قال الأصمعيّ: للعرب ظعنان: أحدهما ظعن للتّبدي وذلك إذا أخرفوا وميقاته ما بين طلوع سهيل إلى سقوط الفرغ المؤخّر، فإذا أخرفوا تصدّعوا عن المحاضر ولقسمتهم المناجع، وحجروا الأعداد، واستبدلوا بها الأوراد، فظعنوا عن دار المقيظ.
والظّعن الآخر: يكون عند انصرام الرّطب وهيج الأرض ونضوب الماء، وهجوم الصّيف كما قال: (حتى إذا العود اشتهى الصّبوحا) يعني شدّة الحر، والعود أصبر على العطش من غيره، فإذا اشتهى الماء في أول النّهار فهو أشدّ الحر، وقد كثر متصرّفاتهم في وصف المحلين، والتّردّد في الرّحلتين، ومفارقة الحضارة، ومراجعة البداوة. وذلك أنّهم يقيمون على مياههم ما أقامت وقدات الحر، وعزات القيظ، فإذا سكنت نائرتها وأذنت بتولّيها، فباخت سورتها وأمكن مدّ إظمائها، وأقبلت الأرض تربل، والعضاه تتروّج ابتدؤوا يبدون.
وقد أخبر بعضهم عن ذلك قال:
قد تشكّى النّساء وأظلم الأمعو ذ واخضرّ جيب أمر قسيم
أي اتّخذن الشّكاكين، وأظلم أراد أنّ الظّباء سمنت وأشرت، فهي تتناطح، وأمر قسيم: إذا خرجت زهرتها من النّبات فمن متبطّئ ومتعجّل، وذلك على حسب مساعدة الأحوال ومداورة الأزمان لأنّها كما تستنهض تستوقف، وعلى ما تقدم قد تؤخر، فبكاؤهم للظّاعنين وجزعهم في أثر المفارقين، وحنينهم على الخلطاء، والمجاورين للعارض المغير، كما أنّ مداناة المزالف ومراجعة المالف والمخالف لحادث آخر مبدّل، فتارة يبنون عرش الشّجر وهو الخيام مظللة بالثّمام وتارة يسكنون بيوت الصّوف والوبر منصبة بالعمد والحبال.
فمن ذلك قول ذي الرّمة شعرا:
[ ٣٥٥ ]
ألا حيّ المنازل بالسّلام على نحل المنازل بالكلام
لمية بالغا درجت عليها رياح الصّيف من عام فعام
سحبن ذيولهّن بها فأضحت مصرعة بها دعم الخيام
أقمن على بوارح كلّ نجم وطيّرت العواصف بالتّمام
قال ذلك لأنّهم إذا ظعنوا عن المحاضر تركوا الخيام على حالها أو نزعوها ونضدوها استعدادا للعودة، فتزعزعها الرياح إذا تقادم العهد بها. ومن ذلك قول امرئ القيس:
أمرخ خيامهم أم عشر؟ أم القلب في إثرهم منحدر؟
قصده أن يعلم بأي الماء نزلوا خيامهم من شجرها والمعنى أنجدوا أم غاروا أم اتهموا فأحدر القلب بانحدارهم، وهذا كما قال: ففرعنا ومال بها قضيب. لأنّ قضيبا من تهامة، وكما قال الآخر: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح.
وقال ابن الأعرابي: الحنتمة ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام يستظل بها في الحر، والمظلة لا يكون إلا من النّبات، وتكون كبيرة، ويكون لها رواق وربما كانت شقّة أو شقّتين أو ثلاثا. وربما كان لها كفا وهو مؤخّرها. قال: والخباء من شعر أو صوف، والقبّة: تكون من أدم. وكذلك الطّراف، وقال: المظلّة بفتح الميم لا غير. قال زهير:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
جعلن القنان عن يمين وحزنه وكم بالقنان من محلّ ومحرم
فلمّا وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصيّ الحاضر المتخيمّ
فهذا الظّعن للبداوة فأمّا قول طفيل شعرا:
على اثر حيّ لا يرى النّجم طالعا من اللّيل إلّا وهو قفر منازله
فإنّ من تبدّى أوان التّبديّ من الخريف لم ير الثّريا طالعة أوّل اللّيل إلّا وهو نازل بالقفر لأنّ أوّل طلوع الثّريا عشاء هو لطلوع السّماك الأعزل بالغداة وسقوط الرّشاء، وذلك في الوسمي وبعد طلوع سهيل. وأمّا قول ذي الرّمة:
إذا عارض الشعرى سهيل بجهمة وجوزاؤها استغنين عن كلّ منهل
فهو يصف إبلا واستوثق لها، لأنّ سهيلا إذا طلع بقية من اللّيل وهي الجهمة، فذاك قبل الوسمي، ودبر القيظ، والزّمان زمان ندى، وروح وطل وغيث. وقد قال ساجعهم: إذا طلعت الصّرفة أميز عن الماء زلفة، لأنّها إذا طلعت ناء الفرع المقدم وهو آخر أنواء الخريف، وفي اثره الفرع المؤخّر وهو أوّل أنواء الوسمي فلا يزالون يتبعون مواقع الغيث
