الأصمعيّ يقال: وقع الغيث بمكان كذا إذا مطر، ولا يقال: سقط. قال الشّاعر:
وقع الرّبيع وقد يقارب خطوه ورأى بعقوته أزلّ نسولا
يعني بالأزل الذّئب. وقال آخر:
حتّى إذا وقع السّماك وعشرت عين فمتبعه وأخرى مقرب
يريد وقع غيث السّماك، ولو أراد السّماك نفسه لقال سقط ولم يقل وقع، إنّما الوقع للغيث، والسّقوط للنّجم، قال السّاجع: إذا النّجم هبط، وإذا النّسر سقط، وإذا وقع الغيث قيل: نصرت الأرض فهي منصورة، وإذا وقع الغيث فابتلّ التراب فهو ثرى والأرض ثرية ما دامت رطبة، فإذا جفّ قيل: بلح ومصح. قال يصف إبلا:
وبلح الرّب لها بلوحا وأصغر في الأرض الثّرى مصوحا
وإذا اشتدّ ندى الثّرى حتى يلزم بعضه بعضا: فهو الثّرى الجعد، فإذا زاد فهو كباب، فإذا ارتفع عنه فهو عمد.
قال الغنويّ: فإذا أصاب المطر وكان ثراه في الأرض إلى الرّبيع فهو المرسغ وهو ربيع، وخير ما يكون من المرسغ إذا كان في شحاح الأرض، وهو ما صلب منها، والرّسغ موصل الكف في الذّراع. وعن غيره إذا كان الثّرى في الأرض مقدار الراحة فهو المرحى، قال أبو حنيفة: هكذا روي بتقديم الحاء يريد أنّه يجيء من الرّاحة مروح. قال الغنويّ: وإذا كان الثّرى إلى مستحلّ الذّراع، ومستحلّها ما غلظ منها مما يلي المرفق فهو الرّسغ المنبت
[ ٣٤٥ ]
النّافع. وإذا كان إلى المرفق فهو المطر الجود وهو يجزي الأرض شهرا من المطر. فإذا بلغ الثرى نصف العضدين قيل: حيا. فإذا بلغ المنكب فهو حيا عند جميع النّاس لما بعده. فإذا حفر الحافر الثّرى فذهبت يده حتى يمس الأرض باذنه وهو يحتفر. والثّرى جعد. فقد اعتقدت الأرض حياسنتها. ويقال: غيث جدا، لا يحفره أحد ولا سكفه، أي لا يعلم أحد أين أقصاه.
وقال الأصمعي: إذا التقى الثّريان فهو الجود يعني أن يتّصل النّدى الظّاهر بالنّدى الباطن المستكنّ في جوف الأرض. وحكى الأصمعيّ عن رؤبة: شهر ثرى وعشر ثرى- وشهر مرعى- وشهر استوى. وقال ابن الأعرابي: قيل لابنة الخنسي: كم يعقد المطر في الأرض ولا يخرج؟ فقالت: عشر ثرى وعشر ثرى وعشر مرعى «١» . أرادت أنّ الماشية تشبع في ثلاثين. فهذان القولان متّفقان، ومعنى استوى: اكتهل في الشّهر الرّابع ثم يشبع المعزى.
واعلم أنّ البلاد تختلف في ذلك: فإنّ منها الأنبت الممراح فلا يبطئ نباته، ومنه المصلاد النكد الجحد الإنبات. ويختلف أيضا من قبل الزّمان، فإنّ الأرض إذا جيدت والزّمان لين كزمان الصّفوى والدفيء والخريف لم تلبث الأرض أن تعشب. وإذا جيدت والزّمان قسيء بارد منعها البرد من الإعشاب فأبطأت به.
وقال ابن الأعرابي: قال أبو المجيب أعرابي من بني ربيعة: لقد رأيتنا في أرض عجفاء، وزمان أعجف، وشجر أعشم في قف غليظ، وجادة مدرعة غبراء فبينا نحن كذلك، إذ أنشأ الله من السّماء غيثا مستكفا نشوؤه، مسبلة عزاليه- عظاما قطره- جوادا صوبه- زاكيا ودقه- أنزله الله رزقا لنا فتنعش به أموالنا- ووصل به طرقا فأصابنا. وأما السّوطة بعيدة بين الأرجاء فاهر مع مطرها حتّى رأيتنا وما نرى غير السّماء والماء، وصهوات الطّلح فضرب السّيل النّجاف.
