قال ابن الأعرابي: يقال: ماء مدرع: إذا أكل ما حوله من الكلأ وماء قاصر: إذا كان المال حوله يرعى.
وحكى الأصمعي في صفة رائد: هو شديد النّاظر سديد الخابر، ينظر بملء عينه لنفسه وغيره. قال: وزعم أبو صالح التميمي أنّ رجلا من العرب سأل أعرابيّين، فقال: أين مطرتما؟ قالا: مطرنا بمكان كذا وكذا. قال فماذا أصابكما من المطر؟ قالا: حاجتنا. قال:
فما سيل عليكما؟ قالا: ملنا الوادي كذا وكذا فوجدناه مكسرا، وملنا الوادي كذا فوجدناه مشطيا. قال: فما وجدتما أرض بني فلان؟ قالا: وجدناها ممطورة- قد ألس غميرها- وأخوص شجرها- وأخلس نصيصها، وأليث سخيرها- وأحلس حليها- ونببت عجلتها.
قوله: مكسرا يعني سالت جرفته وشعابه ومعنانه أي جوانبه، ومعنان لا واحد لها من لفظها ومعنى مشطيا سال شاطياه، ومعنى نببت صارت لها أنابيب. وأحلس حليها أي قد خرج فيه خضرة والخضرة الطرّية. ويقال: قد أخلس وأليث سخيرها يعني اشتعل ورقا.
قال: وقيل لآخر: كيف كلأ أرضك؟ قال: أصابتنا ديمة بعد ديمة على عهاد غير قديمة. فالتاب يشبع قبل العظيمة. وقيل لابنة الحسن: ما أحسن شيء؟ قالت: غادية في اثر سارية في تنجاء قاوية. التنجاء: أرض مرتفعة لأنّ النبت في أرض مشرف أحسن. وقد قالوا: نفخاء رابية. قال: ليس فيها رمل ولا حجارة. والجميع نفاخى ونبت الرّابية أحسن من نبت الأودية. لأنّ السّيل يصرع الشّجر فيقذفه بالأودية فيلقي عليها الدّمن.
وقالت أيضا: أحسن شيء سارية في إثر غادية، في روضة أنف، أكل منها وترك.
وقيل لأعرابي: أيّ مطر أصابك؟ قال: مطيرة يسيل شعاب السّخبر. وتروي التلّعة المحلة شعاب السّخبر. عرضها ضيّق وطولها قدر رمية الحجر. والتلّعة المحلّة التي تحلّ
[ ٣٦٠ ]
بيتا. وقد حنأت الأرض تحنأ وهي حانية أي اخضرّت والتفّ نبتها وإذا أدبر وتغيّر نبتها قيل:
اصحامت فهي مصحامة.
وقال أبو داود الأعرابي: تركنا بني فلان في ضفيغة من الضّفائغ وهي الكلأ والعشب الكثير.
ويقال: وعبنا رقة الطّريقة وهي الصّليان والنّصى. والرّقة أول خروج نبتها رطبا.
وحكوا عن الينمة أنا الينمة أغبق الصّبي قبل العتمة وأكب الثّمال فوق الأكمة، كهيئة زيد الغنم يقال: ثمال لبنها كثير، وكلما كثرت رغوة اللّبن كان أطيب له، يعني دري بعجل للصّبي لأن الصبي لأبصر والمراغي أطيب لبنا من المصاريح. والينمة بقلة يشبه الباذروج.
وقيل لأعرابي: هل لك في البدو؟ فقال: أما ما دام السّعدان مستلقيا فلا قال، وهو أبدا مستلق كره البادية.
وعن غير ابن الأعرابي قال: خرج الحجاج إلى ظهرنا هذا فلقي أعرابا وقد انحدروا في طلب الميرة، فقال: كيف تركتم السّماء وراءكم؟ فقال: متكلمهم: أصابتنا السّماء هي بالمثل، مثل القوائم حيث انقطع الرّمث يضرب فيه تفتير وهو على ذلك يعضد ويرسغ ثم أصابتنا سماء أمثل مهنا يسيل الدّماث- والتّلعة- الزّهيدة- القليلة الأخذ فلّما كنّا حذاء الجفر أصابنا ضرس جود ملأ الآخاذ. واحدها أخذ وهي المصانع. فأقبل الحجّاج على زياد بن عمرو العتكي، فقال: ما يقول هذا الأعرابي؟ قال: وما أنا وما يقول إنما أنا صاحب سيف ورمح. قال: بل أنت صاحب مجذاف وقلس أسج، فجعل يفحص الثّرى ويقول: لقد رأيتني وإنّ المصعب يعطيني مائة ألف، فها أنا أسبّح بين يدي الحجّاج.