[ ٣٥٦ ]
ويتحوّلون في معاشيب الأرض ويشربون ماء السّماء ويجتزون بالرّطب، عن الورد وهم في سلوة من العيش، ورغد من الخفض يرمي النّوى بهم المرامي، فمن شعب يلتئم إلى شعب، ومن جمع يلتئم مع جمع ومزار تقرّب بعد بعد، ومطاف يسهل عقيب وعر، ومواعيد بين الأحبّة أنجزت وعقود من حبال جوار ووصال أوثقت حتّى إذا تحرّك الهيف وهو أوّل الحر ومبدؤ البوارح، بدّلت الأرض والدّهر ذو تبدّل، فمن بقل ذابل وماء غايض ونهي ناضب، وصيف صائف، وهيج يشتد وورد يمتد، وكبد من الماء تحر، وصبر على بلواه ينفد ويقلّ، حينئذ ترى ذا الرّاحة يتعب، والمتأخّر يلحق، متصدّعين عن مباديهم، سعيا ومفترقين عن مقارّهم شفقا فكم قلب لفراق الأحبّة جزع، ودمع لوداعهم همع، وأنس لبيتهم يقطع، ووجد ببعدهم تجدّد. وكلّ هذا أتت به الأشعار وترادفت بأمثالها الأخبار، فمن ذلك قول جرير يذكر سائرة ضمّتها إليهم النّجعة ثم تفرّقوا فأسف لفراقهم. قال شعرا:
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيله إلينا نوى ظمياء حيّيت واديا
فقد خفت ألّا تجمع الدّار بيننا ولا الدّهر إلا أن نجدّ الأمانيا
وقولا لواديها الّذي نزلت به أوادي ذي القيصوم أمرعت واديا
وقال ذو الرّمة:
حتّى إذا ما استقلّ النّجم في غلس وأحصد البقل أو ملو ومحصود
ظللت تخفق أحشائي على كبدي كأنّني من حذار البين مورود
من ورد الحمى، وقال الجعدي يذكر امرأة جاورتهم في مرتع شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع وجارها أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
فلمّا انتهى في المرابيع أزمعت حفوفا وأولاد المصانيف رشّح
وحبّ السّفا واعترّها القيظ بعدما طباهنّ روض من زبالة أفيح
وحاربت الهيف الشّمال وآذنت مذانب منها اللّدن والمتصوّح
وقمن يزورن الهوادج بعدما مضى بين أيديها نعام مسرّح
يريد بأخي السّلوة: الندى لأنّهم في سلوة ورخاء ما أقام لهم، وهو الأملح لبياضه.
وقوله: مسى به اللّيل: لأنّ النّدى باللّيل يسقط. وقوله في المرابيع: يريد سمنها.
والمرابيع: جمع المرباع وهي التي من عادتها أن تنتج في أوّل النتاج. والمصانيف: التي تنتج في آخر النّتاج. والرّشح: جمع راشح وهي التي تمسكها أمّها لئلا تسقط وهو التّرشح.
ويقول الرّجل لصاحبه: لقيت فلانا يرشح ولد ناقته إذا فعل بها. وقوله: وحاربت الهيف الشّمال. لأن الشّمال والصّبا ريحا البرد. والجنوب والدّبور ريحا الحرّ. والمتصوّح: اليابس المتشقّق، قال ذو الرّمة:
[ ٣٥٧ ]
وصوّح البقل ناج تجيء به هيف يمانية في مرّها نكب
فجعلها النّكباء التي تلي الجنوب. وقال الكعبي المنقري:
تمرع إذ تسعى بها ذو إيالة من الحرّ ما كانت مذانبه خضرا
يصف راعيا تمرع طلب مريع الكلأ. تسعى بها: تتمادى في الطّلب. ذو إيالة: حاذقا بمعالجة الإبل والقيام عليها. والمذانب: المشارب وذلك أنّ الثّريا إذا طلعت سحرا تحوّل جميع أهل المراتع إلى المحاضر ليبس الكلاء، ونضوب الماء، وذهاب الجز، فلا يبقى في المراتع إلّا من يتولّى رعيه الإبل بنفسه، ويتشيّع سرار الغيطان، وبطون الأودية. والعلان:
التي فيها بقايا الرّطب، ولا يكون ذلك التّخلف إلّا شهرا وبعض آخر، وهو من وقت طلوع الشّرطين، لستّ عشرة ليلة نحو من نيسان إلى وقت طلوع الثّريا يخلو من أيار إلى طلوع الدّبران وهو لليلة من حزيران وأنشد:
أقمن شهرا بعد ما تصيّفا حتّى إذا ما طرد الصّيف السّفا
قرين بزلا ودليلا محشفا وبدّلت والدّهر ذو تبدّل
هيفا دبورا بالصّبا والشّمال
فلم تزل الشّمال عالية زمان العشب ووقت الحركة، حافظة لبلولة النّبات لروحها حتى إذا انقضت أيامه، ودخل الصّيف ذهب سلطانها وهبت الجنوب فدافعتها.
