قال الله ﷿: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ
[سورة الرّعد، الآية: ١٣] الآية. وفي موضع آخر: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ
[سورة البقرة، الآية: ١٩] الآية. قوله: أو كصيّب تشبيه بعد تشبيه وذلك أنّ الله تعالى شبّه أعمال المنافقين واغترارهم بما اعتقدوه من مخادعة المؤمنين في إظهار موافقتهم وإبطان مخالفتهم، وأنّ ذلك يقضي لهم بالفلاح والنّجاح فقال: مثلهم في ذلك وإن كان لا ينفعهم ولا يدفع السّوء عنهم، بل يرجع بالوبال عليهم، كمثل رجل أوقد نارا وهو يظنّ استبانة الطّريق بها، فجاءت ضعيفة في إنارتها، ولمّا أضاءت ما حولها وقدر بقاها على ما بها، خمدت فعاد وهو أسوأ حالا وأشدّ عمّى لأنّ النّاظر في ظلمة بعد ضياء أضعف تبيّنا أو مثل قوم أصابهم صيّب استصحب رعدا وبرقا ونكدا وخوفا فخشوا رهبة من صاعقة تحرقهم، وتنزل البلاء بهم وهذا القدر كاف ههنا.
وروي أنه سئل ابن عباس عن البرق، فقال: مخاريق الملائكة. وأصل المخراق خشبة في رأسها سنان عريض تحته عذبة، وكان القوم إذا انصرفوا من حرب ظافرين قدّموا بشيرا معه مخراق، ليعلم الحال به وكان يوفي على نشز بقرب منهم، ويلّوح بالمخراق، فيجتمع ولدان الحي فرحين ويقولون: مخرق المخراق في رأس اليضع، فالجيش لا شكّ كما بدا رجع، فلا يزالون كذلك حتّى تطلع عناق الخيل، فيستقبلونها مصفقين، وإذا انصرف الخيل مغلوبين، أو طلبوا مددا بعثوا رجلا وأعطوه سيفا فأوفى على النّشز وألاح بالسّيف وصوّت، ليعلم الحيّ بالحال فاجتمع الصّبيان باكين ويقولون: رأى حتفا وألاح سيفا، وهذا رواه أبو نصر عن الأصمعي رأى حيفا، قال ثعلب هذا تصحيف ما يروي الرّاوون الأجنفا، ومنه قول تأبّط شرا:
[ ٣٣٦ ]
يا نار شبّت فارتفعت لضوئها كالسّيف لاح مع النّذير المقبل
وأنشد ابن الأعرابي شعرا:
إنّي إذا ما علقت علاق وشمرّت أولادها عن ساق
شمطاء ذات مضحك براق كريهة المنظر والمذاق
وصافحت بكفّها حلّاق صار به يطعن للأرواق
أعمل خلق الله بالمخراق وبالشّهاب اللّامع الخفّاق
وبيّنات جشأ دقاق وأبسط الكفّين للعناق
وإنّما الدّولة بالأرزاق فسر المخراق منها على أنّه السّيف وعنى ببنات جشاء: النّبل، ويقال: رعدت السّماء وبرقت، ويقال: أرعدت وأبرقت أيضا، وبعضهم ينكره وينشد:
أبرق وأرعد يا يز يد فما وعيدك لي بضائر
ويقال: أرعد القوم إذا أصابهم الرّعد، وفي الرّعد الأرزام وهو صوت للرّعد غير شديد، ويقال: أرزم الرّعد. وفيه انهزم وهو اسم صوت الرّعد شديدة وضعيفة، وهو الهزيم. ويقال: تهزّم الرّعد تهزّما وانهزم الرّعد انهزاما. وفيه القعقعة وهو تتابع صوت الرّعد في شدّة، وجمعه القعاقع. وفيه الرّجس والرّجسان وهو صوت الرّعد الثقيل. يقال: رجس الرّعد والسّماء يرجس. وفيه الصّاعقة وجماعة الصّواعق، وهي نار تسقط من السّماء في رعد شديد، ويقال: أصعقت علينا إصعاقا، ويقال: صاعقة أيضا. وقال:
يحكون بالمصقولة القواطع يشقّق البرق عن الصّواعق
وذكر بعضهم البرق فقال: يلتمع الأبصار، ويهلك الغض من الثمار، ويكنع بعاع البقل، وقيل: لا يكون برق لا رعد معه إلا أن يكون رزالا يعنق السّحاب أو يكون خفوا لا يشنق، ووصف بعضهم الرّعد فقال: يرج الأرض، ويحرق الطّير، ويمرق بيضها، ويصم السّمع، ويسقط الأحبال، ويصدع القلوب. وفيه الأريز يقال: إنّ الرّعد تأرّز تأرّزا وترززت السّماء ترززا. قال:
جارتنا من وابل الأسلمي ترزرزا من وراء الأكم
رز الزّوايا بالمزاد المعصم
ويقال: جلجل الرّعد جلجلة وهو الصّوت ينقلب في جنوب السّحاب وتهزج الرّعد تهزجا وهو مثل الجلجلة، وزمزم زمزمة وهو أحسنه صوتا وأثبته مطرا، وأرنت السّماء إرنانا: وهو صوت الرّعد الذي لا ينقطع، يقال: رنّ وأرنّ بمعنى واحد وجمع.
