اعلم أنّ الأصوات جنس من الأعراض تحته أنواع تعلم، فإذا توالى حدوثها منقطعة بمخارج الفم وما يجري مجراها سمّيت حروفا، لذلك قيل: الكلام (مهمل) و(مستعمل) .
(فالمستعمل) ما تناولته المواضعة أو ما يجري مجراها من توقيف حكيم، فجعل عبارة عن الأعيان أنفسها وعنها بأحوالها. (والمهمل) ما خالف ذلك، وإنما قلنا هذا لأنّ جنس الصّوت لا يقتضي كونه حرفا ولا كلاما متى لم تطرأ المواضعة عليها، وما جرى مجراها، والمواضعة لا تصح إلا مع القصد إليها لذلك قيل: ما ينقسم إليه الكلام من الخبر والأمر والنّهي والاستخبار لا يكاد يحصل مفيد إلا بإرادة غير القصد إلى المواضعة، لهذا متى ورد الكلام من سفيه لم يفد السّامع شيئا، كما يفيده إذا ورد من الحكيم على المخاطب العارف بالمواضعات لمّا تعذرت معرفة قصده وصار الصّدق والكذب يستوي حالاتهما وتقام صور أنواع الكلام بعضها مقام الآخر حتى يوجب ذلك التّوقف عن قبول الأخبار وترك القطع على ما يسمع منها إلا مع البينة.
واعلم أن الحاجة إلى المواضعة بالأصوات هي البيان عن المراد لما كان الكلام المستعمل تنبها عليه، فلذلك يستغني الحكيم فيما عرف مراده عن الخطاب إلا عند كونه لطفا في فعل المراد ومتى أمكنه بالإشارة والإيماء بيان غرضه عدل عن الخطاب إلا أن يكون لطفا كما ذكرناه. ولما كان الأمر على ذلك اختلفت العبارات لاختلاف المراد واحتيج إلى التبين بعد ذلك، إذ كان الكلام بنفسه لا يدل على ما وضع له ولا بالمواضعة أو التوقيف.
[ ٨٨ ]
فإن قيل: فما الفرق بين (المهمل) و(المستعمل)؟ حينئذ قلت: الفرق بينهما أنّ الحكيم متى تكلّم بكلام مستعمل صحّ أن يعرف السّامع لكلامه مراده بما يقارنه من الدليل غير الكلام، ومتى تكلم بكلام مهمل لم يجز أن يعلم مراده وإن قارنه ما قارنه وكان وجوده وعدمه بمنزلة، ولو كان الكلام دليلا يجوز الاستطراق منه إلى ما وضع له قبلها، لأن الدلالة لا تحتاج في كونها دلالة يجوز الاستطراق منها إلى مدلولها إلى المواضعة وإنما يحتاج في تسميتها دلالة إلى المواضعة لأنهم يسمونها دلالة إذا أراد فاعلها عند فعلها الاستطراق منها إليه ولذلك لا يجوز أن يسمّى فعل اللص دلالة عليه، وكذلك فعل البهيمة، وإن جاز الاستطراق منها إليه، ولهذا جاز أن يعرف الله بدلائله من لا يعرف شيئا من المواضعات.
واعلم أنّ الكلام لمّا وضع للإبانة عن مراد المخاطب للمخاطب، لأنّ الغرض فيه إعلامه حدوث الشيء إذ إعلامه أنّه يريد منه إحداثه أو إعلامه أنه يكره منه إحداثه، والحدوث لا يكون إلا للذّوات ولم يكن بدّ من إعلامه العبارات عن ذوات الأشياء ليجوز منه أن يفرق الحدوث بها على وجه المراد انقسم الكلام أربعة أقسام:
الأول: عبارة عن الأعيان أنفسها وهي الأسماء.
الثّاني: عبارة عن حدوث الشيء وهو الخبر عنه.
الثالث: عبارة عن إرادة إحداثه وهي الأمر به.
الرّابع: عبارة عن كراهية إحداثه وهي النّهي عنه.
والأسماء على ضربين:
الضّرب الأول: اسم وضع لتعريف المسمّى به وليكون علما له دون غيره فيقوم مقام الإشارة إليه عند غيبته، أو لاشتمالها عليه، ويسمّى هذا الضّرب لقبا ولا يفيد في المسمّى به شيئا ولذلك لا يدخله الحقيقة والمجاز إذ كان لا يتعلّق بفعله ولا بحاله ولا بشيء، مما يحلّه أو يحلّ بعضه، ولا يوجب الاشتراك فيها اشتراكا في غيرها كما لا يوجب الاشتراك في غيرها اشتراكا فيها وقال بعضهم هذا القبيل ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وضع تعريفا لآحاد الأشخاص كزيد وعمرو.