وإنّما سمّي الهيف لحرّها ويبسها، ولذلك قيل للسّريع العطش: المهياف ورجل هاف، وامرأة هافة، وقد هاف الرّجل إذا عطش.
وقال الكلابي: الهيف أوّل السّموم وقد يجعل كلّ ريح هبت بحرّ هيفا وإن كانت الشّهرة في ذلك للجنوب والدّبور. والنّكباء التي بينهما. هذه أغلب الرّياح على الهيف وقال ذو الرّمة يصف عيشا ونساء انتجعنه شعرا:
ألقى عصى النّوى عنهنّ ذو زهر وحفّ على ألسن الرّواد محمود
حتّى إذا وجفت بهمى لوى لبن واصفرّ بعد سواد الخضرة العود
وغادر الفرخ في المثوى تريكته وكان من حاضر الرّجلين تصعيد
ظللت تخفق أحشائي على كبدي كأنّني من حذار البين مورود
قوله: ذو زهر يريد بها نباتا ثم واكتهل فظهرت زهرية يريد استغنى به عن انتجاع.
وقوله: وحفت: أي يبست فطيرته الرّيح، وقوله: غادر الفرخ تريكته أي بيضته التي خرج منها، وهذا باب واسع. فأمّا قول الآخر:
[ ٣٥٨ ]
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
فإنما تبجّح بحسن صبره في دار المحافظة على العزّ والمنع عن الحريم، إلّا أنه عد الظّعن عيبا يدل على ذلك قوله من بعد:
يسيل تغر لا يسرح أهله اسقم يشار لقاؤه بالإصبع
وأنشد الأصمعيّ:
إذا الجوزاء أردفت الثّريّا ظننت بآل فاطمة الظّنونا
وهذا يحتمل وجهين: يجوز أن يكون جمعهما المربع، وكان ساكن النّفس لاستمتاعه بها وامتداد الوصال معها، حتى إذا رأى الجوزاء طالعة علم أنّها تظعن وينقطع ما بينهما، فترجع إلى بعض محاضرها، لأنّ ذلك وقت الانصراف عن البدو، فلذلك ظنّ الظّنون السّيئة لا سيما وقد كان أبهم عليه منصرفها.
وأما أن يكون مبدؤه كان مخالفا لمبدئها، فهو لا يدري مقرّها، لأنّهم ما داموا منتجعين فدارهم حيث يصادفون الكلأ والماء فلمّا طلعت الجوزاء علم أنه لا بدّ لها من الحضور، وقد عرف لها محاضر شتّى، فالظّنون تردّده بينهما وتخالجه فلا يتملّك متيقنا.
قال أبو ليلى: يفارق القمر الثّريا في زمن الوسمي كله، وهو شهران، وشهر من الدفيء ثم تأفل الثّريا أربعين ليلة شهرا من الدفيء وعشر ليال من الصّيف. ثم تطلع صلوة الغداة إلى أن تأفل ثانية من العام المقبل.
قال أبو حنيفة: وربّما اعتاد الحيان مبدأ بعينه، فلا يزال الرّبيع يجمعهما فيه ثم يصرفهما الصّيف ولذلك قال ذو الرمة شعرا:
إذا الصّيف قد أجلى نساء من النّوى أملت اجتماع الحيّ في عام قابل
وقال أيضا وهو يصف نساء أخرن الظّعن عن مرتعهنّ حتى تصيفن:
تصيّفن حتّى اصفرّ أقواع مطرق وهاجت لأعداد المياه الأباعر
ولم يبق أنواء الثماني بقية من الرّطب إلا بطن واد وحاجر
فلما رأين الصّنع أسعى وأخلقت من العقربيات الهيوج الأواخر
جذبن الهوى من سقط حوضي بسدفه على أمر ظعان دعته المحاضر
نسب بوارح هذا الزمان إلى سقوط رقيب الهقعة، لذلك قال: الهيوج الأواخر وقد أكثر الشّعراء في إشراط هذه الأوقات التي حدّدناها بما ذكرنا من أوصافها وبيّنا كثيرا من أحوال الحاضرين والبادين فيها وفي القدر الذي أوردناه كفاية.
[ ٣٥٩ ]