اعلم أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط وذلك أنه إن كان الله تعالى واضعها على ما يذهب إليه أكثر العلماء، وعلى ما أخبر به عند قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[سورة البقرة، الآية: ٣١] فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكيم الذي بيّنها لعباده لا يجوز عليه الغلط وإن كان يجوز أن يكون قد ذهب عنهم بعض ما بينه لآدم ﵇ وأحدثوا أبدالا منه، أو زادوا عليه على حسب الدّواعي والحاجة، ولو كانوا فعلوا ذلك لما جاز أن يعلم أحد تغيّرهم لذلك إلا بخبر من الله ينزله على نبي من أنبيائه لأن اللّغات لا تعرف إلا من جهة السّمع ولا تعرف بدلالة العقل، ولو كانوا غيّروها بأسرها لما أنزل الله القرآن بها على لسان محمد ﷺ، وإن كان ابتداء اللّغة من كلام العباد وتواضعهم على ما يقوله بعضهم فلا يجوز أن يقع فيها أيضا غلط لأنّهم إنما سمّوا الأشياء بأسماء جعلوها علامات لها لتعرف بها وليكون التّباين والتّمايز منها، وإذا كان أصل كلامهم ولغتهم جروا فيه على ما بيّنا فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكمة تلحقه ولا تفارقه في الحالتين جميعا، وإذا ثبت ما بيّناه من أمر اللغة ووجدنا انقسامها إلى الحقيقة والمجاز والحقيقة ما وضع من الأسماء للمسميّات على طريق اللّزوم لها، والاطراد فيها لأنّها يحق لها عند التعبير عنها وأمثلتها ما قدّمناه، والمجاز ما أجري على الشّيء وليس له في أصل الوضع، تجوزا على طريق الاستعارة، وتفاصحا منهم وافتنانا ويكون قاصرا عن الأصل وزائدا عليه ومماثلا له، وكيف اتّفق يكون
[ ٩١ ]
مستفاده أبلغ من مستفاد الحقيقة ولذلك عدل إليه نظرنا فوجدنا طريق استحقاق الموصوفين من وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: طريق الاختصاص والاستبداد وهو المرسوم لصفات النّفس ليفيد في الموصوف أنه مستبد بها، ومستغن بكونه عليها عن غيره وأنه مختص بها من غير أن يجعل نفسه كالعلّة الموجبة للعلل، ولا قائمة مقامها وهذا كوصف المحدث بأنه موجود وحي وقادر وعالم وسميع وبصير وما جرى مجراها، ولذلك رسمت بصفات التّوحيد لمّا توحّد الله بطريق استحقاقها فلم يشاركه فيها غيره مع جواز وصفهم بها لاستحقاقهم لها من غير هذا الوجه.
الوجه الثاني: طريق المعاني الموجبة لها وهو المرسوم بصفات العلل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بالعلّة الموجبة له عند تعلّقها به دون غيره وهذا كوصف المحدث بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير ووصف كل موصوف بأنه مريد وكاره، وكقولهم مشته ونافر النّفس وما شاكل ذلك.
الوجه الثالث: من طريق القادرين وهو المرسوم بصفات الفعل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بكون القادر قادرا عند فعله وإيجاده إيّاه دون غيره، وهذا كوصف المحدث بأنه موجود لما كان معدوما ومقدور القادر عليه وليس في الأحوال ما يتعلق بالقادر غير المعدوم الموجود.