قال: وسئل أعرابي عن المطر فقال: أصابتنا السّماء بدث، وهو المطر القليل لا يرضي الحاضر ويؤذي المسافر- ثم رككت- ثم رسغت- ثم أخذنا جار الضّبع فالأرض اليوم لو يقذف بها بضعة لم تقض بترب، أي لم يقع إلّا على عشب قضت وأقضت إذا أصابها القضض أي كثر المطر، حتّى لم يوجد القضض ورسغت، أي كثر المطر حتى يغيب الرّسغ، والرّك أكثر من الدّثّ.
وقيل لأعرابي: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا كانت السّماء نقية- والأرض ندية- والريح شآمية. وقيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ فقال: إذا صفت الخضراء، وندبت الدّقعاء، وهبت الجربياء. وقيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا دمعت العينان وقطر المنخران، ولجلج اللّسان.
وقال أعرابي: ليس الحياء بالسّجيّة يتبع أذناب أعاصير الرّيح، ولكنّ كلّ ليلة مسبل رواقها، منقطع نطاقها، نبيث أذان ضأنها تنطف إلى الصّباح.
[ ٣٦١ ]
وحكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث قال: ما ألقحته الجنوب ومرته الصّبا ونتجته الشّمال. ثم قال: أهلك واللّيل ما يرى إلا أنه قد أخذه. وقال الأصمعي: قيل لرجل: كيف وجدت أرض بني فلان؟ قال: وجدتها أرضا شبعت قلوصها، ونسيت شاتها يعني لا يذكر. قال: فهل مع ذلك خوصة؟ قال: شيء قليل كل ما خرج عود ثم قوي فهي خوصة. قال والله ما أحمدت وإن كان القوم صالحين.
قال ابن الأعرابي: أخصب الخصب عند العرب فيما ذكره أبو صالح إذا كان الخوص وافرا، وقال رايد مرة: تركت الأرض مخضرة كأنما حولانها قصيصة رقطا وعرفجة خاصبة، وقنادة مزيدة، وعوسج كأنّه النّعام من سواده مزيدة أي قد أورقت.
وحكي عن أبي المجيب ووصف أيضا جدبة فقال: قد اغبرّت جادتها- ودرع مرتعها- وقضم شجرها- وألقى سرحاها- ورقت كربتها- وخوّر عظمها- وتميّز أهلها، ودخل قلوبهم الوهل- وأموالهم الهزل. قال: الجادّة الطريق إلى الماء. قوله: وألقى سرحاها: هو أن يأكل كلّ سرح مذيلها، حتّى يلتقيا من الجدب، قال: وإذا لم يكن للمال مرعى إلّا الشّجر رقّت أكراشه، وخوّر عظمه. قوله: درع مرتعها: أكل ما عليه حتّى لم يبق شيء وهو مأخوذ من الشّاة الدّرعاء.
وقال أبو المجيب يصف أرضا قد أحمدها، فقال: خلع شيحها- وأبقل رمتها- وخضب عرفجها- واتّسق نبتها- واخضرّت قرياها- وأخوصت بطنانها،. وأحلت آكامها- واعتمّ نبت جراثيمها- وأحزت بقلتها- وذرقتها وخبازتها- وخوّرت خواصر إبلها- وشكرت محلوبتها- وسمنت قتوبتها- وعمد تراها، وعقدت تناهيها، وأماثت ثمادها- ووثق النّاس بصائرتها.