وأمّا الأودية فرعها فما لبثنا إلا عشرا حتّى رأيناها روضة تندى، فهذا اجزأنها روضت في عشر وهو دون ما قدّمناه من قبل. والعلّة فيه الزّمان، وإذا اتّفق الزّمان اللّين والأرض الممراح كان هذا ونحوه. وإذا وقع الغيث: فنجع ورؤي تباشير خيره قيل: رأينا أرض بني فلان غب المطر واعدة حسنة. حكاه الأصمعي، فإذا أبصرت شيئا من النّبات فذاك الإيشام والطّرور والبقول والإيفال.
أو شمت الأرض توشم إيشاما، وطر النّبت طرورا كما يطرّ الشّارب، فإذا تطررت
[ ٣٤٦ ]
الخضرة لعينك فقد خصبت الأرض تخصب خصبا وخصوبا ودست وتودست حسنا، والتّربص مثل التّودس.
وكذلك الإبشار يقال: أبشرت الأرض، وما أحسن بشرتها ودسّها وكنأ النّبت إذا طلع.
وإذا اتّصل قيل: وصت الأرض فهي واصية قال:
وصي لها غراد وجاد ملبس كلّ أجرعا. فإذا بلغ اتّصاله أن يغطي الأرض قيل:
استحلست الأرض. قال ذو الرّمة:
حتى كسا كلّ مرتاد له خضل مستحلس مثل عرض اللّيل يحموم
وحينئذ ترى الأرض مدهانّة.
وإذا رأيتها كذلك فذاك الوراق، فإذا نهض البقل قليلا وهو أغض ما يكون وأنعمه، فذلك اللّعاع والنّعاع وقد ألعت الأرض إلعاعا حسنا. ويقال: تركت المال يتلقى أي يرعى اللّعاع، والشّعتد نحو من اللّعاع، وإذا ارتفع عن ذلك حتى يشتد قيل: عرد يعرد عرودا.
والنّقاء: القطع المتفرقة من النّبات والواحدة نقأة. قال:
جادت سواريه وإذا رنبة نقاء من الصّفراء والزّياد
وكذلك الثّجر والواحدة ثجرة فإذا نهض حتى يملأ أفواه المال فهو جميم، أخذ من الجمة على التّشبيه.
فإذا ارتفع عن ذلك فهو عميم. ويقال: اعتمّ النّبت. قال ساعدة:
يرتدن ساهرة كأنّ جميمها وعميمها أسداف ليل مظلم
ويقال: جادت الأرض بالنبات وغيث جود، وذلك إذا طال وارتفع وقد غلا يغلو غلوا واغلولب.
ويقال: استلّ وذلك حين لا يرى فرجة لطوله وانتشاره.
ويقال: أغنت الأرض: وذلك إذا سمعت لها غنّة لالتفاف النّبات وكثافته وحينئذ يقال: استأسد، وقد يكون ذلك من أصوات الذّبان. قال شعرا:
مستأسد ذبّانه في غيطل تعلن للدّايدا عشبت أنزل
فإذا ظهرت أكمامه وهي غلف النّور فذلك البراعيم والواحدة برعومة. والكعابر والواحدة كعبرة حتى يتفتّح ثم ينشق عن النّور فتخرج زهرته وذلك التّقصيح، والنّور حينئذ فقاح والبراعيم من قبل ذلك صمع واحدها صمعاء.
[ ٣٤٧ ]
ويقال حينئذ: جنّ النّبت جنونا وأخذ زخرفه وزخاريه وألفى بهجته. قال ابن مقبل:
زخارى النّبات كأنّ فيه جياد العبقريّة والقطوع
ويقال: اقتان النّبت اقتيانا إذا تزيّن وظهر حسنه وهو مأخوذ من التّقيّن. ومنه قيل للماشطة: مقيّنة. قال:
وهنّ مناخات تحللّن رمة كما قتلن بالنّبت العهاد المجوّز
ويقال: أزهر النّبت إذا ظهرت زهرته وزهر وهو ألوان نوره.
ويقال: نور النّور ونواره وزهرته سواء.
وكذلك الفغو والفاغية. ويقال: أفغى النّبت إذا نور. فأما الأصمعيّ فإنّ الفغو والفاغية عنده ورد كلّ ما كان من الشّجر طيب الرائحة.
وغير الأصمعي يجعل الجنون طوله يقول جنّ إذا طال فهو مجنون. قال الرّاجز يصف نخلا: ينقص ما في السّحق المجانين. وقال ابن أحمر:
تنفقأ فوقه القلع السّواري وجنّ الخازباز به جنونا
فإذا انتهى وبلغ فهو مكتهل، وكل ما انتهى منتهاه فهو كهل. قال ابن مقبل:
وقوفا به تحت أطلاله كهول الخزامى وقوف الظّعن
وهو في جميع هذا الأحوال خلا وعشب، ويقال: أعشبت الأرض واعشوشبت وأعشبت الإبل أصابت العشب.