الوجه الرّابع: من طريق استحالة ضدّها على الموصوف بها ورسمت بالصّفات اللّازمة ليفيد في الموصوف بها أنه مستحق لها على طريق اللّزوم له من غير أن يكون محتاجا في ذلك إلى غير ما يوجبها له، كالعلّة وما يجري مجراها ومن غير أن يكون مختصا به كصفات النّفس وهذا كوصف الشّيء بأنّه معدوم، ومعنى المعدوم أنه لا يجوز أن يحصل له من أحكامه التي تخصه وصفاته الجائزة عليه شيء، كما أنّ الموجود هو الذي يكون على حاله يلزمه جميع أحكامه به والموجبة له، فلذلك قلنا إنّه لا يكون معدوما بفاعل ولا بمعنى ولا بنفسه لمّا لم يكن له واسطة بين الوجود والعدم، فلذلك لزمه العدم عند استحالة الوجود عليه، فأمّا الأوصاف التي تتعلق بالأعيان ممّا لا يكون عبارة عن أحوالها بل هي إخبار عنها وعن غيرها لاختصاصها بها في باب الحلول أو التّعلق أو ما يجري مجراهما فليس لها علة ولا ما يجري مجراها ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك بالفاعل.
واعلم أنّ أعمّ الأشياء قولنا شيء لأنّه يتعلّق بالمسمّى لكونه معلوما فقط ومستحيل أن يكون ذات غير معلومة أو ذات على حال غير معلومة عليها أو غير جائز أن يكونا معلومين، فإن كان العلم لا يحصل بالحال التي عليها لأن العلم بالذّات هو الّذي منه يصل إلى العلم
[ ٩٢ ]
بالحال، ولذلك كان الذّات لا يخلو من الوجود والعدم معا إذ لو لم يكن الذّات معلومة في العدم للقديم تعالى لم يصح منه القصد إلى اختراعها وإيجادها وليس قولنا شيء مثل قولنا موجود، بدلالة أنّك تقول هذا شيء زيد، فتضيفه ويمتنع أن يقال: هذا موجود زيد، وكان يجوز أن يحدّ القديم بأنه الشيء لم يزل والمحدث بأنّه الشيء عن أول كما يقال هو الموجود لم يزل والموجود عن أوّل، وإذا كان قولنا معلوم غير متعلق بفائدة فيه وإنمّا تتعلّق فائدته بغيره فالواجب أن لا يكون قولنا شيء مفيدا من هذا الوجه.
ويمكن أن يقال: إنه يفيد الذّات فكلّ ذات يسمّى شيئا وكلّ شيء يسمّى بذات، ويمكن أن يقال أيضا إنه يفيد المعلوم، فصلا بينه وبين ما يسمّى محالا كاجتماع الضّدين لأنّ مثل ذلك لا يصحّ علمه، قال وليس يخرج الذّات من أن يكون على حال مع كونه عليها يجوز أن يستحقّ غيرها ولا يجوز، فإن كان يجوز عبّر عنها بأنها موجودة، وإن كان لا يجوز عبّر عنها بأنها معدومة، فلذلك يسمّى المعدوم بالشّيء كما يسمّى الموجود به لما كانا معلومين في الحالين جميعا لذلك قلنا: المراد بقولنا موجود إفادة حال من أحواله أيضا وحالة له أخرى وهي العدم. وفائدة قولنا معلوم أنّ عالما علمه لذلك جاز أن يقال معلوم زيد للشّيء الذي هو مجهول عمرو، والحال واحدة ويستحيل أن يقال للشيء إنه موجود زيد أو معدوم عمرو على الأحوال كلها.
واعلم أنّ الله تعالى لما أوجب في حكمته عند تكليف المكلّفين مداواة دائهم بالرّحمة لهم والعطف عليهم والحلم عنهم، وطلب صلاحهم من حيث لا يدرون ويؤلفهم من جانب لا يشعرون رسم لهم في تعبّدهم الرّجوع إليه في مهماتهم وسوغ لهم دعاءه في رفع مأربهم فقال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٦] الآية ثم أنزل في محكم كتابه من أسمائه ما بصّرنا وهدانا ومن صفاته ما قوّى إيماننا وإرشادنا، لولا ذلك والتأسّي بالنّبي ﷺ في أفعاله وقبول أقواله التي بها إبطال الضّلال، وإذا كان كذلك فإنّ ما أثبتته التّلاوة يضاف إليه ما دوّنته الرّواية عن الصّحابة والتّابعين وما عدا ذلك مما لهج به ألسنة فصحاء الأمة والصّالحين من أهل اللغة.
