وذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أنّ قول النّبي ﷺ: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: ٢٦] أنّ هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم وساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأنّ الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، ألا ترى أنّ قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، وتشديد للتّيقن، وتبعيد من اعتراض الشّبه على العلم به تعالى، وإذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصّلات نحو: علمت أنّ زيدا منطلق، وأحسب النّاس أن يتركوا فلمّا سدّ ما جرى في الصّلتين مسد المفعولين، ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنّه ترونه متيقنا، ونحو ذلك وأن يقال: إنّ ما ذكر سدّ مسد المفعول الثّاني أقيس.
ألا ترى أنّ ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سدّ مسدّ المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، واختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، ومثل هذا قوله: أعنده علم الغيب فهو يرى لأنّ القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأنّ علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحسّ شيئا، وإنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأنّ من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد.
فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أعنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد والمبتدأ والخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدّلالة عليهما وقد قال الأعشى:
[ ٧٥ ]
فأنبيت قيسا ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
وقال الكميت: (ترى حبّهم عارا علي وتحسب)، فالدّلالة من الفحوى والمعنى في الآية على المفعولين المحذوفين كالدلالة عليهما في البيتين لجري ذكرهما فيهما وإنما ذكرنا ما قاله لغرابته.