قال أبو الحسين الصّوفي هذا الذي يذكرونه في الضّيقة وأنّ القمر ربما قصر فنزل بها غلط، لأنّ كواكب الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور، وهذان الكوكبان في أربع وعشرين درجة ونصف منه، وبين الثّريّا وبينهما نحو تسع درجات، وأبطأ ما يكون سير القمر في يوم وليلة، وأبعده نحو إحدى عشرة درجة، وإنّما سمّيت الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران الضّيقة، لأنهم يستعملون طلوعها وسقوطها في المغرب بالغدوات عند طلوع رقبائها، وظهورها من تحت الشّعاع، ورقيب كلّ واحد منهما هو الخامس منه، ولا يستعملون طلوعهما. ووسط الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور والدّبران في خمس وعشرين درجة منه وبينهما بدرجات البروج عشر درجات، لكنّ عرض الثّريّا في الشمال عن درجتها أربع درجات ودقائق. وعرض الدّبران في الجنوب خمس درجات.
ومن شأن الكواكب الشّمالية أن تطلع قبل طلوع درجتها وتغيب بعد مغيب درجتها، والجنوبيّة تطلع بعد طلوع درجتها، وتغيب قبل مغيب درجتها، فتطلع الثّريّا كذلك مع ثلاث عشرة درجة من الثّور بالتّقريب ويطلع الدّبران مع سبع وعشرين درجة منه، فيكون بين طلوع الثّريّا وطلوع الدّبران أربع عشرة درجة بالتّقريب، وتغيب الثّريا مع سبع عشرة درجة من الثّور لا تغيب بعد درجتها. ويغيب الدّبران مع ثلاث وعشرين درجة منه، لأنّه يغيب قبل درجة، فيكون بين مغيب الثّريّا ومغيب الدّبران ست درجات بدرجات البروج.
فلمّا وجدوا بين غروب الثّريّا وغروب الدّبران هذا القدر، سمّوا الفرجة بينهما بضيقة، واستخشوها واستخشوا الدّبران أيضا مفردا وتشاءموا به حتى قالوا: إنّ فلانا أشأم من حادي النّجوم، ويتشاءمون أيضا بالمطر الذي يكون بنوئه ويزعمون أنّهم لا يمطرون بنوء الدّبران إلّا وتكون سنتهم جدبة.
قال أبو زيد وقطرب جميعا: وهذه حكاية عن القشريين، قالوا: أوّل المطر الوسمي، وأنواؤه العرقوتان، المؤخّرتان من الدلو ثم الشّرط بتسكين الراء ثم الثّريّا وبين كلّ نجمين نحو من خمس عشرة ليلة ثم الشّتوي بعد الوسمي وأنواؤه الجوزاء ثم الذّراعان ونثرتهما ثم الجبهة وهو آخر الشّتوي وأوّل الدفيء، ثم الدفيء وأنواؤه آخر الجبهة، ثم الصّرفة وهي
[ ١٤٦ ]
فصل بين الدّفيء والصّيف وأنواؤه السّماكان الأوّل الأعزل والآخر الرّقيب، وما بين السّماكين صيف أربعين ليلة. ثم الحميم وهو نحو من خمس عشرة ليلة إلى عشرين عند طلوع الدّبران وهو بين الصّيف والخريف وليس له نوء. ثم الخريف وأنواؤه النّسران، ثم الأخضر ثم عرقوتا الدّلو الأوليان ولكل مطر من الوسمي إلى الدّفيء ربيع.
وإنّما هذه الأنواء في غيبوبة هذه النّجوم. قالوا: فأوّل القيظ طلوع الثّريّا وآخره طلوع سهيل. وأوّل الصفريّة طلوع؟ وآخره طلوع السّماك. وفي أول الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها وبردها، وتسمّى المعتدلات. ثم أوّل الشّتاء طلوع السماك وآخره وقوع الجبهة، وأوّل الدفيء وقوع الجبهة وآخر الصّرفة، وأول الصّيف السّماك الأعزل وهو الأول وآخر الصّيف السّماك الآخر، الذي يقال له الرّقيب، وبينهما أربعون ليلة أو نحوها انتهت الحكاية.
قال ابن كناسة: أعلم العرب بالنّجوم بنو مارية من كلب، وبنو مرة بن همام من بني شيبان، وذكر عنهم أنّ أول الأنواء الدّلو، ونوؤه محمود، وهو أوّل الوسمي ثم بطن الحوت ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه، ثم الشّرط محرك الراء ويثنّى ويجمع عرفها يونس وغيره وقال:
ولا روضة غنّاء غضّ نباتها يجود بشتياها لها الشّرطان
وقال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي من الرّبيع انقضّ أودلوي
وقال ذو الرمة:
قرحاء حواء أشراطية وكفت فيها الرّباب وحفّتها البراعيم
قوله: حواء يريد هي من الخضرة سوداء، وجعلها قرحاء لأنوارها، جعلها كقرحة الفرس، ونوؤه محمود. ثم البطن وبعضهم يقول: البطين ونوؤه غير محمود، ولا مذكور، ثم الثّريّا ونوؤه مقدّم في الحمد، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا طلعت الثّريّا ارتفعت العاهة» . ولذلك لا يقبل بالحجاز قول من ادّعى عاهة في ثمرة اشتراها بعد طلوع الثّريّا. ثم الدّبران وهو مكروه النّوء؛ ثم الهقعة ولا يذكر نوؤه منفردا، فهذه منازل كلّ الوسمي وهي خمسة فليس قبل الفرغ المؤخر وسمي، ولا بعد الثّريّا وسمي، وهي أوّل أنواء الخريف.
وسمّوا النّوئين الباقيين وليا، وهما الدّبران والهقعة.
ثم أوّل الرّبيع وأنواؤه سبعة: الأربعة الأولى شتية وهي الهنعة ونوؤه لا يذكر، والذّراع ونوؤه مقدم مذكور، والنثرة ونوؤه محمود، والطّرف ونوؤه لا يفرد بالذكر، والثّلاثة الباقية
[ ١٤٧ ]
دفيئة، ويقال الدثية وهما بمعنى كما يقال اللغام واللثام، وسميّت بذلك لأنها في دبر الشّتاء.
وابتداء الدفء وهي الجبهة ونوؤها من أذكر الأنواء وأشهرها وأحبّها إليهم وأعزّها فقدا.
والزّبوة وقلّما يفرد نوؤه، والصّرفة وغلبت أنواء الأسد عليها وإنما سمّيت صرفة لانصراف الشّتاء فهذه منازل كلّ الرّبيع.
ثم الصّيف وأنواؤه سبعة: فالخمسة الأولى منه صيف، والنوءان الآخران الباقيان حميم وسمّي حميما لأن أمطارها تجيء وقد تحرك الحر، فأوّلها العوّاء وبعض العرب يمدّه فيقول العواء، ونوؤها ليلة. ثم السّماك ونوؤه من الأنواء المذكورة المحمودة، ولذلك قال الشاعر: أجش سماكي كان ربابه، ثم الغفر ولا يذكر نوؤه وقيل لا يعدم نوؤه. ثم الزّباني، ثم الإكليل، ثم القلب، ثم الشّولة وأربعتها لا تذكر أنواؤها، وربما ذكرت العرب مجملة، فهذا كلّه الصّيف.
ثم الخريف: وهو فصل القيظ وأنواؤه سبعة والأربعة المتقدّمة رمضيّة وشمسيّة لشدّة الحر، والثّلاثة الباقية خريفية، وأول أمطاره في كلام أهل الحجاز وتميم الحميم، فأوّله النعايم- ثم البلدة- ثم سعد الذّابح- ثم سعد بلع- ثم سعد السّعود- ثم سعد الأخبية. وهذه الستّة لا ذكر لأنوائها ولا مبالاة لأخواتها. وسمّيت خريفيّة لأنّها تجيء والثّمار تخترف في أيّامها. ثم مقدم الدّلو ونوؤه من الأنواء المشهورة ويقال: الفرغ المقدّم أيضا لأنّها مقدّمة ما بين الوسمي وموطئ له وفرط، فهذه منازل كلّ الحميم.
وبعد هذه الأربعة ستة سعود متناسقة في جهة الدلّو، وليست هي من المنازل. أوّلها سعد ناشره وهو أسفل من سعد الأخبية ويطلع مع الشّرطين. ثم سعد الملك، ثم سعد الهمام، ثم سعد البارع، ثم سعد مطر، وكلّ سعد منها كوكبان في رأي العين قدر ذراع كنحو ما بين سعود المنازل.