فقد روي في التّفسير أنّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] أنه تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وجاء في الحديث أنّ: «اسم الله الأعظم الله» وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لله مائة اسم غير واحد من أحصاها دخل الجنة» فيجب أن ينظر فيه فيما سبكه التّحصيل، وكما ذكرنا وينقى من درن الغباوة ويتلقّى بالقبول فيما يجوز إطلاقه على القديم تعالى، والباقي يتوقّف فيه والوصف والصّفة
[ ٩٣ ]
جميعا لا يكونان إلا كلاما وقولا فهو كالوعد والعدة. وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي يقول: أسماء الله تعالى كلّها صفات في الأصل إلّا قولنا الله والسّلام لأنّ السّلام مصدر، ولفظ الله بما أحدث من صفة ولزوم الألف واللّام له، يعدّ من الصفات فصار متبوعا لا تابعا كالألقاب يريد يتبعه الصفات ويقدم به، ومعناه الذي تحق له العبادة، فإذا قلنا لم يزل إلها الذي حقّت له العبادة من خلقه إذ أوجدهم. وقولنا إله نكرة ويجمع على الآلهة قال تعالى:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا
[سورة القصص، الآية: ٥] واشتقّ منه تألّه الرّجل إذا تنسّك، قال:
سبّحن واسترجعن من تألّه لله درّ الغانيات المبدره
وروي عن النبي ﷺ: «أن عيسى ﵇ قال له رجل: ما الله؟ قال: الله إله الآلهة» . وروي عن ابن عباس أنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وروي في قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٢٧] أنّ معناه وعبادتك، فالأصل إله حذفت الهمزة منه وجعل الألف واللّام عوضا منه لازما وأدغم في اللّام التي هي عين الفعل، فصار الاسم بالتّعويض والإدغام مختصا بالقديم حتى كأنّه ليس من الإله في شيء، قال سيبويه: ومثله أناس والنّاس يريد في حذف الهمزة لا في التّعويض بدلالة قوله:
إنّ المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
فجمع بين الألف واللّام والهمزة، ولو كان عوضا لما جاز الجمع بينهما، وقد قيل في قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٦٥] إنّ الاسم الذي لا سمّي له فيه هو قول القائل: الله بهذه البنية الصفية، وقولهم في صفات الفعل: يا غياث المستغيثين، ويا رجاء المرتجين، ويا دليل المتحيّرين، موضوع موضع الاسم وكلّ ذلك مجاز وتوسّع، وكذلك قولنا: قديم إنما وجب له هذا لتّقدمه لا إلى أول، فهو صفة لذاته وليس ثبت بهذا معنى يسمّى قدما. وقوله تعالى: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[سورة يس، الآية: ٣٩] وفي آخر:
هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
[سورة الأحقاف، الآية: ١١] يراد به تقدّم له وإن كان القصد إلى المبالغة.
فإن قيل: فهل يوجب إجراء لفظ القديم على الله تعالى وعلى الواحد منّا كما ذكرت تشبّها به؟ قلت: لا وذلك لأنّ الله تعالى قدم وتقدّم لنفسه والمحدث يقدم بأن الفاعل فعله في الأوقات المتقدّمة، وإذا كان كذلك فقد اختلف موجب الصّفتين فلم يجب منهما تشبيه، وعلى هذا قولنا: عالم في القديم والمحدث وقادر وسميع وبصير وحي وقدير وعزيز وملك ومالك ومليك، على أنّه لو ساعدت العبارة لكان تفرد ما يستحق للذات بعبارة تلزمه، ويخالف بها غيره وكانت الحيطة في ذلك، لكنهم استطالوا ذلك وكان يكتفي بعلم الذات من لا يعلم حالها المختصة بها، فاقتصدوا في العبارة كما اقتصدوا في الأخبار في بابي التذكير
[ ٩٤ ]
والتأنيث، فأجروا ما لا يصح وصفه بالتّذكير الحقيقي ولا التأنيث الحقيقي مجرى غيره في العبارة.
