قال الخليل: قوس قزح طريقة مستوسقة تبدو في السّماء أيّام الرّبيع. وفي الحديث عن ابن عباس أنّه قال: «لا تقولوا قوس قزح، فإنّ قزح من أسماء الشيّاطين ولكن قولوا:
قوس الله ﷿» وقال أبو الرّقيش: القزح الطّرائق التي فيها والواحدة قزحة والتّقزيح إذا اتّسع رأس الشّجرة أو النّبت شعبا مثل برثن الكلب. وفي الحديث: «نهى عن الصّلاة خلف الشّجرة المقزحة» فأمّا قول الأعشى شعرا:
جالسا في نفر قد يئسوا في محلّ القدّ من صحب قزح
فقزح لقب رجل.
وأمّا الهالة: فهي الدّارة حول القمر، وقد مرّ القول فيه في باب القمر ومن كلام الأوائل فيها: أنّ رؤيتها دالة على مجيء المطر، وكينونته، واضمحلالها وتحلّلها يدلّ على حدوث الصّحو لكونه دالا على يبس الهواء، وكما يدلّ على المطر يدل على هبوب الرّياح، لأنّ المحلّل لتلك الرّطوبة إنمّا هو البخار الحار اليابس الذي هو مادّة الرّيح، والنّدأة تكون في أيّام الغيوث وهي عندهم وعند بعض العجم من إمارات المطر، ومما يصفون به صدق مخيلة السّحاب أن يروا القواري تكثير الطيّران في الدّجن. قال الجعدي شعرا:
فلا زال يسقيها ويسقي بلادها من المزن رخّاف يسوق القواريا
وكذلك المرع: ضرب من الطيّر يظهر في المطر، وهي طويلة العنق مشرّبة صفرة،
[ ٣٤١ ]
قال أبو زياد: النّاس يستبشرون برؤية القواري.
ومن أسماء القوس: الدّاح ومن أمثالهم: لا يعرف الماح من الدّاح. فالماح: صفرة البيض. والدّاح: الذي يسمى قوس قزح. وهذه الدّائرة أكثر ما ترى باللّيل، وقد ترى بالنّهار أحيانا، وأكثر ذلك نصف النّهار وبالعشي. فإمّا عند طلوع الشّمس وعند غروبها، فقلّما ترى. وعلّة هذه الدّارات كلّها واحدة وذلك أنّ البخار الرّطب إذا كثر في الجو وأشرقت الشّمس أو القمر والكواكب المنيرة فيها سطع نورها في الهواء. ثم عطف ذلك النّور راجعا من الهواء على البخار الرّطب فترى تلك الدّارة كذلك.
وقالوا في قوس قزح: إنّها لا ترى دائمة، وأكثر ما ترى بالغداة والعشي فأما نصف النّهار فلا ترى، وأكثر ما ترى في الخريف. فأمّا في الصّيف فلا ترى وربما رؤيت قوسين، فأما علّة كونها فهي من شعاع الشّمس الرّاجع إلى البخار الرّطب كمثل ما يشرق في الماء.
ثم يرجع إلى الحائط وربّما يرى قوس قزح باللّيل من ضوء القمر، وقلّما يرى ذلك، وإنما يرى إذا رأيت في مثله ليلة البدر إذا كمل ضوء القمر.
فأمّا كدورة قوس قزح وصفاؤها فعلى ما تغلب عليها الرّطوبة كان اللّون إلى الصّفا، والبياض، لأنّ صفاء الهواء وكدورته من قبل هاتين العلّتين الرّطوبة واليبس، وقياس ذلك النّار فإنّها إذا كانت في حطب رطب كان لون النّار أحمر كدرا، وإذا كانت في حطب يابس كان لون النّار أصفر صافيا، فكذلك لون قوس قزح أيضا.
أمّا الحمرة التي ترى أحيانا في أيّام الصّحو في الهواء: فمن قولهم فيها: إنّ الهواء إذا تكاثفت أجزاؤه وغلظ ثم سطع ضوء الشّمس أو الكواكب في موضع من الأرض، رجع ذلك الضّوء إلى الهواء كالضّوء الذي يرجع من الماء إلى الحائط، فكذلك الهواء إذا رجع إليه الضّوء من الأرض، أو من المياه قبله على قدر مشاكلته، لقبوله فيرى لون الهواء أحمر أحيانا، وعلى الهواء القابل لذلك.
والقول في الآية بدأ الله ﵎ يذكّر بنعمه على خلقه، حالا بعد حال ووقتا بعد وقت، وبكمال تدبيره، مجملا ومفصّلا، ومقدّما ومؤخّرا وكيف سبّب الأسباب ورتّب الأقدار فيما هيّأ من درور رزق ودرج من نزول غيث فقال: انظروا كيف جمع فرق السّحاب بعد إنشائها، وكيف ألّف سياقها على تباينها، وفي أيّ حال كشفها عقب رقّتها وتخلخلها، حتى صار مع تراكمها يؤدي ما أودع وينخرق بما ضمّن، فيخرج من خلاله الماء، مرافقا للنّار، جامدا وذائبا، ومتخلخلا ومتماسكا.
[ ٣٤٢ ]
ثم يقسمه سحابة بين منتظريه وطالبي الانتفاع به، كما يشاء فيعطي كما يحرم ويهب كما يمنع، مقلّبا اللّيل والنّهار، ومبدّلا الظّلم والأنوار، واعتبروا ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار.
قوله: يزجي يعيد سوفا على رفق، لذلك قال عدي: ويزجي بعد الهذين جهة شمال كما يزجي الكسير. لأنّ الكسير يرفق به. والرّكام: الغليظ المتلبّد المتطارف، والودق: الماء والفعل منه ودق.
وقوله: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
[سورة النّور، الآية: ٤٣] فكلّ مستحجر صلب غليظ يوصف بأنّه جبل وجبال. ومنه قوله تعالى: وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
[سورة الشّعراء، الآية: ١٨٤] وقوله تعالى: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
[سورة النّور، الآية: ٤٣] أراد من جبال برد فيها، وهذا على التّكثّر كما يقال: عند فلان جبال من المال. والمراد أنّ ما ينزله من الغيث يكون ذائبا وجامدا فيقسمه بين الخلق على ما يرى من مصالحهم وإنّما قال تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
[سورة النّور، الآية: ٤٣] لأنّ الضّوء الباهر إذا أديم النّظر إليه أضرّ بالعين، وكذلك الشيء الأبيض كالثّلج وما أشبهه.