اعلم أنّ أنواع الضّلال ثلاثة: المعاندة والحيرة والجهالة.
فالمعاندة على الإطلاق ينبغي أن لا يحصل لأحد منّا علم حقيقي ولا معرفة تفضي إلى يقين، وإنما هي ظنون وخواطر لا تسكن النّفس إليها، وتسميتنا لها ولأمثالها بالعلوم توسع ومجاز. والوجه في مدافعتهم أن يقال لهم: أتقولون ما ذكرتم عن خلوص علم، أو تسلط ظن؟ فإن ادّعوا العلم فقد ناقضوا، وإلّا حصلوا على عناد، وقد ذكر أبو عثمان الجاحظ في الكفار الذين قتلهم النبي ﷺ أنّهم كانوا عارفين بالله معاندين.
واعترض عليه فقيل: إنّ العناد يجوز على العدد اليسير، فأمّا الجماعة الكثيرة فلا يصح عليها ذلك، ونحن نعلم من أنفسنا وقد كنا على مذاهب فتركناها لفسادها أنّا لم نكن في حال اعتقادنا معاندين ولا كاذبين لأنفسنا، وإنّما تركنا الاستدلال، فكذلك أولئك الكفار قد علموا فيما أظهره النبي ﷺ أنها معجزات، لكنهم تركوا الاستدلال بها على ثبوته وصدقه.
والمتحيرون هم الذين يزعمون أنّ العلم بالمحسوسات قد يصح، ولكن ما عداها مما يحال فيه على العقل نحن شاكون فيه ومتوقفون، والكلام عليهم طريقه أن تقلب عليهم نفس ما أوردوه فيقال: تدفعون مقتضيات العقول بالمشاهدات أو بحجج العقول ولا فلاح لهم أي الطّريقين سلكوا.
[ ١٠٨ ]
والجاهلون الملاحدة والخارجون من نور التّوحيد والاستقامة إلى ظلمة الشّرك فرق، والضّلالة في عددهم في ازدياد ووفور، وإفسادهم وجوه وفنون وقد فسّرت فقيل: ربما كانت من الحضانة والتربية وقلة الخواطر وغباوة الخليط وجهد المجاورة، وربّما كان من تعظيم الأسلاف، أو من وجه الآلاف، أو من غباوة الدّاعية ونسل صاحب المقالة، وكونه صاحب سن وسمت وإخبات وطول صمت، ولله تعالى الحجّة البالغة عليهم، وعلى طوائف المبتدعة من أهل الصّلاة على اختلاف أهوائهم، وسيعلم الجافي على نفسه كيف ينقلب وقد فاته الأمر. ذكر بعضهم حاكيا عن قوم من الأوائل، أنّ الدّهر والخلاء قائمان في فطر العقول بلا استدلال، وذاك أنه ليس من عاقل إلا وهو يجد ويتصور في عقله وجود شيء للأجسام بمنزلة الوعاء والقراب، ووجود شيء يعلم التقدم والتأخّر، وأنّ وقتنا ليس هو وقتنا الذي مضى، ولا الذي يكون من بعد بل هو شيء بينهما، وأن هذا الشيء هو ذو بعد وامتداد.
وقال: قد توهم قوم أنّ الخلاء هو المكان، وأنّ الدّهر هو الزّمان، وليس الأمر كذلك بإطلاق، بل الخلاء هو البعد الذي خلا منه الجسم، ويمكن أن يكون فيه الجسم، وأمّا المكان فالسّطح المشترك بين الحاوي والمحوى، وأما الزّمان فهو ما قدرته الحركة من الزّمان الذي هو المدة غير المقدرة، فصرفوا معنى الزّمان والمكان المضافين إلى المطلقين، وظنوا أنهما هما والبون بينهما بعيد جدا، لأنّ المكان المضاف هو مكان هذا المتمكّن وإن لم يكن متمكنا لم يكن مكانا، والزّمان المقدّر بالحركة يبطل أيضا ببطلان المتحرك ويوجد بوجوده، إذ هو مقدر حركته، فأمّا المكان بإطلاق فهو المكان الذي يكون فيه الجسم وإن لم يكن، والزّمان المطلق هو المدة قدّرت أو لم تقدّر، وليس الحركة فاعلة المدة بل مقدرته، ولا المتمكّن فاعل المكان بل الحال فيه، قال: فقد بان أنهما ليسا عرضين بل جوهرين لأنّ الخلاء ليس قائما بالجسم لأنه لو كان قائما به لبطل ببطلانه، كما يبطل التّربيع ببطلان المربّع.
