أنّ النّاس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه يقال: محرّم ومحرّمان ومحاريم ومحرّمات وإنما سمّي محرّما لأنّهم كانوا يحرّمون القتال فيه وصفر وصفران وأصفار وسمّي صفرا لأنّهم كانوا يغزون الصّفرية وهي مواضع كانوا يمتارون الطّعام منها، وقيل: لأنّهم كانت أوطانهم تخلو من الألبان ومن كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء. ويقال:
صفرت عيبة الود من فلان أي خلت قال شعرا:
وإذ صفرت عياب الودّ منكم ولم يك بيننا فيها ذمام
ويقال شهر (ربيع الأول) والأوّل فمن خفض ردّه على ربيع ومن رفع رده على الشّهر.
وكذلك شهرا ربيع الأوّلان والأوّل وشهور ربيع الأوائل والأوّل- وحكي ربيعا الأول وأربعة الأول- وقالوا: أربعة الأوليات والأوّل وربيعا (الآخر) وأربعة الأواخر والآخر. وسمّيا ربيعين لارتباع القوم- أي إقامتهم. و(جمادى الأولى) وجماديان وجماديات وجماديا الأولى- وقالوا: الأوليين- وجماديات الأولى والأوّل والأوائل- و(جمادى الأخرى) والأخريين وجماديات الأخرى والآخر والأواخر. قال الشاعر:
إذا جمادى منعت درّها زان جنابي عطن مغضف
ويروى قطرها، وإنّما يصف نخلا فيقول إذا قلّت الأمطار ولم يكن عشب فزين الإبل أعطنة النّاس، فإنّ جنابي يزينه النّخل، فجعل أعطانها منابتها (والمغضف) يقال نخلة مغضفة إذا كثر سعفها. ورواه بعضهم: معصف بالعين والصّاد، يقال: مكان معصف أي كثيرة العصف وهو التّبن، والأجود الأوّل والأصح.
[ ٢٠٥ ]
(وقال البصريّون والكوفيّون) جميعا الشّهور كلّها ذكران إلّا جمادى: لجمود الماء فيها. ويقال: (رجب) ورجبان وأرجاب وأراجيب وأرجبة وسمّي رجبا لترجيبهم آلهتهم فيه، والتّرجيب: أن يعظّموها ويذبحوا عنها، وكانوا يعظّمون الشّهر أيضا وقال الشّاعر: لإبل من أجل وأرجب. ويقال له: شهر الله الأصم، ومنصل الال بعد ما مضى غير دأداء، وقد كاد يذهب، وذلك لقعودهم فيه عن الغزو والكف عن الغارة فلا يسمع فيه قعقعة سلاح، ولا تداعي أبطال، ولا استصراخ لغارة، ويقال: رجبت الأمر إذا هبته وعظّمته، ومنه قيل في المثل: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب.
وقال أبو داود: صادفن منصل آلة في فلتة فجرين سرجا. ويقال للّيلة التي لا يدري أهي من الشّهر الحرام أو الحلال فلتة. و(شعبان) وشعبانات وشعابين وسمّي شعبان لتشعّب القبائل فيها واعتزال بعضهم بعضا.
ورمضان ورمضانات ورماضين وسمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس وتناهي الحرّ فيه ويقال: هذا شهر رمضان وهذا رمضان وقال شعرا:
جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض
أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها وإلى ثغرها ومستملحين كلامها ومثل هذا قول الآخر:
ديار التي كادت ونحن على منّى تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
والمعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لولا استعجال النّاس، قال الفرّاء:
وكان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء الله تعالى، والله أعلم بهذا.
وشوّال وشوّالان وشوّالات وشواويل وسمّي بذلك لشولان الإبل بأذنابها عند اللّقاح، ويقال سمّي بذلك لأنّ الألبان تشول فيه وتقل. ويقال: شال اللّبن وشال الميزان إذا خفّا.
وذو القعدة وذواتا القعدة وذوات القعدة، سمّي بذلك لقعودهم في رحالهم لا يطلبون كلأ ولا ميرة.
