أنهم قالوا قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[سورة غافر، الآية: ٧] وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[سورة الزمر، الآية: ٧٥] ثم قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: ٥] وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*
[سورة يونس، الآية: ٣] كما قال: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
[سورة يونس، الآية: ١٠٠] ولا فصل بين الكلامين وقال أيضا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] والكرسي والعرش بمعنى ومما جاء في الخبر قول النبيّ ﷺ حيث حكم في بني قريظة: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات» (وعنه) حين قال: «فأقوم على يمين العرش» ولا يكون يمين إلا لما له يسار، قالوا فقول الله: وَمَنْ حَوْلَهُ
وحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
فيه دلالة على أنّ العرش مطاف يطاف به، ودوار يدار عليه وهذه المواضع وأشباهها عمدهم.
والجواب عنها أنّ للعرش مواضع عدة في كلام العرب منها الملك والعز وقوام أمر الرّجل وملاكه ويشهد له قولهم ثل عرش فلان إذا أزيل وحطّت رتبته ومنها سرير الملك ويشهد له قوله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[سورة النمل، الآية: ٢٣] وقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
[سورة النمل، الآية: ٤٢] ويجمع على العرشة والاعراش. ومنها سقف البيت وما يستظل به والعرش كذلك، ومنه قيل عرش المكرم فهو عرش وقالوا عرش السّماك لكواكب أربعة تشبّها به لأنه على صورة النّعش. ومنها طي البير بالخشب بعد ما يطوى موضع الماء منها بالحجارة، ويقولون عرّشوا بيركم وإذا ثبتت هذه الوجوه حقيقة وتشبّها في لفظة العرش، فالواجب حملها حيث جاءت على الأليق بالمعنى مع قرائنه والأقرب في الاستعمال والأشبه في قضية السّمع والعقل وهذا الذي ذكرناه هو الميزان عند طلب الرّجحان حيث حصل الاشتراك في الألفاظ وغيرها.
فأما الخبر المروي وهو: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات» فقوله من فوق ظرف لقوله حكم الله ومتعلق به فهو كما يقال حكم الله العالي المكان الرّفيع المحل
[ ٧٦ ]
والقدر وأنت تصف الحكم ولا يجوز أن يكون متعلقا بلفظة الله لأنه تعالى لا تحويه الأماكن ولا تحيط به الأقطار والجوانب والمعنى بحكم يشبه حكم الله الذي محلّه ومكانه من الإصابة والغلبة والعلو فوق سبع سموات وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
[سورة غافر، الآية: ٧] ومنهم من يطوف به وكلّهم يسبح لله بالحمد له والاعتراف بنعمه والإيمان بجميع ما تعبد الله به خلقه ويستغفرون لمن في الأرض إلى الشفاعة التي قال الله تعالى ما حالهم وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
وقوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: ١٧] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: ١٨] يريد أن جميع من خلق الله من البشر في ذلك اليوم يعرضون بأعمالهم وأقوالهم، وكلّ ما أعلنوه وأسرّوه أيام حياتهم فيحاسبون عليه، وذلك كما يستعرض السلطان جنده بأسلحتهم ودوابهم وآلاتهم، فأما العدد المذكور فهو مما استأثر الله به ومثله مما رأى الله تعالى إيهام الأمر فيه والكف عن بيانه كثير، وذلك لتعلّق المصلحة بأن يكون حازما وسائر ما سألوا عنه إذا أجملناه.
فإنّا نقول في جوابهم الشامل لمقالهم المسقط لكلامهم لمّا أن كان أسفل الأشياء الثّرى وكان أعلى الأشياء السّماء السّابعة ثم الكرسي ثم العرش فكان الله تعالى قد جعل للأعلى في القلوب من التّعظيم والقدر والشّرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظّم بعض الشّهور وبعض الأيام وبعض اللّيالي وبعض السّاعات، وبعض البقاع وبعض المحال، وكان قد جعل للعرش ما لم يجعل للكرسي وجعل للكرسي ما لم يجعل للسّماء السّابعة ذكر العرش والكرسي والسّماء بما لم يذكر به شيئا من سائر خلقه فذكر مرة العرش والكرسي والسماء في جملة الخلق، وأنّه عال على جميعها بالسلطان والقدرة والقوّة حيث قال تعالى:
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٠٦] وحيث قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
[سورة الكهف، الآية: ٤٥] وقد يقول الرّجل فلان شديد الإشراف على عمّاله وليس يذهب إلى اشراف بدنه ورأسه، قد خبّر الله أنه على كلّ شيء قدير ومقتدر وحافظ وظاهر، وقد قال: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[سورة الحديد، الآية: ٣] والعرش شيء هو عال عليه بالقدرة، والظّاهر عليه بالسّلطان وإنّما خصّه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالنّباهة وأنّه فوق جميع الخلق فذكر مرة في الجملة ومرة بالإبانة قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] فخبّر أنه عال عليه وحافظ له ومانع له من الزّوال وقوله كُرْسِيُّهُ
كقوله بيته ولو كان متى ذكر أنّ له كرسيا وعرشا فقد أوجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد أوجب أنّه ينزله ويسكنه وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق، ولو كنّا إذا قلنا: سماؤه فقد جعلناه فيها كنّا إذا قلنا أرضه فقد جعلناه فيها قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
[ ٧٧ ]
وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[سورة البقرة، الآية: ٩٨] فأدخلهما في جملة الملائكة ثم أبانهما إذ كانا بائنين من سائر الملائكة، وكذلك سبيل القول في العرش والكرسي والسّماء والأرض والحوت، والثّرى، لأنّ الكرسي إذا كان مثل السّماوات والأرض والعرش أعظم منه فمتى ذكر أنّه عال على العرش وظاهر عليه فقد خبّر أنّه على كل شيء قدير، وقد يكون العلوّ بالقدرة والاعتلاء، فمرة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر السّماء دون الكرسي ومرة يقول: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] بعد أن قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ
وترك ذكر الأرض فلو كان إذا ذكر السّماء دون الأرض كان ذلك دليلا على أنه ليس في الأرض كان في ذكره أنه على العرش، دليل على أنه ليس في السّماء وقد قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ
[سورة الملك، الآية: ١٧] ومرة يذكر معاظم الأمور، وجلائل الخلق، وكبار الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة كلّ شخص كيف كان وحيث ما كان كقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[سورة المجادلة، الآية: ٧] الآية. وقد قال أيضا على هذا المعنى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وقال: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
[سورة الواقعة، الآية: ٨٥] .
فإن زعم القوم أنّه إنما ذهب إلى معنى القدرة والعلم لأنّ قربه منهم كقربه من العرش قلنا: فقد صرتم إلى المجازات وتركتم قطع الشّهادة على ما عليه ظاهر الكلام، فكيف نعيتم ذلك علينا، حين زعمنا أنّ تأويل قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: ٥] ليس على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلو والقدرة والحفظ والإحاطة والظهور بالسلطان والقوّة وهذا بين والحمد لله.
فإن قالوا: ما تأويل استوى؟ وما فائدة على؟ قلنا: قد زعم أصحاب التفسير عن ابن عباس وهو صاحب التّأويل والنّاس عليه عيال، أنّ تأويل قوله: استوى استولى، وقد قال تعالى لنوح: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: ٢٨] ولم يرد الله تعالى أنّهم كانوا مائلين فاعتدلوا، وإنما معناه فإذا صرتم في السّفينة فقل: كذا وكذا، وقد يقول الرّجل: قلت كذا وكذا ثمّ استويت على ظهر الدّابة بعد أن لم أكن عليها فقلت كذا وقال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا
[سورة يوسف، الآية: ٢٢] وإنما يريد: فلما انتهى وبلغ جعلناه حكيما، وكما يقال للغلام المقدود: هذا غلام مستو فإن قالوا: قد عرفنا هذه الوجوه ولكن ما معنى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[سورة فصلت، الآية: ١١] قلنا معناه: ثم عمد إلى السّماء فخلقها كما قال ابن مقبل شعرا:
أقول وقد قطعن بنا شرورى عوامد واستوين من الضّجوع
[ ٧٨ ]
أي خرجن، وقال الآخر:
استوت العير إلى مروان مسير شهر قبله شهران
ولفظة على تختلف مواقعها، فمنها قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: ٢٥] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: ٢٦] وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[سورة القيامة، الآية: ١٧] فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
[سورة القيامة، الآية: ١٨- ١٩] وقوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
والمراد في الجميع اللّزوم والوجوب ومنها قول الفرزدق شعرا:
ولو أني ملكت يدي ونفسي لكان عليّ للقدر الخيار
وإنّما قال هذا حين ندم على تطليق امرأته نوّار وأوّله:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا غدت منّي مطلّقة نوار
والمعنى لو ملكت أمري فكان عليّ أن أختار للقدر، ولم يكن على القدر أن يختار لي، ومنها قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: ٢٨] وقوله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[سورة هود، الآية: ٧] وهذا كما أنّ السّماوات بعضها على بعض، ويجوز أن يكون عليه على جهة الالتزاق. ومنها قوله تعالى:
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
[سورة البقرة، الآية: ٢٣٣] وهذا من قولهم: على فلان نذر، وعليه حتم وعليه يمين. ومنها قوله:
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السّلام
ومنها قول الآخر شعرا:
ولا الحيّ على الحدثان قومي على الحدثان ما تبني السّقوف
يقول: لا ألوم قومي أن يحنوا عليّ وأن يحدثوا الأحداث. فعليّ احتمال ذلك بنى بيت السّؤدد. ومنها قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] فمعنى مر على قرية مر بجنباتها، ولم يرد أنّه مر فوقها، وقوله: هي خاوية على عروشها: يريد وهي خالية على عروشها أي هي على ما بها من السّقوف خالية كما يقال: زيد على كثرة محاسنه متواضع. وقال بعضهم: أراد بقيت حيطانها لا سقوف لها وما قلناه أشبه. وقال أبو عبيدة، هي الخيام وبيوت الأعراب، ومنها قولهم: عليك الجادة والطريق الأعظم في الإغراء بها وفي القرآن: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[سورة المائدة، الآية: ١٠٥] هذا ما حضر من مواضع علي.
[ ٧٩ ]