حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سألت أعرابيّا فصيحا فقلت: ما الأشهر الحرم؟
فقال: ثلاثة سرد، واحد فرد. قال ثعلب: فالسّرد المتتابعة وهو ذو القعدة- وذو الحجة- والمحرّم- والفرد: رجب. وهذا قول ابن عباس ويكون من سنتين، وقال غير ابن عباس:
هي من سنة واحدة فعددها المحرّم وهو أوّلها- والثّاني: رجب- والثّالث: ذو القعدة- والرّابع: ذو الحجّة. واحتج هذا بأنه قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] يعني من الاثني عشر، فجعلها من سنة واحدة.
قال ثعلب: والاختيار عندي قول ابن عبّاس وهو كلام العرب، وإن كان لفظها من سنتين فهي تعود إلى الاثني عشر إلى سنة واحدة، وروي عن النبي ﷺ: «دخلت العمرة في الحج» أي في أشهر الحج ولم تكن العرب تعرف العمرة في أشهر الحج، بل كانت العمرة فيها عندهم من أفجر الفجور، وكانوا يقولون: إذا انسلخ صفر، ونبت الوبر، وعفا الأثر، وبرأ الدّبر، حلّت العمرة لمن اعتمر. فلّما اعتمر رسول الله ﷺ في أشهر الحج دخلت العمرة في الحج، أي في أشهرها، وروى سفيان بن عيينة أنّ رسول الله ﷺ كتب لآل حزم: «إنّ العمرة الحج الأصغر»، فدلّ كلامه على أن ثمّ أكبر.
وروي عن عطاء أنه قال: من اعتمر ثم مات ولم يحج أجزأت عنه حجة الإسلام، يذهب إلى قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[سورة آل عمران، الآية: ٩٧] وروي عن عليّ كرّم الله وجهه: الحجّ الأكبر يوم النّحر، محتجّا بقوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: ٢] وهي عشرون من ذي الحجّة- والمحرّم- وصفر- وشهر ربيع الأوّل- وعشر من ربيع الآخر- قال: فلو كان يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوما، وكان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، وكان رسول الله ﷺ، خرج مهلّا بالحج ويقول
[ ١٦٥ ]
بعضهم: خرج لعمرة، وقال بعضهم؛ خرج قارنا وإنما خرج ينتظر أمر الله، وعلم الله أنّها حجة لا يحج بعدها فجمع ذلك كلّه له في شهر واحد، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته، فلمّا طاف بالبيت ثم رأى أن يجعلها عمرة، وحبس من كان معه على هدي، لقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٦] فجمعت له العمرة والحج.
وقد قال قوم: إنّ الأربعة الحرم هي التي أجّلها رسول الله ﷺ للمشركين فقال:
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: ٢] وهي شوّال- وذو القعدة- وذو الحجّة- والمحرّم. ثم قال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[سورة التوبة، الآية: ٥] وقال: إنّ الأربعة التي جعلت حلّا من عشر ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر، وجعلها حرما، كما قال: مكّة حرم إبراهيم، والمدينة حرمي. وروي أيضا أنه حرم ما بين لابتي المدينة يعني حرّتيها، وفي آخر حرم ما بين عير إلى ور وهما جبلان. فأما قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٧] فإنه يريد أوقات الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر. وهذا خطاب يدلّ على معرفة العرب بشهور معلومة كانوا فيها يحجّون، فأقرّ الله أمرها في الإسلام على ما كانت عليه ودعا إلى إقامة الحجّ فيها.
واعلم أنها أوقات الحجّ دون غيرها، وأنّ من فرض على نفسه فيها الحجّ فمن السنة أن يترك الرّفث والفسوق والجدال، ومعنى فرض الرّجل على نفسه الحج إهلاله به، والإهلال التّلبية، وأصله رفع الصوت. وروي عن الشّعبي وابن عمر أنّها شوّال- وذو القعدة- وذو الحجة- وقال بعضهم: له من ذي الحجّة عشر ليال، فكأنّه جعل الشّهرين وبعض الثّالث أشهرا، وهذا في القياس قريب لأنّه كما جاز أن يسمى الشّهر ذا الحجّة، وإن كانت الحجّة في بعض أيّامه، كذلك يجوز أن يسمّى شهر الحجّ، وإن لم يكن جميع أيّامه مصروفا إليه.