القسم الثاني: وضع تعريفا لآحاد أجمل الأشخاص وليقوم مقام تعداد ذكر جميعها كقولك: إنسان وأسد وحمار وطائر، ولذلك لا يتعلق بشيء من أوصافها ولا بما يحلّها، ويوجب الاشتراك فيها اشتراكا في الصورة دون غيرها وتسمية أهل اللّغة الجسم جسما من هذا لأنه وجب له هيئته وتركيبه ولذلك لم يجز إجراءه على الله تعالى.
[ ٨٩ ]
القسم الثالث: وضع تعريفا لآحاد جمل الأجناس المختلفة المشتركة في باب التّعلق بغيرها على وجه واحد، ليقوم مقام ذكر جميع الأجناس الدّاخلة تحتها، وهذا كاللّون والكون والاعتقاد والسّهو وما يجرى مجراها، وهذا النّوع يسمّى جنس الفعل ويلزم الاشتراك فيها اشتراكا في نوعيتها.
الضرب الثّاني: على وجهين:
الوجه الأول: اسم على المسمّى به تعريفا لجنسه وللتميز بينه وبين ما خالفه وإن شاركه في التّسمية غيره من طريق القياس لاشتراكهما في الفائدة، ورسم بأنه اسم جنس لمّا كانت المسمّيات به أعدادا كثيرة مماثلة وهذا كالسّواد والبياض والحمرة والخضرة والحلاوة وما جرى مجراها، يوجب مماثلة الموصوفين بها فلذلك استحال اشتراك المختلفين بالذّوات في اشتقاق الوصف بها.
النوع الثاني: اسم جرى على المسمّى ليفيد فيه ما يفارق به غيره مما لم يشاركه فيه من غير أن يكون افتراقهم في الوصف موجبا لمخالفتهم كما لم يوجب اشتراكهم في ذلك مما يليهم في اللفظ بل في المعنى أوجب ذلك لكونه جواهر ورسم بأنه صفة، وإذا قصد به الإكرام في التعلق قيل: إنّها مدح كما إذا قصد بها الاستخفاف قيل إنها ذم، إذ كانت لا تخلو من الحسن أو القبح وهي على وجوه:
الوجه الأول: صفة تفيد في الموصوف معنى حالا فيه وذلك كقولك: متحرّك وساكن، وأسود وأبيض، وحلو وحامض، ورسمت هذه الصّفات بصفات المعاني لأنها علل في إجراء الوصف على محالها من طريق الاشتقاق، فلذلك أخذ الاسم من لفظها، والاشتراك في هذه الصفة يوجب الاشتراك فيما أفادته، ويقتضي مماثلة الموصوفين في المعنى لكونها جوهرا.
الوجه الثاني: صفة تفيد كون الموصوف فاعلا لمقدوره والاسم يجري عليه مشتقا من لفظ اسم فعله، وهذا كقولك: ضارب وشاتم ومتكلم، ورسمت هذه الصّفات لصفات الفعل ولا يوجب الاشتراك في هذه الصّفة تماثل الموصوفين لا بالمعنى ولا باللّفظ كما أوجب في الأولى.
الوجه الثالث: صفة تفيد الإضافة والنّسبة وذلك كقولك: هاشميّ وبصريّ ودار زيد، وغلام عمرو، فباتّصال الياء المشدّدة بالاسم صار صفة بعد أن كان علما أو غير صفة.
الوجه الرّابع: صفة تفيد وجود الموصوف بها يجري عليه هذه الصفة ويرجع إلى غيره وهذا كوصف الاعتقاد بأنه علم أو جهل، أو تقليد أو ظن. ووصف العلم بأنه غم أو سرور.
[ ٩٠ ]
ووصف السّهو بأنه نسيان، وكوصف الكون بأنه حركة أو سكون، أو مجاورة أو مفارقة، وكوصف الحروف بأنّها كلام والكلام بأنه خبر أو أمر أو نهي. ووصف الإرادة بأنّها عزم أو قصد أو خلق وكذلك جميع ما يجري. والاشتراك في هذه الصّفات يوجب اشتراك الموصوفين بها فيما أفادته دون غيرها مما يجري مجرى تماثل ذواتها واختلافها.
الوجه الخامس: صفة تفيد كون الموصوف بها على حال من الأحوال وهذا كوصف الشّيء بأنه معدوم أو موجود، أو حي، أو قادر أو عاجز أو معتقد، أو عالم أو جاهل، أو ساه أو مريد، أو كاره أو سميع أو بصير. وعلى الأحوال التي إذا كان عليها إدراك المدركات يسمّى به الشّيء لتهيأ ذكره والإخبار عنه وهو قولهم شيء ونفس وعين وذات. وكذلك الأسماء المضمرة والمبهمة نحو هو وأنت، وذلك وهذا والهاء في ضربته والياء في ضربني.
وفرّقوا في بعضها بين المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع. وهذه الصّفات والأسماء التي نوّعناها وأشرنا إليها مقتسمة بين الحقيقة والمجاز، وسنبيّن كيفية وضعها واستمرارها أو انقطاعها في البابين إن شاء الله تعالى.