قالوا: إذا علا البخار الرّطب وبلغ إلى الموضع البارد والجبال دفعه البرد إلى أسفل، فاحتقن هناك، وصارت الجبال القريبة له كالمغارات، وتكاثفت أجزاؤه فيكون منه السّحاب والضّباب والنجدى، على قدر اختلاف البخار الذي يصعد.
فإذا اجتمع ذلك البخار الرّطب هناك حصر ما فيه من البخار اليابس الصّاعد من الأرض معه، وإذا كان ذلك اضطرب البخاران اليابس الحار والبارد الرّطب في جوف السّحاب، فقرع السّحاب وصدعه فيكون من ذلك القرع صوت يسمى الرّعد، ويكون من ذلك التّصدع تلهّب، يقال له: البرق، وهما يكونان في وقت واحد، ولكنّ البصر ترى الألوان بلا زمان والسّمع لا يدرك الصوت إلا بزمان، وذلك الزّمان على قدر بعد السّحاب من الأرض.
فإذا كان ذلك السّحاب من الأرض قريبا تبيّن رؤية البرق، وسمع الرّعد في زمانين متقاربين. وإذا كان السّحاب بعيدا من الأرض كان بين رؤية البرق وسماع الرّعد زمان طويل. وشبّه ذلك الصّوت الذي يكون من السّحاب بالحطب الرّطب الذي تشتعل فيه النّار
[ ٣٣٩ ]
فيسمع له صوت وقرقعة، فعلى قدر كيفية السّحاب وكيفية البخار الحار اليابس المختنق فيه، يكون ذلك الصّوت الذي هو الرّعد والضوء الذي هو البرق.
فأمّا اختلاف ألوان السّحاب فعلى قدر عمل الحرارة: فإن كانت الحرارة قد عملت فيه عملا شديدا رؤي لون السّحاب أسود، وإن كانت قد عملت فيه عملا قليلا رؤي السّحاب أبيض، وإن كان فيما بينهما رؤي أحمر أو أصفر على قدر عمل الحرارة فيها لأنّ الحرارة تحرق الأجسام فتكون ألوانها على حسب إحراقها.
وأما صغر قطر المطر وكبره: فعلى قدر شدّة دفع الرّيح السّحاب وضعفه: فإن دفعته دفعا شديدا اجتمعت أجزاؤه، فكان منه قطر كبار. وإن دفعته دفعا ضعيفا كان منه قطر صغار.
وأمّا اختلاف ألوان البرق فعلى قدر السّحاب الذي يتصدّع، فإنّ البرق أيضا مختلف اللّون، فربّما كان إلى السّواد ما هو، وربّما كان إلى الصّفرة ما هو، وإلى الشّقرة، وذلك كلّه على قدر كيفية السّحاب، فهذا ما في الرّعد والبرق والسّحاب.
فأمّا الصّاعقة في اللغة فهي الواقع الشّديد من صوت الرّعد يسقط معه قطعة من نار، وصوت العذاب أيضا. وقد صعقتهم السّماء وأصقعتهم، ويقال: صعق إذا أغمي عليه من صوت يسمعه ومات أيضا، ويقال: صعق وهو صعق الصّوت أي شديده، والمصدر الصّعق والصّعاق. قال إذا ائتلاهنّ صلصال الصّعق. وفي القرآن: وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا
[سورة الأعراف، الآية: ١٤٣] أي مغشيا عليه بدلالة قوله: فلما أفاق.
وقال الخليل: الصّاعقة: صوت العذاب. وقال بعضهم: نار ريحيّة وريح ناريّة وذلك أنّها إذا وقعت في الخشب أحرقته وأشعلته. وإذا وقعت على ذهب أو فضة أحمته وأذابته.
وهذا الفعل من أفعال النّار. قال: فيقول: إنّها وإن كانت نارا فليست بالنّار الحرية بل هي نار لهبانيّة. وذلك أنّها إذا سقطت على الأرض لم يوجد جمرها بل يرى ذلك الموضع الذي تقع فيه الصّاعقة كثير الدّخان متصدّعا. وهذه من خواص النّار والرّيح، والصّاعقة أيضا ألطف من جميع النّار اللهبانية التي عندنا، وذلك أنّ النّار التي عندنا لا تنفذ في الحيطان ولا في الأرضين. والصّاعقة تنفذ في كلّ جوهر محسوس، وهي لا تبصر لأنّها بلطافتها تفوت أبصارنا، لكنّ أفعالها تبصر، ولسرعة حركتها تجاوز الوقت الذي يمكن أن يكون فيه البصر.
والصّاعقة تكون لعلّتين: إمّا لاكتمان النّار في الغمام وإفلاتها بغتة، وإمّا لا كتمان الرّيح في الغمام واحتكاكها به وشدّة خروجها بغتة، وفي مجيئها إلى الأرض تصير نارا، كما ترى ذلك في الرّصاص إذا رمي بالمقلاع، فإنّه يسخن بمحاكّة الهواء ويلتهب ويذوب.
[ ٣٤٠ ]