فإن قال قائل: إنّ المكان يبطل ببطلان المتمكن قيل له: أما المضاف فإنّه كذلك لأنّه إنما كان مكان هذا المتمكّن، فأمّا المطلق فلا، ألا ترى أنا لو توهّمنا الفلك معدوما لم يمكنا أن نتوهم المكان الذي هو فيه معدوما بعدمه، وكذلك لو أنّ مقدرا قدّر مدة سبت كان، ولم يقدر مدة يوم آخر، لم يكن في ترك التقدير بطلان مدة ذلك اليوم الذي لم يقدر، بل التّقدير نفسه، فكذلك ليس في بطلان الفلك أو في سكونه ما يبطل الزّمان الحقيقي الذي هو المدة والدّهر، فقد ينبغي أنهما جوهران لا عرضان، إذ كانا ليسا بمحتاجين إلى مكان ولا إلى حامل فليسا إذا بجسم ولا عرض، فبقي أن يكونا جوهرين.
وزاد على هذا الوجه الذي حكيناه بعضهم فقال: طبيعة الزّمان من تأكيد الوجود في
[ ١٠٩ ]
ذاتها وقوّة الثّبات في جوهرها، بحيث لا يجوز عدمها رأسا ولم تكن قط معدومة أصلا، فلا بدء لها، ولا انتهاء، بل هي قارة أزلية.
ألا ترى أنّ المتوهّم لعدم الزّمان لم يخلص له وهمه إلا إذا ثبت مدة لا زمان منها، والمدة هي الزّمان نفسه، فكيف يوهم عدم ما تأكّد لزوم جوهره؟ ويفني العقل الصّحيح تصور عدمه وتلاشيه؟ أو كيف يسوغ إلحاق عدمه بالممكنات؟! ووجوده من الواجبات الأزليات؟ فهذا ما حكي عن الأوائل. وابن زكريا المتطبّب يحوم في هذيانه عند حجاجه حول ما ذكرناه عنهم ولم يبين بيانهم ولا بلغ غايتهم، فلذلك جعل تابعا لهم وإذ قد أتينا على مآلهم بأتم استقصاد، فإنّا نشتغل بالكلام عليهم، وإن كان فيما قدّمناه قد صورنا خطأهم تصويرا يغني عن مقايستهم ومحاجّتهم.
ذكر بعض المنطقيين أنّ الزمان في الحقيقة معدوم الذّات، واحتج بأنّ الوجود للشيء إمّا أن يكون بعامة أجزائه كالخط والسّطح أو بجزء من أجزائه كالعدد والقول، وليس يخفى علينا أنّ الزّمان ليس يوجد بعامة أجزائه إذ الماضي منه قد تلاشى واضمحلّ، والغابر منه لم يتمّ حصوله بعد وليس يصح أيضا أن يكون وجوده بجزء من أجزائه إذ الآن في الحقيقة هو حدّ الزّمانين وليس بجزء من الزّمان، وكيف يجوز أن يعد جزءا ولسنا نشك أنّ حقيقة الجزء هو أن يكون مقدارا له نسبة إلى كلّه، كأن يكون جزءا من مائة جزء، أو أقل أو أكثر، فأما أن يتوهّم جزء على الإطلاق غير مناسب لكلّه فممتنع محال وليس الآن في ذاته بذي قدر مناسب لما يفوض من الزّمان الآتي والماضي، ولو وجد له قدر ما لصلح أن يجعل قدره عيارا يمسح به الكلّ حسب جواز ذلك على كافة ما يعد جزءا من الشّيء وإذا لم يكن الآن في جوهره ذا مقدار أصلا، والجزء من الشيء لا يجوز أن يعرى من المقدار، فليس الآن بجزء من الزّمان، وإذا كان الأمر على ذلك فالزّمان إذا ليس يصح وجوده لا بعامة أجزائه ولا ببعض أجزائه، وإن شيئا يكون طباعه بحيث لا يوجد بأجزائه كلّها ولا ببعض منها فمن المحال أن يلحق بجملة الموجودات، وإذا كان ذات الزّمان غير موجود أصلا فليس بجائز أن نعده في الكميات، فإنّ ما لا وجود له لا آنية له، والذي لا آنية له لا يوصف بوقوعه تحت شيء من المقولات.
وقولهم في الزّمان هو المدة التي تفهم قبل وبعد أجلها، فإن كان المراد أنّ قول القائل: قبل وبعد يفيد أنّ تقدّم المذكور وتأخره من غير أن ثبت بهما جوهران ليسا بجسم، ولا يفنيان ولا يجوز أن يخلق الله شيئا من دونهما فهو صحيح، ويكون سبيلهما سبيل لفظ مع إفادتهما معنى الصّحبة إذا قلت زيد مع عمرو، وكما تقول للأعيان أحوال ثم لا تصفها بأكثر من تميز بعضها عن بعض بها، وإن أريد بقبل وبعد غير ذلك فقد تقدّم القول في بطلانه
[ ١١٠ ]
وبطلان ما قالوه في الخلاء والمكان، على أنا نقول معيدين عليهم إن أردتم أنّ المكان يكون المتمكّن وإن لم يوجد الجسم لم يوجد المكان لأنه قائم بالجسم، وليس بشيء ذي وجود في نفسه فهو صحيح، وإن أردتم للمكان جوهرا يبقى إذا ارتفع المتمكن، وأنّ الذي بطل بارتفاعه هو النّسبة إليه والإضافة، ويبقى المكان المطلق مكانا كما كان وهو الخلاء الفارغ وليس فيه جسم فهذا إحالة على شيء لا الإدراك يثبته ولا الوهم يتصوّره. فإن قالوا: المكان حينئذ يكون مكان ما يمكن أن يكون فيه كالزّق الخالي من الشّراب، فإنّه مكان الشّراب الذي يمكن أن يكون فيه.
قلنا: صور في وهمنا من الخلاء مثل ما نتصوّره إذا توهّمنا الزّق والشّراب وذلك مما لا يقدرون عليه، لأنّ كلامهم فارغ لا يفضي إلى معنى محصل، وأيضا فإنّ الأجسام لا يخلو من أن تكون ثقيلة فترسب، أو خفيفة فتطفو، والخلاء عندهم ليس بثقيل ولا خفيف، فيلزمهم أن يكون النقطة هي الخلاء لأنّها ليست بثقيلة ولا خفيفة، ويلزمهم على قولهم بأن المتحرك لا يتحرك إلا في الخلاء أن يتحرك أبدا ولا يستقر إذا لم يوجد شيء يضاده أو يسكن دائما فلا يتحرّك إذ لا سبب هناك يوجب تحركه، أو إذا تحرّك في الخلاء أن يتحرك إلى جميع الجهات ولا يختص بجهة دون جهة لأنّ الخلاء كذلك. فإن قالوا: إن الذي تسميه خلاء هو الهواء، أسقط قولهم بأن الهواء يقبل اللّون ويؤدي الصّوت والخلاء ليس كذلك وهذا بيّن.
وأعجب من هذا أن الباري مخترع لجميع ما خلقه وأنه لا يعجزه مطلوب ولا ينكاده معلوم، ثم أقاموا معه في الأزل الهيولى وهو المادة، ورتّبوا معه الصورة ليكون جميع ذلك كالنّجار والخشب والنّجارة والله تعالى يقول: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصلت، الآية: ٩] إلى قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصّلت، الآية: ١٢] ولم يقل ذلك إلا وأهل العلم إذا فكّروا فيه أدركوا منه الآية البيّنة والحجّة الواضحة، وبيّنوا أنه ليس في العالم شيء إلا وهو منتقص غير كامل، وذلك هو الدّليل على أنه مقهور لا يستغنى به، ولا بدّ له من قاهر لا يشبهه ولا يوصف بصفاته على حدّها، لأن ذلك آية الخلق وآية الخلق لا تكون في الخالق.