وأمّا النّجوم الخنّس الجواري الكنّس: فمعنى الخنّس أنّها تخنس أي ترجع ومعنى الكنّس أنّها في بروجها كالوحش تأوي إلى كنسها، وهي سبعة مع الشّمس والقمر سيّارة غير أنّ بعضها أبطأ سيرا من البعض، فكلّ ما كان فوق الشّمس فهو أبطأ من الشّمس، وما كان
[ ٢٣٦ ]
دون الشّمس فهو أسرع من الشّمس بينا ترى أحدها آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، ولذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا وإنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها، وذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس، وتصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب فترى كذلك حينا ثمّ تكرّ راجعة نحو الشّمس حتى تجاوزها فتصير بين يديها، فتظهر حينئذ في الشّرق بالغدوات. وهكذا هي أبدا، فمتى ما ظهرت في المغرب فهي مستقيمة، ومتى ما ظهرت في المشرق فهي راجعة وكل شيء استمرّ ثم انقبض: فقد خنس، كما أنّ كلّ شيء استتر فقد كنس.
زحل «١»: واشتقاقه من زحل مزحلا إذا بعد، ويقال: زحلت النّاقة إذا تباطأت في سيرها وتأخرت وهو معدول عن زاحل وزاحل معرفة.
المشتري «٢» وهو من شرى البرق إذا استطار لمعانا، ويقال: شرى وشرى ومنه استشرى غيظا ويقال: شرى يشرى إذا لجّ وتشدّد ومنه سميت الشّراة لتشدّدهم في الدّين.
وقال بعضهم: إنما تسمّوا بالشّراة ذهابا إلى قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[سورة التوبة، الآية: ١١١] .
المريخ «٣»: فقيل من المرخ كأنّه يوري نارا لأنّ المرخ شجر سريع الوري ومن أمثالهم: في كلّ شجر نار. واستمجد المرخ والعفار، ويجوز أن يكون سمّي به لبعد مذهبه، ومنه المرّيخ السّهم الخفيف الرّبع قذذ يجعل للغلاء وهو بعد الرمي ويقال: هو من غلوة السّهم.
الشّمس «٤»: قال الخليل: الشّمس عين الضح. وبه سمّيت معاليق القلادة وقيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة وإن كانت سعدا في النظر ومنه شمس لي فلان إذا ظهرت عداوته.
[ ٢٣٧ ]
الزّهرة «١»: بفتح الهاء من الشّيء الزّاهر، ويكون من الحسن والبياض جميعا. والزّهور تلألؤ الشّمس. ومنه قولهم: زهرت بك زنادي.
عطارد «٢»: من الاضطراب: لأنّه في مرأى العين كأنه يرقص وهو من قولهم: شاء عطرد أي بعيد وكذلك سفر عطرد، ويجوز أن يكون سمّي به لأنّه لا يفارق الشّمس فكأنّه عدّه لها، والعطردة العدة يقال: عطرد هذا عندك، أي عدة.
القمر: من القمرة وهي البياض، ويقال: تقمرت الشيء إذا طلبته في القمراء. وقال أحمد بن يحيى: إنمّا سمّي القمر (ساهورا) لأنه يخسف بالسّاهرة، والسّاهرة الأرض، قال الله تعالى: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
[سورة النازعات، الآية: ١٤] أي أرض القيامة، وذلك أنّ القمر خسوفه بظل الأرض وحجزها بينه وبين الشّمس. وقال قطرب: بهور القمر علوّه في الظّهور وأنشد:
إذ فارس الميمون يتبعهم كالطّلق يتبع ليلة البهر
(والكوكب الدّرّي) منسوب إلى الدّر لضيائه، وإن كانت الكواكب أكثر ضوءا من الدّر كأنه يراد: يفضل الكواكب لضيائه كما تفضل الدّر سائر الحب ودري بلا همزة وبكسر أوّله حملا على وسطه وآخره لأنّه تثقل عليهم ضمة بعدها كسرة. وما آن كما قيل كرسي في الكرسي ودرّي فقيل من النّجوم الدّراري التي تدرأ: أي ينحط ويسير متدافعا. يقال: درأ الكوكب إذا تدافع منقضا فيضاعف ضوؤه ولا يجوز أن يضم الدّال ويهمز، لأنّه ليس في الكلام فعيل.
ومثال: درّي فعلي منسوبا إلى الدّر ويقال: درأ بضوئه يدرأ درأ ودروا ودرأت له بساطا: أي بسطته، ويجوز دري إذا جعلته منسوبا إلى إندر، فيلحقه تغيّر النّسبة، لأنّ النّسبة تغير لها الكلمة كثيرا، ويقال: كسفت الشّمس وكسفها الله وخسف القمر وخسفه الله، وطلعت الشّمس، ونجم النّجم وغربت الشّمس وصغا القمر وخفق النّجم وصغا أيضا، ويقال: تعرّضت الثّريّا في السّماء: إذا زالت عن كبد السّماء إلى ناحية المغرب، وجنحت الثّريّا قال:
وأيدي الثّريا جنح في المغارب. وقال آخر:
وكأنّ غالية تباشرها بين الثّياب إذا صغا النّجم
[ ٢٣٨ ]