وحكي عن ابن عبّاس أنه قال: الأيام المعدودات أيام التّشريق، والأيّام المعلومات الأيام العشرة من أوّل ذي الحجّة. وقال عطاء: الأيام المعدودات أيام منى ويوم التّروية، سمّي بذلك لأنّهم كانوا يتروّون من الماء، ويتزوّدونه معهم، ويوم عرفة لا يدخله الألف واللام، وإنّما سمّي عرفة وعرفات، لأنّ من حضرها كانوا يتعارفون بها. وقال بعضهم: بل لأنّ جبرائيل ﵇ طاف بإبراهيم صلوات الله عليه يديره على المشاهد، ويوقفه عليها، ويقول له: حالا بعد حال عرفت عرفت، والعروف الحدود، والواحد عرفة. وقيل: سمّيت عرفة بذلك كأنّه عرف حدّه لتميزه عن غيره من الأرضين، ولكونه معرفة امتنع من دخول الألف واللّام عليه. وحكي؛ طار القطا عرفا عرفا، بعضها خلف بعض.
وأمّا الأعراف: فكل موضع مرتفع عند العرب ومنه قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ
[ ١٦٦ ]
رِجالٌ
[سورة الأعراف، الآية: ٤٦]، ولا يمتنع أن يكون عرفة وعرفات مشتقا من جميع ذلك والتّعريف: الوقوف بعرفات، وتعظيم يوم عرفة إن نصب الضالة فتنادي عليه وإن سمّيت رجلا بعرفات صرفته، ولم يكن التاء فيه كالتاء من عرفة لو سمّيت بها، وذلك أنّ التاء من عرفات بإزاء النّون في المسلمين، إذ كان هذا الجمع من المؤنث بإزاء جمع المذكّر الصّحيح، ولذلك لمّا كان ذاك في موضع النّصب والجر بالياء، جعل هذا في موضع النّصب والجر بالكسرة، لأنّ الكسرة أخت الياء، فلمّا كان الأمر على ذلك لم يكن كالتّاء التي يبدل منها في الوقف هاء كالتي في طلحة وعزّة، وكان يمتنع الصّرف في المعرفة. وفي القرآن:
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٨] فصرفه وإن كان معرفة.
ومشاعر الحجّ واحدها مشعر وهو في موضع المنسك، وكذلك الشّعيرة من شعائر الحجّ، وهي علاماته وأفعاله المختصة به، كالسّعي والطّواف والحلق والذّبح، وكلّ ذلك يجوز أن يكون من شعرت، وليت شعري، فيرجع إلى العلم كما أنّ عرفة وعرفات في تصاريفه يرجع إلى المعرفة، وفي القرآن: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[سورة الحج، الآية: ٣٦] وقال الخليل: يقال: أشعرت هذه البدنة لله نسكا أي: جعلتها شعيرة تهدى، قال: وقال بعضهم: إشعارها أن يوجأ سنامها بسكّين فيسيل الدّم على جنبها فيعلم أنّها هدي. أو يعلّم بعلامة تشدّ في سنامها. وكره قوم من الفقهاء تدميتها، وقالوا: إذا قلّدت فقد أشعرت.
وقوله تعالى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[سورة التوبة، الآية: ٣] قيل: هو يوم النّحر، وقيل:
هو يوم عرفة وكانوا يسمّون العمرة: الحج الأصغر.
ويوم النّحر: سمّي به لأنّهم كانوا ينحرون البدن.
ويوم القر: بعده، وهو الذي يسميه العامة يوم الرّءوس، وسمّي بذلك لأنّ الناس يستقرون فيه بمنى لا يبرحونها.
ويوم النفر: سمّي به لأنّ النّاس ينفرون فيه متعجلين.