قوله: خلع شيحا إذا أورق، والمخالع من العضاة: الذي لا يسقط ورقه أبدا. ويقال:
كلح الشّجر إذا انحرد. قوله: خضب عرفجها: أي اسودّ النّبات قبل أن يطلع، والرّمث من الحمص مخصب ثم عاد- ثم سقد- ثم يرمس- يقال: أطلع الشّجر إذا أورق وتفطّر- واتقد- وأربس- وأرمس- وأرى العرفج- وبقل الرّمث خاصة- وأجدر الشّجر إذا طلع ثمره حتى كأنّه الجدري.
قوله؛ أخوصت: أي نبت فيها عيدان رطبة فهي خوصة ما دامت رطبة فإذا يبست فهي شجر، ولا يخوص من الشّجر إلّا ما لم يكن له شوك. قوله: أحزت لفلتها أي نبت فيه الحزا، وهو نبات يسمّى الحزا كما تقول العلقة- والحيلة- والفتلة- فالحيلة للسلم- والعلقة للطلّح- والفتلة للسّمر- والذّرق الحندفوق. قوله: خوّرت خواصرها: هو أن يؤخذ جنبها
[ ٣٦٢ ]
فيضرب على خواصرها خوف أن يحبط فيبعد أفقها- والأفق الخواصر. قوله: عمد ثراها العمد أن يجاوز الثّرى المنكب.
ويقال: إنّ ذلك حيا سنتين. قوله: عقدت تناهيها: فالتناهي حيث يتناهي السّيل فيستقر فعقدها أن يمر السّيل مقبلا حتّى إذا انتهى منتهاه. دار بالأبطح حتى تلتقي طرفا السّيل، ووثقوا بصائرتها: يراد بها ماؤها وكلأؤها.
وقال الأصمعي: وصف بعض الأعراب جدبا وعيشا، فقال: بينما نحن في زمن أعجف- وأرض عجفاء- وقف غليظ- وجادة مدرعة- إذ أنشأ الله سحابا مستكفا نشوءه- ضخاما قطره، مسبلة عزاليه- جعود صوبه فاهرمع المطر حتى ملأ الأودية، فرعبها وبلغ السّيل النّجاء حتّى لم ير إلّا الماء. وصهوات الطّلح فلم يمكث إلا عشرا حتّى رأيتها يندى، فنعش الله به أموالنا، ووصل به طرقنا وكنّا بنوطة بعيدة بين الأرجاء. قوله: الجادة: يعني الطّريق إلى الماء ومستكفا أي مستديرا. ونشوؤه ما نشأ إليه. وعزاليه أفواه مخارجه. وصوبه ما سال منه وانصبّ. واهرمع اشتد. ورعبها ملؤها. والنّجاء جمع نجوة وهو الموضع المرتفع لا يكاد يبلغه السّيل. والصّهوات عالي الطّلح. والنّوطة البعد. والأرجاء: النّواحي.
وقال ابن الأعرابي: بعث قوم رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت جرادا كأنه نعامة جاثمة، جراد جبل. قوله: نعامة جاثمة يقول: فيه من الخصب والعشب الكثير حتّى كأنه نعامة، وإنّما أراد سواد العشب وأعلى النّعامة أسود. وبعث آخرون رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت عشبا ينجع له كبد المصرم إذا رأى هذا، وجعت له يعني أنه لا مال له أي إبلا ترعى هذا العشب حسرة على ما رأى. ويقولون: وردنا على كلأ الحابس فيه كالمرسل يعني يستويان فيه لكثرته والتفافه. ويقولون: وردنا على كلأ لا يكتمه البغيض. وقال طرفة:
يرعين وسميّا وصى نبته فانطلق اللّون ودقّ الكشوح
وصى نبته اتّصل واكتهل. وأنشد أبو العبّاس ثعلب شعرا:
دفاء عليه اللّيث أفلاذ كبده وكهله قلد من البطن مردم
يريد أنه مطر بنوء الأسد، ومن نجوم الأسد النّثرة والجهة ونوؤهما غزير تسقط النّثرة لاثنين وعشرين تخلو من كانون الثاني، وتسقط الجبهة في ثماني عشرة تخلو من شباط.
والقلد النوبة يقال: القوم يتقالدون الماء أي يتصافيونه ويقتسمونه. قال: والماء لا قسم ولا أفلاذ.
[ ٣٦٣ ]