وكذلك في الاخبار عن الله تعالى وإضمار أسمائه في الاتصال والانفصال إذ قلت هو وأنت وإياك ورأيته ورأيتك ومثل ذلك اقتصادهم في صفات ما غاب عنّا من أمور الآخرة وأهوال القيامة وطي السّماوات وتبديل الأرض غير الأرض إلى غير ذلك مما أخفيت حقائقه عنّا فاقتصروا في بيانها على عبارات لا تستوفيها، وعلى كنهها لا يؤديها، وهي ما نستعمله إذ عبّرنا عمّا نشاهده.
فأمّا الفصل بين السّامع والسّميع حتّى قيل: لم يزل الله سميعا وامتنع لم يزل الله سامعا فهو أنّ السّميع لا يقتضي مسموعا فيعدى إليه والسّامع لا بدّ له من مسموع، والمسموع لا يكون مسموعا حتى يكون موجودا وذلك يدافع قوله: لم يزل وهذا كما يقول: هو عالم وعليم في كل حال ثم تمنع من أن يقول: لم يزل الله عالما بأنه خلق زيدا إذ كان ذلك يوجب وجود زيد في الأزل، وعلى ما ذكر من الاقتصاد والاقتصار تركوا العبارة عن أشياء وإن أدركها الفهم لقلّة البلوى بها وذلك تركهم وضع في الصناعات المستجدّة ما أحدث من الأسماء ووضع في الشّرع أو نقل ما وضع ونقل.
وأما الأسماء المشتقة من الأعراض التي ليست مهيات كقولهم: فاعل ومحدث وعادل وجابر وصادق وكاذب ومريد وكاره فإنها لا توجب تشبها وذلك أن الإنسان قد يكون فاعلا لفعل لا يحلى به، والفعل لا يختلف به هيئته عند أحد ممن يدركه، (ألا ترى) أنّ هيئته لا تختلف لما يفعل في غيره من الحركات والتأليف والافتراق والعدل والجور ولا الإرادة والكراهة ولا الأمر والنّهي فلم يجب أن تكون تسميتنا بهذه الأسماء للمسمّى بها إذا استحقها تشبها له، لأن التّشبه في الشاهد لا يعقل إلا من وجهين اثنين، أحدهما: اشتباه بالهيئة كالأسود والأسود والطويل، أو يشبهان بأنفسهما وأن يكونا من جنس واحد نحو البياض والبياض، والتقدم والتقدم، والتأخّر والتأخّر، وما جرى هذا المجرى من الأجناس المتفقة بأنفسها، فلما كانت تسميتنا بالفاعل لا توجب جنسيته ولا هيئته لم يوجب تشبها وهذا كقولهم آمر وناه وقائل ومعلوم ومذكور، فأما رحيم ورحمن فهما من الرّحمة وبناءان للمبالغة وحقيقة الرحمة النعمة إذا صادفت الحاجة.
وذكر بعضهم أنّ الرّحمن هو الاسم الذي لاسم القديم سبحانه فيه وليس كذلك لأنهم قالوا لمسيلمة رحمن، وقالوا أيضا فيه رحمن اليمامة، وذكر بعضهم أنه لمّا سمعوا النبي ﷺ يذكر الرّحمن قالت قريش: أتدرون ما الرّحمن؟ هو الذي كان باليمامة، وإذا كان كذلك فما بقي إلا أن يكون لفظة الله هي التي لا سمّي فيها، فإن قيل: فقد نرى الفاعل هيئته يخالف
[ ٩٥ ]
هيئة من ليس بفاعل والقائل منا له هيئته السّاكت، قيل له: لم تخالف هيئته هيئة السّاكت بالقول وإنما خالفت هيئاتهما بالسكون الذي في شفتي السّاكت وبالحركات التي في لسان المتحرك، لا بالكلام، فإذا كان الله يفعل الكلام والأمر والنهي من غير أن تحل فيه حركة صحّ أنه لا تكون تسميتنا إياه آمرا وناهيا أو متكلما تشبيها.
