قال الأصمعي أتيته ليلا وقعلته نهارا. قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
[سورة الصافات، الآية: ١٣٧] فقوله: باللّيل خلاف الإصباح. واعلم أنّ قوله:
وَبِاللَّيْلِ
موضعه نصب على الحال كأنه قال: تمرّون عليهم مصبحين ومظلمين أي داخلين في الظّلام، فأوقع اللّيل على الجزء الذي فيه الظّلام من اللّيل، وإن كان في الحقيقة للجنس. واليوم بإزاء اللّيلة يقال: جئتك اليوم وأجيئك اللّيلة ويقال: أتيته ظلاما أي ليلا ومع الظّلام. وقال يعقوب: الظّلام أول اللّيل وإن كان مقمرا. وحكى بعضهم أتيته ظلاما أي عند غيبوبة الشّمس إلى صلاة المغرب وهو دخول اللّيل، وهذا يؤيد ما حكاه يعقوب وكأنه جعله الوقت الذي من شأنه أن يظلم، ويقولون: عم ظلاما، كما يقولون: عم صباحا ويقال: نهار أنهر وليل أليل وليلة ليلاء وقال الفرزدق: واللّيل مختلط الغياطل أليل. وأنشد المفضل:
مروان مروان أخو اليوم اليمي
قال سيبويه: أراد اليوم فقلب وقدّم الميم وقيل: بل حذف العين تخفيفا وأطلق الميم إطلاقا.
وقال شيخنا أبو علي الفارسي: وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الكتاب وفي حاشية نسختي: أخي اليوم اليوم، فاستغربه وقال: يريد أنه بطل يبارز أقرانه ويقول لهم: اليوم اليوم أو هو صاحب هذا اللّفظ في ذلك الوقت وفي هذا الوجه قلب أيضا وقولهم: يوم في أبنية الأسماء غريب نادر، لأن فاءه ياء وعينه واو ومثله في المباني يوح اسم للشّمس وباب اليون بالشام.
وقد ذكره ابن الرّقيات في قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان أعني ابن ليلى عبد
[ ١١٣ ]
العزيز. بباب اليون تغدو جفانه ردما. وقال هميان بن قحافة: فصدقت تحسب ليلا لأيلا.
فقال لأيل وإنما يصفون بما يشتق من لفظ الموصوف بيانا للمبالغة وتنبها عليها على ذلك قولهم ظلّ ظليل، وداهية دهياء وما أشبهها. ويقال استأجرته مياومة وملايلة إذا قدر أجرته يوما يوما وليلة ليلة.
وحكى أبو عبيدة أنّ العرب لا تقول إلا مشاهرة، فأما معاوية ومياومة وما أشبههما فليست من كلام العرب، وإنما هي قياس على المسموع منهم، ويقال: يوم وأيام، والأصل أيوام لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيّهما سبق الآخر بالسّكون يقلب الواو ياء ويدغم الأوّل في الثاني، إلا أن يمنع مانع على ذلك قولهم سيّد وميّت لأنّهما فيعل من ساد ومات، والأصل سيود وميوت هذا فيما السّابق فيه ياء ومما السّابق فيه واو قالوا كويته كيا، ولويته ليا لأن الأصل كوى ولوى وكذلك قولهم أمنية وازبية وقولي إلا أن يمنع مانع احتراز من مثل قولهم: ديوان لأن أصله دووان، ففرّوا من التّضعيف وأبدلوا من إحدى الواوين ياء. فلو طلبوا الإدغام للواو لعادوا من التضعيف مثل ما فروا منه، ومثله سوير وبويع ومثله لوى ورويه إذا خفف همزتاهما، لأنّ الواو في جميعها لا يلزم، فلم يعتدوا بها واوا.
ألا ترى أنّها سوير، وبويع منقلبة عن الألف في سائر وبائع. وفي رويه ونوي مبدلتان من همزة وتلك الهمزة ثابتة في النّية، وإذا كان كذلك فحكم الواو فيها حكم الألف والهمزة، فأما ضيون وحيوة فشاذتان عن الاستعمال ومنبّهتان على أصل بالباب المرفوض على عادتهم في أمثالها والنّهار واللّيل لا يجمعان إلا أن يذهب إلى بياض كلّ يوم، وسواد كلّ ليلة، فتصورت بينها خلافا لأنّك حينئذ تجمع للاختلاف الدّاخل في الجنس فيقال: أليال وأليل وأنهر ونهر وعلى هذا قول الشاعر شعرا:
لولا الثريدان هلكنا بالضّمر ثريد «١» ليل وثريد بالنّهر
والذي يكشف لك أنّ اللّيل والنّهار لا يجمعان أنّ سيبويه قال: لا يجوز أن يقول القائل: إذا كان الليل فاتني ولا أن يقول: إذا كان النّهار فاتني لأنهما لا يكونان ظرفين إلا أن يعني بهما كلّ اللّيل والنّهار. وإذا كانا كذلك فسبيلهما سبيل الدهر فكما لا تقول: إذا كان الدّهر فاتني كذلك يمتنع في اللّيل والنّهار ويقال: رجل ليلي ورجل نهاري إذا نسبت، ونهري أيضا وهذا كما بنوا للّنسبة فاعل وفعال مثل تاجر ولابن وبزّاز وثمّار وأنشده:
لست بليلي ولكني نهر متى أتى الصّبح فإني منتشر
[ ١١٤ ]
لا أدلج «١» اللّيل ولكن أبتكر ويقال: ليلة وليال فكأنها جمعت على ليلات وإن لم يستعمل ومثله أهال في جمع أهل وإنما هو في تقدير أهلي، وعلى هذا قالوا في التّصغير ليلة والقياس في جمع ليلة ليلاء ليال ليل والأصل لول لأنه فعل مثل حمراء وحمر، لكنّهم حاموا على الياء لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو، ومثله قولهم بيض وعين في جمع بيضاء وعيناء وما أنشده الكسائي من قول الكميت:
ولدنك والبدر ابن عائشة التي أضاء ابنها مستحلكات اللّيايل
فإنه أراد اللّيالي، فقلب، وقدم الياء فلما وليت الألف همزت كما قيل: صحايف ومثله فيما قلبوه ترقوة وترائق والأصل تراقي.
واعلم أنّهم يتوسعّون في ذكرهم اليوم، واللّيلة ألا تراهم يقولون: فلان اليوم يعد من الرؤساء وكان في الدّهر الأول على كذا، واليوم هو خلافه، وإنما يعنون الزّمان وكما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[سورة السجدة، الآية: ٥] يعني القيامة، وليس ما أشار إليه من صورة ما نعدّه في شيء وقال الشّاعر:
يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب
فقسم دهره يومين، ويقال: الناس أغراض اللّيالي ويراد الأحداث ومثله من الذي يسلم على الليالي والأيام فأما قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا
[سورة الأنفال، الآية: ١٦] فاليوم يعم أجزاء اللّيل والنّهار، والزّجر به حاصل في كل جزء من أجزاء الزّمان وعلى هذا قوله:
يا حبذا العرصات يوما في ليال مقمرات
يريد وقتا وزمانا في ليال وكذلك قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
[سورة آل عمران، الآية: ١٤٠] أي نجعل الدّول في الأزمان فتحول وتنقل بين الناس على حسب استحقاقهم أو سببا لامتحانهم. وقد سمّت العرب وقعاتها أياما فيقولون لنا: يوم كذا ويوم كذا، وساغ ذلك لوقوعها فيها.