وكذلك أخلت الأرض إذا نبت خلاها، فإذا جززته قلت: اختليته. قال:
سوف المعاصير خزامى المختلى. وهذا كلّه ما دام رطبا رطب وخضر. فأما الشّجر:
فإنّ أوّل توريقه النّضح يقال: نضح الشّجر نضحا إذا تقطر بالورق وهو اليغط والفقح يقال:
فقح الورق إذا انفتح.
فإذا اكتسى خضرة من الإبراق قيل: قد تمشّر وأمشر إمشارا وظهرت مشرته ومشرته بالتّحريك والإسكان، والمشرّة من الشّجر كاللّعاعة من البقل. قال: وقصارها إلى مشرة لم تعتلق بالمحاجن.
ويقال: أورق الشّجر إيراقا وورق توريقا، ولا يسمّى ورقا إلا ما عرض وتبسّط.
فإذا طال طولا شديدا مع بعض التّبسّط فهو خوص والواحدة خوصة.
فإذا طالت مع اندماج، فلم يكن فيه تبسّط فهو الهدب، والعبل نحو منه، عن أبي
[ ٣٤٨ ]
عبيدة وأبي عمرو يقال: قد أعبل الأرطيّ إذا ورق.
وللإعبال موضع آخر: وهو أن يقال: قد أعبل الشّجر وذلك إذا تساقط ورقه في قبل الشّتاء وكأنّه من الأضداد.
فإذا نقصت غضاضة النّبات واشتدّ عوده قيل عسا يعسو عسوا.
فإذا ولت بلولته وأخذ يتهيأ للجفوف قيل: ذوى يذوي وذأى يذأى أي فهو ذا وفي كلتا اللغتين: وألوى إلواء وذلك نحو الذوي فيكون النبات حينئذ لويا.
فإذا تجاوز ذلك قيل: قد أقطر اقطرارا وإقطارا أيضا.
فإذا شعفه اليبس قيل: هاج يهيج هياجا وهيجا وهو حينئذ يبس الباء ساكنة ويبس وقفل.
قال أبو ذؤيب: فحزت كا تتابع الرّيح بالقفل وهو الحفيف والغفيف والقف قال:
كشيش أفعى في يبس قف.
وقد قفت الأرض قفوفا وهو في هذه الحال حشيش، وفي كلّ حال كلأ ولا يقال له قبل أن يجف حشيش، فإذا تمّ فيه اليبس لوى، فإذا تكسّر بعد اليبس فهو حطام وهشيم.
وقال الكلابي: إذا يبس النّبت فما دام قائما فهو ألقف. فإذا تكسّر وسقط إلى الأرض فهو الحبة، قال أبو النّجم:
في حبة جرف وحمض هيكل. فأمّا الأصمعي فالحبّة عنده: حبّة ماله حب من النّبات، قال ويقال: الإبل في حبة ما شاءت، فإذا ركب بعضه بعضا فهو ألثن، قال: وأقام بعد الحدب في ثن، فإذا اسودّ من القدم فهو الدّندن. قال:
كالسيّل يغشى أصول الدّندن البالي. والدّرين حطام جميع النّبت، والسّفا شوك البهمي خاصة، والسّفير ما تساقط من الورق لأنّ الرّيح تسفره أي تكنسه وإذا أخذ النّبت يجف وأصوله حيّة ثم جاء المطر عليه فعاد أخضر فذلك النّشر. قال شعرا:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن كماطر أوبار البعير على النّشر
وهو مطر يأخذ عنه الإبل إذا رعته السّمام، والهرار ثم تشلح عنه فتهلك وأنشد:
كما نشأت في الجزء مزنة صيف وضمنت الأكوار عاقبة النّشر
فأمّا ما نبت في أصول فهي الغمير.
والرّبل: ما ينبت من غير مطر ببرد اللّيل ويقال: أربلت الأرض وأربل الشّجر، ويقال له الخلفة كأنّه يخلف ما يقدم.
[ ٣٤٩ ]
ويقال: راح النّبت وتروح إذا اكتسى ورقا. وحكي عن الكلابي أنّه قال: الرّبل والخلفة والرّيحة واحد، وكل هذا نبت مع طلوع سهيل وضروب من النّبات تدوم خضرتها الصّيف فلا يهيج مع هيج النّبات.
يقال لها: الرّبب والواحدة ربة والنّبات كلّه يجمعه الشّجر والعشب. فالشّجر ما قام على ساق، والعشب ما خالف ذلك ثم ينقسم العشب قسمين: بقلا وجنية، فالجنية ما له أرومة فهو أقوى من البقل، والبقل أحرار وذكور فأحراره ما رقّ وعنق، وذكوره ما غلظ منه.
[ ٣٥٠ ]