بما أنزل عليّ» .
وقد مرّ فيما تقدّم من الكتاب فصل كثير بيّن فيه فساد طريقتهم، وأنّ من عدل عنها وجعلها آيات يقيمها الله تعالى، تنبيها على حكمته فيها، ليعتبر المعتبرون بها ويشكروا نعمه فيها، فقد برئت من الذّم ساحته، وتباعد عن الإثم منهجه، على مثل ذلك يحمد قول عمر بن الخطاب حين خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر ولم يزد على الاستغفار، ثم نزل فقيل: إنّك لم تستسق، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء. قال أبو عمر والمجاديح وأحدها مجدح، وهو نجم من النّجوم كانت العرب تقول: إنّه يمطر به لقولهم في الأنواء.
قال أبو عبيد فسألت عنه الأصمعي، فلم يقل فيه شيئا وكره أن يتأوّل على عمر مذهب الأنواء، وقال الأموي: يقال فيه أيضا: المجدح بالضّم وأنشد فيه قوله شعرا:
وأطعن بالقوم شطر الملو ك حتّى إذا خفق المجدح
قال أبو عبيد: والذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء يتأوّل قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا
[سورة نوح، الآية
[ ١٣٢ ]
: ١٠- ١١] وإنما نرى أنّ عمر تكلّم بهذا على أنها كلمة جارية على ألسنة العرب ليس على تحقيق الأنواء، ولا التّصديق بها، وهذا شبيه بقول ابن عباس في رجل جعل أمر امرأته بيدها، فطلّقته ثلاثا، فقال خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها ثلاثا. ليس هذا منه دعاء عليها أن لا تمطر، إنّما هو على الكلام المنقول. ومما بيّن لك أنّ عمر أراد إبطال الأنواء والتكذيب بها بقوله: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها الغيث. فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء، وهذا القدر إذا ضمّ إليه ما تقدم في فصل يشتمل على تأويل الأخبار المروّية عن رسول الله ﷺ وبيان معتقدات العرب في الأنواء والبوارح، أغنى وكفى في عذر من يعذر، وذمّ من يذم منهم والسّلام.
قال أبو حنيفة يقال: ناء الكوكب ينوء نوأ ونوء، أول سقوط يدركه في الأفق بالغداة قبل انمحاق الكواكب بضوء الصّبح.
والكوكب إذا وافاه الصّبح وهو مرتفع عن أفق المغرب لا يزال الصّبح يوافيه كلّ غداة، وهو إلى الأفق أقرب، حتى يوافق موافاته الأفق انمحاق الكوكب لضوء الصّبح، ثم يكون سقوطه بعد ذلك، والكواكب ظاهرة فلا يزال سقوطه يتأخر كلّ ليلة إلى أن يكون في أول اللّيل، فتراه على الأفق غاربا مع ظهوره للأبصار، ثم يستسر فلا يرى مقدارا من الليالي ثم يكون أوّل رؤيته غامضا في ضياء الصّبح حين يبدو للأبصار. فالواجب أن يغرق ما بين الغروب الذي هو أوّل وبين الغروب الذي له النوء لأنّ الذي له النوء سقوط النجم بالغداة في المغرب بعد الفجر وقبل طلوع الشّمس وطلوع رقيبه في المشرق في ذلك الوقت، ولا يكون هذا إلا في غداة واحدة من السّنة للكوكب الواحد.