وعلى هذا قولنا: العالم والحي والقادر والسميع والبصير لأن شيئا من ذلك لا يوجب تجنيسا ولا تركيبا ولا هيئة، فإن قال: أليس العالم في الشاهد يحل العلم فيه أو في بعضه، وكذلك الحي فلم زعمتم أن الحيزين لا يشتبهان لحلول الحياة فيهما؟ قلت: إن الحياة ليست بهيئة لهما فيشتبهان بها عند حلولها فيهما، ولو كانا مشتبهين بسائر هيئاتهما، فإن قال: فيلزمكم أن لا يكون من وصف الله تعالى بأنه يحله العلم والحياة مشتبها بخلقه، قيل:
ليس هو بهذا القول مشبها، ولكن بتجويزه حلول الأعراض فيه يكون مشبها لأن ذلك يرجع إلى الهيئة.
واعلم أنّ الصفة قد تجري على الموصوف من وجهين في أحدهما: يجب له عن اختصاص واستبداد فيكون للذّات ويقترن بما لم يزل وفي الثاني: يقصر غايته فنقف دون موقف الأول، وذلك كقولنا: بصير ومبصر لأنهما للذات، إلّا أنّ مبصرا يتعدى إلى مبصر موجود، ولذلك لم يجز أن يقال لم يزل مبصرا، كما قيل: لم يزل بصيرا وعلى هذا قولك رأى يتصرف على وجهين.
فإن أريد أنه عالم قلت لم يزل الله رائيا وإن أريد أنه مبصر للمبصرات امتنع منه؛ لأنّ المرئي المدرك لا يكون إلا موجودا، وعلى هذا قولك الصّمد إن جعلته بمعنى السّيد قلت لم يزل الله صمدا، وإن قلت هو من الصّمد إليه من العباد والقصد امتنع أن يقال لم يزل صمدا.
ومثله كريم يراد به العز فيقال: لم يزل كريما وهو أكرم عليّ، ويراد به الإفضال فيكون من صفات الفعل، ومثله حكيم يكون بمعنى عالم فيقال لم يزل حكيما وإن أريد به أنه يحكم الفعل لحق بصفات الفعل، والصفات المستحقة من طريق اللغة الحقيقية والمجازية فإنها تجري عليه تعالى متى لم يمنع مانع من جهة العقول والشّرع، فإن التبس الحال يختار الأكرم فالأكرم والأبعد من التشبيه فالأبعد، وذلك لمجانبتنا لأنّ نصفه بأنه يعقل أو يحس أو يفقه ويستبصر ويتيقن أو يفطن أو يفهم أو يشعر لما تتضمنه هذه الألفاظ من الأحوال التي حصولها لا يليق بالله تعالى.
فإن قيل: هو شاهد وشاهد كل نجوى وقريب مجيب ومطّلع على الضّمائر قلت:
أجرينا عليه هذه الألفاظ مجازا وتوسعا ولأنها بكثرة دورانها في ألسنة السّلف الصالح، والإشارة بها إلى ما لا يخيل ولا يلتبس من القصود السّليمة انتفى عنها ما يلابس غيرها من
[ ٩٦ ]
كل موهم، ولمثل هذا أجرى قوي في صفة مجرى القادر وامتنع في شديد ومتين وما أشبهه من أن يجري مجراه، فأما قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[سورة البقرة، الآية: ١٥] وسَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[سورة التوبة، الآية: ٧٩] وما جرى مجراه فمثله في البلاغة يسمى المجانسة والمطابقة وهو ضرب من المجاز سمّي الثّاني فيه بالأول ليعلم أنه جزاؤه وقد أجرى إلى مثله، والمعنى يجازيهم جزاء الاستهزاء والسّخرية ونحو قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[سورة الشورى، الآية: ٤٠] والثاني لا يكون سيئة.