وذو الحجّة وذوات الحجّة لحجّهم وقالوا: ذواتا القعدتين، وذوات القعدات وكذلك قيل في ذي الحجّة، ويقال: شهر ناجر لشدّة الحر، ومنه نجر من الماء إذا جعل يشرب فلا يروى وأنشد شعرا:
ويوم كأنّ الشّمس فيه مقيمة على البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا
[ ٢٠٦ ]
ويوم على قوسين في شهر ناجر سعيت لأصحابي وراءه منشبا
شبه وشي ردائه بأفواق النشّاب وهي السّهام. وقال الأصمعي: شيبان وملحان اسمان لشهري قماح وهما الشّهران اللّذان يشتدّ فيهما البرد، سمّي شيبان لابيضاض الأرض بالثّلج كذلك ملحان مأخوذ من الملحة وهو البياض.
وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى وجمادى الآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج وقال قولهم: مات الجندب وقرب الأشيب أي قرب الثّلج. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها لملحان أو شيبان واليوم أشهب
وذكر المفضّل: أنّ من العرب من يسمّي المحرّم (المؤتمر) والجمع مآمير ومآمر. قال الشّاعر:
لولا ايتماري بكم في المؤتمر عزمت أمري للفراق فانتظر
وقال آخر:
نحن أجزنا كلّ ذبال فتر في الحجّ من قبل وادي المؤتمر
واشتقاقه يجوز أن يكون من شيئين. (أحدهما) أنّه يؤتمر فيه الحرب قال: ويعدو على المرء ما يأتمر. والآخر: أن يكون من أمر القوم إذا كثروا فكأنّهم لمّا حرموا القتال فيه زادوا وأكثروا. ويسمّى صفر ناجرا والجمع نواجر. قال:
صبحناهم كأسا من الموت مرة بناجر حين اشتدّ حرّ الودائق
وقال الكميت:
قطع التّنائف عائدا بك في وديقة شهر ناجر
وتكون تسميتهم إيّاه بذلك من شيئين: (أحدهما) أن يكون من النّجر والنّجار وهو الأصل، فكأنّه الشّهر الذي يبتدأ به الحرب، ومنه قيل لجادة الطّريق: المنجر. قال: ركبت من قصد الطّريق منجره. (والآخر) أن يكون من النّجر وهو شدّة الحرّ فيكون وقوع حرارة الحرب والحديد فيه. ومنه قوله: كلّ نجار إبل نجارها وكلّ نار المسلمين نارها، ويسمّى ربيع الأوّل (خوان) مخفف. وقال الفرّاء: بعضهم يقول خوان والجمع أخوية وخوانات.
قال لقيط الإيادي:
وخاننا خوان في ارتباعنا فانفد للسّارح من سوامنا
وقال الآخر:
[ ٢٠٧ ]
وفي النّصف من خوان ودّ عدوّنا بأنّه في أمعاء حوت لدى البحر
واشتقاقه من الخون وهو النّقص، لأن الحرب يكثر ويشتد فيه فيتخونهم أي ينتقصهم ويسمّى ربيع الآخر (ويصان) مضموم خفيف وقال الفراء: بعضهم يقول: بصان، وبعضهم يجعل الواو أصلا فيقول: وبصان فيجزم الباء والجميع بصانات وأبصة. قال:
وسيّان بصان إذا ما عددته ويرك لعمري في الحساب سواء
واشتقاقه من الوبيص وهو البريق، أو من البصيص. وأنشد شعرا:
ويوم كأنّ النّار يوقدها له هواجر وبصان عسفت به الحرقا
على ما يرى الضّبعين يشبه دالجا أحال بدلويه على حوضه دفقا
ويسمّى جمادى الأولى: الحنين وبعضهم يقول الحننين، والجمع أحنّة. قال المهلهل:
أتيتك في الحنين فقلت رنّى وماذا بين رنى والحنين؟!
وقال:
وذو النّحب يؤويه فيوفي بنذره إلى البيض من ذاك الحنين المعجّل
واشتقاقه من الحنين لأنّ النّاس يحنّون فيه إلى أوطانهم.
