قال الأصمعيّ: إنّ الأوطان والمراتع تختلف في هذا الباب اختلافا شديدا لأنّ منها ما يطول بقاء الرّطب ودوام الماء فيه. ومنها ما يقصر ذلك فيه.
ومن المراتع أيضا مسهفة معطشة. ومنها مرواة، ولذلك تراهم يختلفون في ذكر هيج النّبات وفناء المياه، فيأتي توقيت زمانه مقدّما ومؤخرا، ويحضر قوم ويبقى قوم في النّجعة، وربّما وجدت السّائمة متعلفا من بقايا الرّطب في مثاني الأرض، ومحاني الأودية، وأعماق البطون، وأقام الحيّ يستحلف لهم من الاعداد على الزّوايا فيؤتون بالماء إلى مباديهم حتى يستنفدوا الرّطب فيكون حضورهم إذا لم يجدوا له مدفعا، ولا يجدون إلى الأجزاء سبيلا.
واعلم أنّ المراعي تنقسم قسمين: خلّة وحمضا، فالحمض ما كانت فيه ملوحة والخلّة ما لا ملوحة فيه. والحمض: يرخي بطون الإبل ويعنق لحومها، ويطيل أوبارها وينفشه، ويغلظ ويكثر عليه شربها.
والخلّة على خلاف ذلك، والخلّة للإبل كالجز، والحمض كالأدم، فإذا عافيت بينهما كان ذلك أفضل ما يكون.
وإذا أخضب النّاس قيل: أحيوا الحيوان أحياء، والحياء الخصب، وجمع الخصب أخصاب، وجمع الحياء أحياء، وأنشد الأصمعيّ في جمع الخصب:
كأنّما يزينه الإخصاب بالمعر الحمر.
وهذا عام: حياء- وعام أوطف- وأعزل- وأقلف- وغيداق- وعام فنق- وكلّ ذلك معناه الخصب قال. لم ترج رسلا بعد أعوام العنق. فإذا كان عاما مشهورا بالخصب قيل له:
عام المال. قال:
[ ٣٥١ ]
رآني تجاذيب الغداة ومن يكن فتى قبل عام الماء فهو كبير
ويقال: ربع الرّبيع، ونحن في ربيع رابع، والنّاس في الرّغد، والرّغد وقد أرغدوا وهم في رفاهة ورفاهية ورفهفية، وبلهنية، ورخاخ من العيش، ورخاء ورفاغة وفي عيش دغفل، وغدفل وأغضف وغاضف، وهم في مثل حدقة البعير وفي مثل الحولاء.
وذلك إذا كانت الأرض مخصبة معشبة وفي عيش إبله وأهيغ كلّ ذلك الخصب وهذا بلد خصيب وخصيب وخصب. وإذا كان ذلك عادته فهو مخصاب.
ويقال: أرتع القوم إذا رتعوا في خصب وتحقيقه: نالوا مرتعا. وأفتق القوم إذا أعشبوا، وأسمنوا وإذا أجدب النّاس قيل: أسنتوا وهذا عام سنة. ومما حكي: الأرض وراءنا سنة، وأرضون سنون أي مجدبات.
وكذلك محول وأرض محل وممحلة وأمحلت ومحلت، وبلد ممحل وما حل وأصابتهم أزبة وأزمة- ولأواء ولولاء- وشصاصاء- وفحمة وحجرة. ويقال: أحجر عامنا إذا قلّ مطره قال:
إذا الشّتاء أحجرت نجومه واشتدّ في غير ثرى أزومه
ويقال: أصابتهم كلبة الزّمان، وهلبة الزّمان، والسّنة القاوية القليلة الأمطار وقد قوي المطر، والعام الأبقع الذي قلّ مطره.
ويقال: سنة سنواء، وأرض بني فلان جرز، ومجروزة وجرزات وفل ومخرجة وبقعاء.