وأما السّقوط الذي هو أفول واستسرار، فإنّه يكون من أول الليل وذلك أنّ هذا النّجم السّاقط بالغداة في أفق السّماء يرى بعد اليوم الذي يسقط فيه متأخّر السّقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله ولا يزال يتأخّر في كل يوم حتى يكون سقوطه في اللّيل، ثم يتأخّر في اللّيل إلى أن يسقط في أوّل اللّيل في المغرب، ثم يستسر بعد ذلك فلا يرى ليالي كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا في المشرق خفيا، فهذا سقوط الأفول، وقد أحسن الشّاعر في تحديد ذلك حين قال شعرا:
وأبصر النّاظر الشّعرى مبيّنة لمّا دنا من صلوة الصّبح ينصرف
في حمرة لا بياض الصّبح أغرقها وقد علا اللّيل عنها فهو منكشف
تهلهل اللّيل لم يلحق بظلمته قوت النّهار قليلا فهي تزدلف
لا يبأس اللّيل منها حين تتبعه ولا النّهار بها لللّيل يعترف
[ ١٣٣ ]
فهذا وقت الطّلوع والسّقوط ومعنى قوله: تهلهل اللّيل أي تصير في مشرقه حيث امتزج سواده بياض الصّبح فهي فوت النّهار، لأنّه لم يطمسها بضوئه، ولم يلحق بظلمة اللّيل الخالصة، فهي بينهما، واللّيل لا يبأس منها، لأنّها في بقية منه، ولا النّهار يسلمها للّيل لأنّها في ابتداء منه، ومراد الشّاعر بهذا الوصف أنّ الأمر الذي وقته كان في حمارّة القيظ، لأن الشّعرى تطلع بالغداة في معمعان الحر.
قال الشيخ: أظنّ هذا الشّاعر سلك في تحديده للاستسرار طريقة زهير حين قال يصف شاهينا وحمامة شعرا:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهما فيما تراه فلا فوت ولا درك
فقوله: لا فوت ولا درك، كقول ذاك لا يبأس اللّيل منها، ولا النّهار يعترف اللّيل بها، قال: وقال الكميت في تحديد وقت الطلوع شعرا:
حتّى إذا لهبان الصّيف هبّ له وأفغر الكالئين النّجم أو كربوا
وساقت الشّعريان الفجر بعضهما فيه وبعضهما باللّيل محتجب
فجعل طلوعها بين اللّيل والنّهار كما جعله الأوّل. ومعنى أفغر النّجم: يريد إذا صارت الثّريا في وسط السّماء، فمن نظر إليها فغر فاه، أي فتحه، ومعنى كربوا: قربوا وطعن قوم على الكميت في هذا البيت، وحسبوا أنه أراد أن إحداهما طلعت قبل الفجر، فهي في اللّيل، وأنّ الأخرى طلعت مع الفجر، فهي فيه، فقالوا: لا يجوز ذلك إلا في ثلاثة فصاعدا، قال أبو حنيفة: والذي قالوا كما قالوا، غير أنّهم ذهبوا إلى غير مذهب الكميت، ولو أراد الكميت ما توهّموا لكان قد أخطأ في المعنى أيضا مثل ما أخطأ في اللّفظ، وذلك أنّه قال: وساقت الشّعريان الفجر.
فاعلم أنّ الفجر طلع قبلهما، فكيف يعود فيجعل إحداهما طالعة قبله، هذا بتعجيل، وبعد فإنّ الشّعريين تطلعان معا. وإنّما أراد أنّ بعضهما كلتيهما في اللّيل وبعضهما كلتيهما في النّهار، إذا كانتا بين اللّيل والنّهار، قال الشيخ الأكشف في بصرة الكميت أن يقال أراد أنّ بعضيهما في اللّيل وبعضيهما في النّهار، فيخرج البعض بالثنية من أن يكون بمعنى أحد، ويستفاد منها أنّ الشّعريين تطلعان معا، وأنّ القصد في ذكرهما للتّحديد، إلى أن تكونا بين اللّيل والنّهار، ومع ذلك فقد ضيق على نفسه تضييقا شديدا، فأفرط في التّحديد إفراطا بعيدا، فإذا سمعتهم ينسبون إلى الطّلوع والسّقوط مرسلا غير مضاف إلى وقت، فاعلم أنّهم إنّما يريدون الطلوع والسّقوط للّذين يكونان بالغداة، وذلك مثل قولهم إذا طلعت العقرب:
[ ١٣٤ ]
حمس المذنب، ومثل قولهم إذا طلعت الشّعرى: جعل صاحب النّخل يرى، ومثل قول الشاعر شعرا:
فلّما مضى نوء الثّريا وأخلفت هواد من الجوزاء وانغمس الغضر
ومثل قوله:
هنا ناهم حتّى أعان عليهم عزالى السّحاب في اغتماسه كوكب
فهذه السّقوط وما أشبهه هو بالغداة، وإذا ذكر ذلك من نجوم الأخذ خاصة فهو النوء، ألا ترى أنّهم لمّا أرادوا الطّلوع بالغداة قالوا: إذا طلع النّجم فالحرّ في خدم، فجاء مرسلا غير مضاف. ولما أرادوا طلوعه لغير الغداة قالوا: إذا طلع النّجم عشاء ابتغى الرّاعي كساء، فجاء مضافا إلى الوقت. وأما قول القائل: حين البارحة حين غاب النّجم وذهبن ليلة كذا، حين طلع السّماك فإنّما المراد بذلك، وقت المجيء والذّهاب من تلك اللّيلة بعينها، وليس من الأوّل في شيء، ومنه قول الشاعر شعرا:
حتى إذا خفق السّماك وأسحرا ونبا لها في الشّدّ أيّ نبال
ومثل قول الآخر:
فعرسن والشّعرى تغور كأنّها شهاب غضا يرمى به الرّجوان
وإذا جاء ذكر المغيب مرسلا، فالمراد حينئذ الغيبوبة التي هي ابتداء الاستسرار وذلك قولهم: غرب الثّريا أعوه من شرفها، وكقولهم: مطر الثّريا صيف كلّه وهذا الغرب غير السّقوط الذي هو النوء، ومطر نوء الثّريّا وسمي ومن هذا الجنس قول الشاعر:
فيمّمت سيرا سريع الرّجا ء مائل من راجل يركب
مغيب سهيل صدور الرّكا ب سيرا يشقّ على المعتب
فهذا كلّه غيبوبة الاستسرار، ولا يكون إلا بالعشيّات على أثر مغيب الشّمس ثم لا تراه بعد ذلك حتى يتمّ استسراره، ثم يكون أوّل ظهوره بالغدوات وقد اختلف النّاس في معنى النّوء: فبعضهم يجعله النّهوض، قال: لأنه سمى نوى الطّلوع الرّقيب لا لسقوط السّاقط، وهذا ليس بمنكر في اللّغة، لأنّ هذه اللّفظة تعدّ في الأضداد، قال أبو حنيفة: هو النّهوض، ولكنّه نهوض الذي كأنه يميله شيء فيجد به إلى أسفل، وزعم الفراء أنّ النوء السّقوط والميلان، وأنّ أبا ثروان أنشده في صفة راع نزع في قوس:
حتّى إذا ما التأمت مفاصله وناء في شقّ الشّمال كاهله
قال: يريد أنه لما نزع مال إليها، وقوله: التأمت مفاصله فإنّه يعني أنّه لزم بعضه بعضا
[ ١٣٥ ]
لشدّة النّزع. قال: ونرى أنّ قول العرب ما ساءك وناءك من هذا، ومعناه أناءك فألقى الألف للاتباع كقولهم: هنّأني الطّعام ومرّأني، وكان ينبغي أن يكون أمرأني.
قال أبو حنيفة: فأمّا من ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء ثم يسقط، وإذا سقط فقد تقضى نوؤه، ودخل نوء الكوكب الذي بعده، فتأويله أنّ الكوكب إذا سقط النّجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، وكان أشبه شيء حالا بحال النّاهض ولا نهوض به، حتّى يسقط، لأنّ الفلك يجرّه الغور، فكأنّه متحامل عليه، يعني قد غلبه. ويجمع النوء أنواء ونوانا. قال حسّان بن ثابت ﵁ شعرا:
ويثرب تعلم أنّابها إذا قحط القطر نواتها
وقال بعضهم: الحق في ذلك مذهب الخليل الذي حكاه عنه مورج، وهو أنّ النّوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النّجم، لأنّ المطر نهض مع سقوط الكوكب، واسم الكوكب السّاقط النّوء أيضا، فالشيء إذا مال في السّقوط يقال: ناء، وإذا نهض في تناقل يقال ناء به، قال ذو الرمة في وصف الرياك:
ينون ولم يكسين إلا قنازعا من الرّيش تنواء الفصال الهزائل
وينوء الحمل الثّقيل إذا مال بالبعير، ويقال: المرأة تنوء بها عجيزتها، قال الشاعر:
لها حضور وأعجاز تنوء بها إذا تقوم يكاد الخصر ينخزل
وفي القرآن: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
[سورة القصص، الآية: ٧٦] .