ويسمّى جمادى الآخرة: رنى وورنة بجزم الرّاء. قال الفراء: هكذا السّماع لبعضهم وغيره يقول: رنة مثل ورنة، والجمع ورنات. قال:
وأعددت مصقولا لأيام ورنة إذا لم يكن للرّمي والطّعن مسلك
ومن قال: رنة قال في جمعه رنات مثل زنة وزنات، فأمّا رنى فسمّي به لأنّه يعلم فيه ما نتجت حروبهم. (والرّني) الشّاة الحديثة النّتاج، وأما رنة وورنة فمشتق من أرن يأرن، إذا نشط وتحرّك فأبدل الواو من الهمزة، وكأنّه أريد الوقت الذي يتحركون فيه للغزو، فورنة مثل وجهة، ورنة «١» مثل جهة. وقال:
مدرّج الرّيح ترّبعن ورنة إذا عاقل وصغن برومان
فالماير فلمّا دنا لهبان الشّتاء يمّمن أحرجة الحاجر.
ويسمّى رجب الأصم والجمع صم. قال:
[ ٢٠٨ ]
يا ربّ ذي خال وذي عن عمم قد ذاق كأس الحتف في الشّهر الأصم
وإنّما سمّي به لتركهم الحرب حتى لا يسمع فيه صلصلة حديد.
ويسمّى شعبان (وعلا) بكسر العين والجمع أوعال. قال الفرّاء: وبعضهم يقول وعلان. ويقال وعل أيضا، وهو الملجأ، يقال: مالي عنه وعل: أي ملجأ، ولم أجد إليه وعلا، أي سبيلا، وكأنّه سمّي الشهر به لأنّ الغارة كانت تكثر فيه فيلتجىء كلّ قوم إلى ما يتحصّن به. والتّوعّل التّوقّل ومنه اشتقّ الوعل والمستوعل من الحمير المحترز.
قال و(يسمّى رمضان) (ناتق) والجمع نواتق. قال:
وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغا وولّت على الأدبار فرسان خثعما
وإنمّا سمّي بذلك لأنّه كان مكثرا لهم الأموال، يقال: نتقت المرأة: إذا كثرت الولد، والنّتق الجذب أيضا، كأنّه كان يجذب النّاس إلى غير ما هم عليه. قال الرّاعي:
وفي ناتق كان اصطلام سراتهم ليالي أفنى القرح جلّ إياد
نفوا إخوة ما مثلهم كان إخوة لحيّ ولم يستوحشوا لفساد
ويسمّى شوّال عاذلا، والجمع عواذل. قال تأبط شرا:
شعب الوصل عاذلي بعد حجري حبّذا عاذل أتى خير شهر
يا ابنة العامريّ جودي فقد عيل على القرب والنّوى منك صبري
وقال:
أبوتا الذي أنسى الشّهور لعزّه فعاذل فينا عدل وعلان فاعلم
هذا البيت شاهد لشعبان وشوّال جميعا. وقال زيد الخيل في وعل:
هيهات هيهات برّيات الكلل قد كان أدنى متوعد منك وعل
قد مرّ شهران ولم يأت الرّسل وكأنّه سمّي بذلك لأنّه كان يعذلهم على الإقامة، وقد حلّت الحرب والغارات.
ويسمّى ذو القعدة: هواعا، والجمع أهوعة، وإن شئت هواعات. قال شعرا:
وقومي لدى الهيجاء أكرم موقعا إذا كان يوما من هواع عصيب
وقيل له ذلك: لأنّه كان يهوع النّاس أي يخرجهم من أماكنهم إلى الحج. ويقال: هاع فلان يهوع هوعا إذا قاء، وتهوّع وما يخرج من حلقه هواعة.
[ ٢٠٩ ]
ويسمّى ذو الحجة (برك) وجمعه بركات، ولك أن تفتح الرّاء. قال:
أعن لي على الهنديّ مهلا وكرة لدى برك حتّى تدور الدّوائر
يعني بالهندي سيفه (والمهلل) دردى الزّيت، (والكرت) البعر، أي احفظ سيفي من الصدأ واصقله بذلك، وكان الشّهر سمّي بذلك، لأنّه معدول عن بارك وكأنّه الوقت الذي يبرك فيه الإبل للموسم، وجائز أن يكون مشتقا من البركة لأنّه وقت الحج، فالبركات تكثر فيه، وأصل البركة من الثّبات ومنه برك البعير.