فإن قيل: فهل يجري التهاتف والتّهكم مجرى السخرية فتجيزه عليه اتساعا؟ قلت: لا يجوز ذلك؛ لأن المجاز لا يقاس، ألا ترى أنّ أرباب اللغة مجمعون على أنه لا يجوز سل الجبل، وإن جاء سل القرية، ومثل هذا قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة النور، الآية: ٣٥] وامتناعنا من بعد من أن تقول الله سراج السماوات، أو شمسها أو قمرها إذ كانت المجازاة لها انتهاء تجاوزها إلى ما ورائها محظور، هذا مع توافق الصفات، فكيف إذا اختلفت؟ ويقارب هذا قولهم في الله لطيف ورحيم، والمراد به الإنعام، ثم امتنعوا فيه من رفيق ومشفق لرجوعهما إلى رقة القلب واستيلاء الخوف، فأما الغضب والسخط والإرادة والكراهة والحب والبغض والرضاء والطالب والمدرك والمهلك فمن صفات الفعل، والله يحدثها لا في مكان إذ كان جميعها لا يوجب تصويرا ولا تهيئة ولا تركيبا، وإنما تفيد عقابا للمكلفين أو إثابة أو إيجابا لإيقاع الفعل، أو نفيا له وإذا كانت كذلك انتفت عن المحال على أنه لو أحدثها في المحال لعادت المحال الموصوفة بها.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقع منّا إرادة لا في محل؟ قلت: لا وذلك أنّ أفعالنا تقع مباشرة، أو متولدة عن مباشرة، فلا بدّ لها من محل وأفعال الله تعالى بخلافها. فإن قيل:
هل يجوز أن يوصف الله بأنه راع، وأنه خفير، وحارس كما وصف بأنه رقيب وحافظ؟
قلت: قد جاء رعاك الله وحرسك وحاطك في دعاء المسلمين ومعانيها صحيحة، لكن بناء اسم الفاعل منها في صفاته لم يجيء وهم يستغنون بالشيء عن شبهه في اللغة، فيذهب عن الاستعمال ومع ذلك فوصفه يجب أن يكون كريما، ولفظة الحارس والرّاعي والحائط ليس مما يستكرم فيقرن بيا للاختصاص، فيقال يا حارس أو يا راعي، أو يا حائط ومما ينفر منه فيترك قول القائل في الله يا معلم وإن كان قد جاء الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[سورة الرحمن، الآية: ١- ٢] لاشتهاره في صفات المحترفين به، على أنّ الفرق بين ما يجعل إخبارا وبين ما يجعل خطابا ويصدر بحرف النّداء ظاهر. وإذا كان كذلك فلفظ الخطاب بيا كالمترجم عن تواضع وفاقة فيجب أن يختار معه من الصّفات ما يؤكّد الحال ويحرّر السؤال ويشبه ما نحن فيه أنّهم قالوا في صفاته علّام الغيوب.
[ ٩٧ ]
ثم امتنعوا من علامة وإن كانت تاء التأنيث زائدة في المبالغة لما يحصل في اللّفظ من علامة التأنيث ولا تنحط رتبته عن رتبة التّذكير. ولأنهم جعلوا اللّفظ مؤنثا لاقتران علامة التأنيث فقالوا للبيضتين الاثنيان، ووصف بعضهم المنجنيق وهو مؤنث في اللّغة فقال وكل أنثى حملت أحجارا، فأمّا الخفير فمعناه لا يصح على الله لأنه من السّتر ومنه خفرت المرأة.
وقول القائل ثابت في صفة الله قليل الاستعمال ومعناه صحيح فيه وهو الكائن الذي ليس بمنتف، وقولهم: وتر، وفرد وفذ جميعه جائز عليه لأنّ معناه معنى التّوحيد، إلا الفذ، لأن معناه القلّة. وقولهم إبراهيم خليل الله فمعناه الاختصاص، ولا يقال الله خليل إبراهيم، لأنّه يخص الله بشيء ولا يقاس الصّديق ولا الوامق ولا العاشق على الخليل، ولا على المحب، ولا يوصف الله بالكامل، ولا الوافر لأنّ معناه الذي تمّت أبعاضه وتوفّرت خصاله ولا يوصف الله بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم على أنه مع ذلك متناوله مذموم وليس كالسّرور. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
[سورة هود، الآية: ١٠] ومما يقلّ استعماله وصفه بالسّار والبار، وإن كان معناهما صحيحا إذا كان تعالى يسر أولياءه ويبرّهم سمعه وطوله.