[ ٣٣٧ ]
البروق ويقال: برقت السّماء وبرق البرق، وبرق برقا وأبرق القوم إبراقا إذا أصابهم البرق، وتكشّف البرق تكشفا، وهو إضاءته في السّماء، واستطار استطارة مثل التكشّف.
ولمع البرق يلمع لمعا ولمعانا وهي البرقة. ثم الأخرى المرّة بعد المرّة. ولمح يلمح لمحا ولمعانا مثل اللمع غير أنّ اللمح لا يكون إلا من بعيد. وتبسّم البرق تبسّما مثل التكشّف، واستوقد البرق الذي يملأ السّماء والسّلسلة برق النّهار أو برق السّحاب، وهي البرقة الضّعيفة قال:
تربعت والدّهر عنها غافل آثار أحوى برقة سلاسل
ويقال: هذا برق الخلّب، وبرق خلّب، وهو الذي ليس فيه مطر.
ويقال: خفق البرق خفقا وخفقانا وهو تتابعه، وخفا البرق يخفو خفوا وهو أن تراه من بعيد خفيا، ويقال: هو أخفى ما يرى من البرق.
ويقال: أومض البرق إيماضا، وهو الوميض وهو الضّعيف من البرق.
ويقال: سنا البرق وهو ضوؤه تراه من غير أن ترى البرق أو ترى مخرجه في موضعه، وإنمّا يكون السّنا باللّيل دون النّهار، وربّما كان بغير سحاب، والسّماء مصحية وضوء البرق مثل سناه.
وتشقّق البرق تشقّقا وهو أن تبرق البرقة فتتّسع في النّشر. وتألّق البرق تألّقا مثل التّشقق. وتكلّح البرق تكلّحا: وهو دوامه وتتابعه في الغمامة البيضاء وتلألأ تلألؤا وهو السّريع الخفيف المتتابع.
ومصع البرق يمصع مصعا: ورمح يرمح رمحا وهما سواء وهو البرق السّريع الخفيف المتقارب.
وألهب إلهابا: وهو سرعة رجعته وتداركه، وليس بين البرقين فرجة.
والعراص: الذي يلمح ولا يفتر نحو التّبسم.
وقد عرصت السماء: تعرص عرصا إذا دام برقها ورأيت السّماء عراصة.
وفرى البرق يفري: وهو تلألؤه ودومه في السّماء وكانوا يسمّون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا مستغنيين عن الرّواد لاستحكام ثقتهم.
ويقال: برق وليف إذا لمع لمعتين، وقد شبّه ذلك بلمع يدين. قال امرؤ القيس شعرا:
أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في جبي مكلّل
[ ٣٣٨ ]
وقال الهذلي:
تبسّم بعد شتات النّوى وقد بتّ أخيلت برقا وليفا
وارتعج البرق إذا تتابع لمعانه. قال أبو عبد الله: سئل بعضهم عن البرق فقال: مصعة ملك أي يضرب السّحاب ضربة فترى النّيران وأنشد:
وكان المصاع بما في الجون
ويقال: أزعج البرق وبرق مزعج قال:
سحّا أهاضيب وبرقا مزعجا تجاوب الرّعد إذا تبوّجا
والتبوّج: مثل التكشّف، ويقال: تبوّج تبوّجا.
ويقال: أخفا البرق كأقيد الطّير قال:
خفا كأقيد الطّير وهنا كأنّه سراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما
وقال عمرو بن معدي كرب: يلوح كأنّه مصباح باز. قال أصحاب المعاني: أراد مصباح رجل من بني باهلة فمصباح لا يطفأ.