ويقال: لم يصبها قابة أي قطرة، وإذا أخطأ الأرض الوسميّ كلّه وصدر الولي ففي ذلك الشتاء بكلبه وإصراده، فذلك المحل لا شكّ فيه المجلى، وهذا المعنى عبّر عنه الشّاعر في قوله:
إذا غرد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشّاء والحمرات
وذلك أنّ المكاء لا يعدن بغير الرّياض، ولا يقيم إلا في معاشيب الأرض وفيها تبيض وتفرخ وتزقو وتغرّد. وقد بيّن الرّاعي، فقال: يفضل الإبل على المعزى والحمر.
إنّا وجدنا العيس خير بقية من الفقع أذنابا إذا ما اقشعرّت
ينال جبالا لم ينلها جبالها ودوّية ظمآى إذا الشّمس ذرّت
مهاريس في ليل التّمام نهته إذا سمعت أصواتها الجنّ فرّت
[ ٣٥٢ ]
يعني بالفقع أذناب المعزى، يقول الإبل: تستطيع أن تنال من البلاد ما لا تستطيعه الغنم، ويصبر على الظمأ وقال جندل الطّهوي يصف عيرا:
رعى جماد ثادق فالقر قره أزواج مزه زخري الزّهرة
حتى إذا ما الهيف حتّ تمره وأسبلت بعد الجناه الهيشرة
وودّع العشّ فراخ الحمرة ونشر اليسروع بردي حبرة
وظهرت ذات العشاء الحشرة ونقض الفقع فأبدى بصرة
وقام للجندب ظهرا صرصرة شدّ على أهل الورد ميزرة
أراد بالأزواج الألوان من النّبات والمزهي: ذو الزّهو والهيشرة نبت، ويعني ببردي حبّرة جناحيه لأنّه يسلخ فيصير فراشة في آخر الرّبيع وإنمّا ظهرت الحشرة ذات العشاء لبرد اللّيل. وإنّ حرّ النّهار كان مانعها من الانتشار، والفقع ضرب من الكماة أبيض، فإن استبشر في أول الزّمان، وإلّا شقّ الأرض عن نفسه، وظهر ثم يصفر إذا تطاولت به الأيام واشتدّ الحر. لذلك قال السّاجع: إذا طلعت الهقعة أدرست الفقعة، وتعرض النّاس للقلعة، ورجعوا عن النّجعة، وقال الرّاعي في ظهور الفقعة من تحت التّراب:
بأرض يبن الفقع فيها قناعه كما أبتنّ شيخ من رفاعة أجلح
شبه الفقعة برأس الشّيخ لتجرّدها. وقال السّاجع أيضا في الظّعن عن البدو والرّجوع إلى الحضر: إذا طلع الشّرطان خضرت الأعطان، وطلوع سهيل وقت لأوّل التّبدي وغيبوبته وقت لأول الحضور، وهو يطلع إذا ناء سعد السّعود ويغيب قبل أن ينوء الغفر. فمدة طلوعه نحو من ثمانية عشر نوءا وذلك قريب من ثلثي السنة، ومدة غيبوبته نحو من عشرة أنواء، وهو قريب من ثلث السّنة. وقال ذو الرّمة يصف امرأة ويذكر وقت مبدئها ومحضرها شعرا:
غراء أنسة تبدو بمعقله إلى سويقة حتّى يحضر الحضرا
تشتو إلى عجمة الدّهنا ومربعها روض يناصي على ميثه العفرا
حتى إذا هزّت البهمى ذوائبها في كلّ يوم يشهي البادي الحضرا
وزفزفت للزّباني من بوارحها هيف أنشّت به الأصناع والخبرا
ردّوا لأحداجهم بزلا مخيسة قد هرمل الصّيف عن أكتافها الوبرا
وواحد الأصناع صنع، وهو محبس الماء وزفزفة الرّيح سوقه لحطام النّبت فيسمع جرسها ومعنى أنشّت أيبست، والخبرة القاع نبت السّدر، والجميع الخبر فهذا ابتداء ذكر المبدأ والمحضر وسنحكم القول فيه فيما بعد إنّ شاء الله تعالى.
[ ٣٥٣ ]