ويقال: عيد الفطر، وعيد الإفطار، وعيد الضّحى والعيد أصله من عاد يعود لعوده كلّ سنة، لكن واوه انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، ثم جعل البدل لازما حتى كأنّه اسم وضع لليوم، لا مناسبة بينه وبين المشتق منه، وهم يفعلون مثل هذا إذا أرادوا التّخصيص، لذلك قيل في تصغيره: عييد، وفي جمعه: أعياد ولم يجر مجرى قوله: ريح ورويحة وأرواح،
[ ١٦٧ ]
ومما يشبه هذا قوله: يا دارميّة بالعلياء فالسّند هو من العلو، فقلب الواو ياء، وقوله: فما أمّ خشف بالعلاية مشدن. مثله وليس قبل واحد منهما ما يوجب القلب، لكنهم يفعلون ذلك كثيرا في الأعلام وما يجري مجراها، وقد قالوا: الشكاية وحبيت الخراج حباوة ونحو منها، ما حكاه سيبويه من القواية قال عمرو بن براقة:
ومال بأصحاب الكرى عالياتها فإنّي على أمر القواية حازم
وهو فعالة من القوة، وأصلها قواوة وكأنّه كره اكتناف الواوين للألف.
والأضحى، إذا ذكّر: يراد به اليوم، وإذا أنّث أريد به السّاعة، والتأنيث أجود.
ويقال: دنت الأضحى، وقيل: سمّيت الأضحية لأنها تذبح ضحوة.
والفطر: من فطرت النّاقة إذا حلبتها فانفتحت رؤوس أخلافها لأنّ الأفواه تنفتح بالأكل والشّرب، ويقال: أضحاة وأضحى وضحية وضحايا والأضحى يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّر ذهب إلى اليوم، وأنشد الأصمعي:
رأيتكم بني الحدواء لمّا دنا الأضحى وصلّلت اللّحام
وأنشد الثوريّ في تأنيثه:
قد جاءت الأضحى ومالي فلس وقد خشيت أن تسيل النّفس
وقال هشام بن معاوية: حكى الأصمعيّ: أضحاة وسمّي الأضحى بجمع أضحاة فأنّث لهذا المعنى وجاء في الحديث: «على كلّ مسلم عتيرة وأضحاة» . وقال هشام: التأنيث في الأضحى أكثر من التّذكير، وجمع الأضحية أضاحي، وجمع الضّحية ضحايا.
وأيّام التّشريق سمّيت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق للشّمس، وقيل: بل سمّيت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وقال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأنّ الهدي لا ينحر حتى تشرق الشّمس.
وقال أحمد بن يحيى: أنا أذهب إلى أنّ الأيام المعلومات في الأيام المعدودات لأنه جاء في كتاب الله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[سورة الحج، الآية: ٢٨] فدلّ على أنّها أيام نحر.
ويوم عاشوراء في المحرّم، ويقول الفقهاء: يوم عاشوراء التّاسع من المحرم، وحكى بعضهم أنّه سئل النّضر بن شميل عن التّشريق، فقال: هو من قولهم أشرق ثبير: أي لتطلع الشّمس، وقيل: أيام التّشريق: لأنّهم يشرقون اللّحم، قال: فقلت له: إنّ وكيعا حدّثنا عن
[ ١٦٨ ]
شعبة عن سيار عن الشّعبي قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ذبح إلّا بعد التّشريق» فقال وكيع:
التّشريق الصلاة، قال: هذا حسن. قال النّضر: وقد جاء في الحديث: «لا جمعة ولا تشريق إلّا في مصر جامع»، والتّفسير موافق للحديث، فأما قول أبي ذؤيب بصفا المشرّق كلّ يوم يقرع. فقد حكى عن أبي عمرو الشّيباني أنّه أنشد بصفا المشقّر فأنكره، وقال: المشقّر حصن بالبحرين، والصّفا موضع، فما لأبي ذؤيب والبحرين، إنّما هو المشرّق، وكان ابن الأعرابي يرويه المشقّر، وحكي عن الأصمعي أنّه أنشد كلّ يوم، فقال الله أكرم من ذاك هو:
كلّ حين. ذهب الأصمعيّ إلى أنّ الحج يقال: كلّ سنة لا كلّ يوم، والحين يقع في كلامهم على المدة الطويلة والسّنين الكثيرة. وقال الأصمعي: المشرّق المصلّى، ومسجد الخيف هو المشرّق. وقال شعبة بن الحجّاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال: امض بنا إلى المشرّق يعني المصلّى. وقيل: يعني مسجد العيدين، وقال أبو عبيدة: المشرّق سوق الطائف، وقال الباهلي: جبل البرام.