فإن قيل: أفيجوز أن يقال في الله تعالى: إنه يمكنه أن يفعل، ويستطيع أن يفعل ويطيق أن يفعل؟ قلت: كلّ ذلك جائز إلا قولك: يطيق أن يفعل، لأن الطّاقة استفراغ الجهد فيما يقصده الإنسان وقوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ
[سورة غافر، الآية: ٣] حسن جائز لأن معنى ذو الطّول وله الطّول واحد فاعلمه.
واعلم أنّ قول القائل: ما زال زيد يفعل كذا من العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر يفيد الزّمان دون الحدث، وإذا كان كذلك فزيد هو الذي كان مبتدأ وهو المخبر عنه، والخبر ما بعده، ولا يستقل بنفسه كما أنّ المبتدأ لا يستقلّ بنفسه وما زال مثل كان وأصبح وأمسى في أنه أفاد الزّمان، إلا أنه بدخول حرف النفي عليه عاد إلى الإثبات، لأن نفي النّفي إثبات، وممّا صدّر بحرف النفي من إخوانه ما برح وما فتىء، وما انفك، وقال سيبويه: تقول زايلته مزايلة وزيالا والتزايل تباين الشيء، وزيلت بينهم فرقت.
فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: ما زال زيد يقطع الكلام به، والمراد ثبت زيد. قلت:
إن أخرجته من جملة العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر وجعلته فعلا تاما يستغني بفاعله، ويفارق ما لا يتم إلا بخبره، لم يمتنع ذلك فيه، وحينئذ يصير مثل كان الذي يفسر يحدث وجاء في القرآن: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ
[سورة البقرة، الآية: ٢٨٠] وعلى هذا قوله تعالى:
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
[سورة يوسف، الآية: ٨٠] لأن تقديره لن أبرح من الأرض لأن برح لا يتعدى مثل زال، والأرض مخصوص لا يكون ظرفا، وهذا غير المستعمل في قولهم لم يزل
[ ٩٨ ]
الله واحدا سميعا بصيرا، ومثله أصبح الذي يمثل باستيقظ، وأمسى الممثل بنام.
وقد فسّر سيبويه ما برح بما زال، ولم يجعله من البراح إيذانا بالفرق بين ما جعل عبارة وبين غيره، وقال تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
[سورة طه، الآية: ٩١] وفي موضع آخر: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
[سورة الكهف، الآية: ٦٠] والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ، ولو جعل من البراح لدافع قوله حتى أبلغ، لأنّ الثّابت في موضعه لا يكون متبلغا، ومما يشرح هذا الذي قلناه امتناعهم من قول القائل: ما زال زيد إلا كذا حتى ردّوا على ذي الرّمة قوله:
حراجيح «١» ما تنفكّ إلا مناخة على الخف أو ترمي بها بلدا قفرا
وقالوا الاستثناء ممتنع هنا وإنّما هو حراجيح ما ينفك مناخة أي لا يزال شخوصا مجهودة، وحمل إلا على الكثرة والجنس، ومنهم من قال: ما تنفكّ من قولهم فككته فانفكّ كأنه يخرجه من أن يكون مما يدخل على المبتدأ والخبر، ويجعله مستقلا بفاعله مثل كان التامة، ويكون المعنى لا ينخل قواه إلا في هذه الحالة وعلى هذا ما فتىء وفي القرآن:
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[سورة يوسف، الآية: ٨٥] أي لا تفتؤ ولا تزال.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه ذخر وسند؟ قلت: هذا لا يكون إلا مجازا وما لا يجب من جهة الحقيقة لا يجوز عندنا وصف القديم به إلّا إذا كثر في كلام أهل الدين وأخبار أرباب اللغة فيصير تبعا فيه لهم، وذلك أنّ الذّخر ما يذخره الإنسان ويحرزه لنفسه وليوم حاجته، ويكون في الوقت كالمستغني عنه فيقال: أذخر هذا لطوارق الزّمان ونوائب الدهر والأيام وعلى هذه الطريقة لا يجوز ذلك على الله لأنّ الحاجة إليه دائمة فهذا في الذّخر وكذلك السند في الحقيقة هو ما أسند الإنسان إليه ظهره والله متعال عن هذه الصفة. فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف الله بأنه نجي وولي؟ قلت: النجيّ فعيل ويراد به الذي يناجي، ووصف به الجمع في قوله تعالى: خَلَصُوا نَجِيًّا
[سورة يوسف، الآية: ٨٠] وإن كان على لفظ الواحد كما جاء فعول في قوله تعالى: عَدُوٌّ لِي*
[سورة طه، الآية: ٣٩] وإذا كان كذلك فليس هو كالنكير والنّذير لأنهما مصدران، ولكنّه بمنزلة العلي والولي ونحوه مما يكون، والوالي والولي بمعنى واحد، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] وقال تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[سورة الرّعد، الآية: ١١]، وكذلك النجيّ ومثله الصّديق والخليط في أنه بلفظ الواحد ووصف به الجمع، وقوله: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه. فأنجيه كقولهم كثيب وأكثبة ورغيف وأرغفة شبه الصفة بالاسم فكسرت تكسيره
[ ٩٩ ]
وقوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى
[سورة الإسراء، الآية: ٤٧] وصف بالمصدر كما وصف بالعدل والرضى، وإذا كان الكلام بيانا عن المعاني فعلى المتكلم أن يبيّن المعاني التي يخبر عنها بكلامه وإلا كان بمنزلة من يلغز ويعمّي كلامه لئلا يفهم، وفاعل هذا مختار عابث فأما قولنا: وكيل علينا أي متول لأمورنا وقائم، بحفظنا ونصرتنا، ولا يجوز أن يقال: وكيل لنا لأنّ الوكيل لنا هو النائب عنّا وخليفتنا فيما يليه لنا فأما قولنا: توكلّنا على الله، فليس من الوكالة في شيء وإنما معنى يتوكل يلتجئ ويعتمد وإذا كان كذلك فإنّا نقول: الله وكيل علينا، ولا نقول: متوكّل علينا.
فإن قيل: كيف جاز مجيء تفعل وتفاعل في صفاته وممّا من أبنية التكلّف والتّكلف لا تجيزه على الله. قلت: قوله المتكبّر والكبير المتعالي في صفاته كالكبير والعالي والمباني كما يتفرد بالمعاني أو يكثر مجيئها لها فإنها قد تتداخل وتتشارك حتى لا تمايز ولا تباين، وإذا كان كذلك فقول القائل تعلى وتعالى وعلا بمعنى واحد قال: (تعلّى الذي في متنه وتحدّرا) بمعنى علا وحدر وقال شعرا:
ومستعجب مما يرى من إناتنا ولو زينة الحرب لم يترمرم
بمعنى عجب. وقال أوس:
وقد أكلت أظفاره الصّخر كلّما تعايا عليه طول مرقي توصّلا
بمعنى أعيى، وهذا كثير ظاهر فاعلمه. ومنه قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٦٧] بمعنى آذن. واعلم وقد انتهى هذا الباب وكمل بما ضمّ إليه من أخبار الرّسول ﷺ وغيرها، جامعا إلى الوفاء بما وعدته ومجيئه على المثال الذي خططته، أني لم آل جهدا في اختيار ما كانت الحاجة إلى بيانها أمس، والنّفس إلى تبينها أتوق، حتى بلغ حدا يمكن الاستعانة به، مع أدنى تأمّل على فتح كثير مما يستغلق من نظرائه، وكلّ ذلك بعون الله وحسن توفيقه، وأنا الآن مشتغل بالباب الثّاني والكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فيهما والله بحوله وقوّته يعين على بلوغ ما نعرب منه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠٠ ]