وهذا الفصل لائق بما قدّمناه من التّنزيل، فلذلك جعلناه من تمامه. روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب، والنّياحة، والاستسقاء بالأنواء» . فالإستسقاء بها منكر، كما قال ﷺ إلّا أنّ العرب مختلفون فيما يراعونه من قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور، ولهم في ذلك من صدق التأمل، واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم، يدل على ذلك أنّ كل ما حكموا به قديما عند طلوع هذا المنازل من تحت شعاع الشّمس بالغدوات في ناحية المشرق وسقوط نظائرها في المغرب من أحوال فصول السّنة، وأوقات الحر، والبرد، ومجيء الأمطار والرّياح فإنّها تجري على ما حكمت به إلى أن لا يتغير ولا يتبدل إلّا على طريق الشذوذ، وعلى وجه لا يحصل به الاعتداد وعلى ذلك فهم مختلفون.
فمنهم من اعتقد أن تلك الحوادث من أفعال الكواكب، وأنها هي المدبرة لها والآتية بها حتى صارت كالعلل فيها والأسباب؛ وأنّ للأزمنة تأثيرا في أهلها كما أنّ للأمكنة تأثيرا في أهلها ولذلك أخذ قرن عن قرن النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قالوا: فتصاريف الأزمان تؤثّر في الخلق والأخلاق والصّور والألوان والمتاجر، والمكاسب والهمم والمآرب والدّواعي والطّبائع واللّسن؛ والبلاغات والحكم والآداب، فذّم الله تعالى طرائقهم ونعى عليهم عقائدهم، وقال حاكيا عنهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[سورة الجاثية، الآية: ٢٤] الآية، وهذا تجهيل من الله تعالى لهم، وذكر بعضهم أنّ
[ ٦٩ ]
الذي يدلّ على أنّ شأنهم كان تعظيم الرّجال والاستسلام للمنشأ والذّهاب مع العصبيّة والهوى ما نجد من اعتقاد أكثر أهل البصرة وسوادهم لتقديم عثمان، واعتقاد أهل الكوفة لتعظيم علي، ومن اعتقاد أكثر الشاميين لدين بني أمية وحب بني مروان حتى غلط قوم فزعموا أنّ هذا لا يكون إلّا من قبل الطالع، أو من قبل التّربة، كما تجد لأهل كل ماء وهواء نوعا من المنظرة والرّأي والطّبيعة واللّون واللّغة، والنّشوء والبلدة ولو كان ذلك كما ظنّوا لما حسن الأمر والنّهي ولا كان لإرسال الرّسل معنى، ولما جاز الثّواب والعقاب بلى لإستمالة النّاس بالتّرغيب والتّرهيب والاصطناع والتّقريب؛ والذّهاب مع المألوف شأن عجيب.
وذكر بعض المفسرين وهو عبد الله بن عباس في قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[سورة الواقعة، الآية: ٨٢] أنه القول بالأنواء وقرأ علي، وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، فأما قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
[سورة البقرة، الآية: ٧٨] فإنّ للالف والعادة سلطانا على النّفوس والقلوب قويا وأخذا بالبصائر، والعيون عزيزا. وكانوا إذا استهجنوا مستكرما، واستقبحوا مستحسنا، وعدلوا عن مألوف إلى متروك، وعن معمول إلى مرفوض وتنقلت بهم الأحوال وتبدّلت لهم الأبدال طلبوا المعاذير والعلل، وصرفوا الفكر في الأسباب والدّواعي من جوانب الالف والعادة لا من نواحي النّظر والتّدبر لطلب الإصابة، فرضوا بأن يعملوا الظّنون، والأوهام، وتحمّلوا تلك الأفاعيل على الأسماء فضلا عن الذّوات ثقة بما يشاهدون واغترارا بآرائهم فيما يحكمون لذلك قال النبي ﷺ: «لا تسبوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر» لأنه رآهم يقولون لذلك الاعتقاد الفاسد: أباد بني فلان الدّهر، وأفناهم الليالي كقول بعضهم شعرا:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا إذا بسراتنا ووقرت في العظم
وسهلتنا ما لست تعقبنا به يا دهر ما أنصفت في حكم
وكقول الآخر:
وإنّ أمير المؤمنين وفعله لكا لدّهر لا عار بما فعل الدّهر
ومعنى قوله ﷺ لا تسبّوا الدّهر أي لا تسبّوا الذي يفعل هذه الأشياء فإنّكم إذا سببتم فاعلها فإنّما يقع السّب على الله تعالى. ومنهم من اعتقد أنّ تلك الحوادث من فعله تعالى لكنّه أجرى العادة بأن يفعلها عند طلوع تلك النّجوم، أو أفولها لأنّهم مختلفون في ذلك أيضا كأنهم يعدّون تلك التّغيرات أوقاتا لها، وأمارات وسمّوها الأنواء باتّفاق منهم لأنّ النوء يكون السّقوط والطّلوع، وهذا قريب في الدّين والعقل لا إنكار فيه، وعلى هذا يحمل قول عمر للعبّاس حين استسقى: يا عمّ رسول الله كم بقي من نوء الثّريا. فإنّ العلماء بها يزعمون أنها تعرض في الأفق سبعا لأنّ هذا أمر عيان على مجار قائمة ومسير مركب، وقد جعل الله
[ ٧٠ ]
تعالى في علم هذا وما أشبه مما ضمّنه هذا الفلك عبرا كثيرة، وآية مبصرة، ودلالة صادقة عم بجليله أكثر هذا الخلق، وخصّ بلطيفه خصائص منهم مدحهم حين تبينوه وأقاموا الشّكر عليه فقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
أي مضيئة: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] الآية، وقرأ بعضهم مبصرة فيكون مثل قول عنترة: والكفر مخبثة لنفس المنعم.
وإذا وضعت مفعلة في معنى فاعل كفت من الجمع والتأنيث يقولون: الولد مجبنة، وهذا العشب ملينة مسمنة فاعلمه.
وقال في آية أخرى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[سورة الأنعام، الآية: ٩٧] الآية، وقد علمنا أنّ خلقا كثيرا هلكوا بتفويض التّدبير إلى النّجوم ولإفراطهم في الأنواء قال رسول الله ﷺ: «ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبحت طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا فأمّا من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكواكب» .
وروي عنه أيضا من وجه آخر: «لو أن الله ﷿ حبس المطر عن النّاس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون مطرنا بنوء المجدح» ومما يدل على ذلك قول الشاعر شعرا:
يا سحم من نتج الذّراعين أنأقت مسائله حتّى بلغن المناجيا
المناجاة المكان المرتفع لا يبلغه السّيل.
وقال آخر شعرا:
وأخلف نوء المرزم الأرض قرّة لها شبم فيه شفيف وجالد
وقال آخر:
تربّع من جنبي قنا فعوارض نتاج الثّريا نوؤها غير مخدج «١»
ولو كان مرادهم بقوله: مطرنا بنوئه كذا: أي مطرنا في نوئه على التّشبيه بقول النّاس:
مطرنا في غرّة الشّهر لم يكن مكروها، وكذلك مذهبهم في تأمّل الغيث أن لو كان على نحو توقّع النّاس أياما للأوقات المعروفة بالمطر لم يكن به بأس، لأنّ النّاس جميعا يعلمون أنّ للحر والبرد والمطر والرّيح من السّنة وقتا جرت العادة بتقدير الله تعالى أن يكون فيه أكثر ما
[ ٧١ ]
يكون، وإن كان الله تعالى يأتي به إذا شاء لولا ذلك ما عرفوا وقت حرث ولا بذر ولا ركوب بحر ولا بر، ولا انتظر حين لمجيء شيء ولا لانصراف شيء، ولكانوا ومن يعاملهم كذلك في أجهل الجهل فمما هو ظاهر في زوال المكروه عنه قولهم: إذا طلعت الشّعرى سفرا ولم يروا مطرا فلا تعدون أمره ولا أمرا، لأنّهم وجدوا ذلك مستمرا في العادة ومنه قول الشّاعر شعرا:
إذا ما قارن القمر الثّريا لخامسة فقد ذهب الشّتاء
لأنّ مقارنة الثّريا في الليلة الخامسة من مهلّه لا يكون أبدا إلّا في قبل الدجفاء وكقول الآخر شعرا:
إذا كبد النّجم السّماء بشقوة على حين هرّ «١» الكلب والثّلج خاسف
لأنه موافاته كبد السّماء في أوّل اللّيل يكون في صبارة الشّتاء ومما يكون على العكس من هذا في موافقة المكروه قول الآخر شعرا:
هنأناهم حتّى أعان عليهم عوافي السّماك ذي السّجال السّواجم
قال أبو حنيفة الدينوري: هذا الشّعر لجاهلي واتبع أثره بعض الإسلاميين فقال:
هنأناهم حتّى أعان عليهم من الدّلو أوعو السّماك سجالها
قال وهنوء القوم أن يكفّهم مؤنة وقد يجيء من كلامهم ما يغمض، فيرد بالتّأويل إلى كل واحد من النّاس، وللقائلين بالأحكام في النّجوم مضاهاة للقوم في إثباتهم السّعد والنحس بمقتضيات الكواكب إلا من عصمه الله تعالى ولله الأمر والحكم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مناص من قضائه.
وقد روي عنه ﷺ: «من تعلّم بابا من النّجوم تعلّم بابا من السّحر ومن زاد استزاد» .
كما روي عنه ﷺ في بعض خطبه أنه قال: «ما بال أقوام يقولون إنّ كسوف هذه الشّمس، وخسوف هذا القمر وزوال هذه النّجوم عن مطالعها لموت رجال قد كذبوا» . الزّوال، والزّولان بمعنى وهذا يمكن حمله على قوله: إنّ من البيان لسحرا، فيكون الكلام مدحا لهذا العلم، وللمشتغلين به إذا تبرءوا من الحول والقوة ومما يدخلهم في الإشراك بالله والتّسليم إلى الكواكب.
وقال ابن عباس لعكرمة مولاه اخرج فانظر كم مضى من اللّيل؟ فقال: إني لا أبصر النّجوم فقال له ابن عبّاس: نحن نتحدى بك فتيان العرب وأنت لا تعرف النّجوم، وقال:
[ ٧٢ ]
وددت أني أعرف هفت، ودوازده يريد النّجوم السّبعة السيّارة، والبروج الاثني عشر، وقال معاوية لدغفل بن حنظلة العلّامة وقد ضمه إلى يزيد علّمه العربية والأنساب والنّجوم: أترى هؤلاء حضّوا على الضّلالة، ورغبوا في السّفاهة، فتأمّل ما ذكرته فإنه واضح.
فإن قيل: إذا كان القول في قضايا النّجوم على ما ذكرته فما وجه قول إبراهيم ﵇ مخاطبا لقومه وهم يعبدون الأصنام ليقربهم إلى الله زلفى: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: ٨٧- ٩٠] قلت: قد تكلم النّاس في هذا فقال بعضهم النّجوم جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، ونظر نظرة معناه تفكّر ليدّبر حجّة فقال: إني سقيم يريد سقيم من كفرهم وإيمانهم بغيره، وهذا كما يقال أنا مريض القلب من كذا وإنما تخلف عنهم لما أضمر من كيد أصنامهم لأنّ حجته عليهم في تعطيل عيدهم فلمّا غابت عيونهم جعلها جذاذا.
وسئل ابن الأعرابي عن معنى قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[سورة الأنبياء، الآية: ٦٠] معنى يذكرهم يعيبهم وأنشد:
لا تذكري فرسي وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
قال أبو إسحاق الزّجاج: قال ذلك لقومه، وقد رأى نجما فقال: إني سقيم يوهمهم أنّ به الطّاعون، فتولّوا عنه مدبرين فرارا من أن يعذبهم الطّاعون، وإنّما قال: إني سقيم لأنّ كل أحد وإن كان معافى لا بدّ له من أن يسقم ويموت. قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[سورة الزمر، الآية: ٣] أي أنك ستموت فيما تستقبل فكذلك إني سقيم أي سأسقم لا محالة.
وروي في الحديث لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا في ثلاث وإنّ هذه الثلاث وقعت فيها معارضة. وذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
على معنى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[سورة الأنبياء، الآية: ٦٣] فقد فعله كبيرهم، وقوله في سارة: هي أختي في الإسلام. وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
[سورة الصافات، الآية: ٨٩] على ما فسرناه، وقال أبو مسلم: عطف بالفاء هذا الكلام على ما تقدم من أمره في مخاطبة قومه بقوله: ماذا تعبدون، قال: ونظرة في النّجوم هو الذي أخبر الله تعالى به عنه إذ يقول الله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٠] إلى وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٩] فكانت نظرته تلك للتبين.
فلما أراه الله الآيات في نفسه، وفي الآفاق كما قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
الآية، قال لقومه: أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
[سورة الصافات، الآية: ٨٦] وذلك حين قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة
[ ٧٣ ]
الأنعام، الآية: ٧٩] الآية، وكان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
قبل التّبين، وأراد بالسّقيم أنه ليس على يقين ولا شفاء من العلم ويقول الرّجل إذا سأل عن شيء فصدّق عنه وبين له: شفاني فلان فلما كان العلم واليقين شفاء صلح تسمية الحال التي قبل كنه البيان سقما.
وقد قال الله تعالى في قوم لم يكونوا على إيمان محض: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ*
[سورة البقرة، الآية: ١٠]، وهذه الحال التي انتسب فيها إبراهيم ﵇ إلى السّقم هي الحال التي فيها البلوغ، ووقوع التّكليف من الله ﷿ ولزوم أمره ونهيه، والفاء في قوله تعالى:
فَتَوَلَّوْا
فاء عطف أيضا ينعطف بها ما هي معه من الكلام على قوله: أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، فلما دعاهم إلى الله تعالى، وأنكر عليهم عبادة ما يعبدون دون الله تولوا عنه مدبرين.
وزعم قوم لا يعقلون أنّ إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات هي واحدة منها، وحاش للرّسول الذي اتّخذه الله خليلا أن يكذب، أو يأتي بالقبائح، والذي توجبه التلاوة وشهادة بعض القرآن لبعض، ويحسن في أوصاف أنبياء الله وصفوته من عباده هو ما ذكرناه، وتلخيص ما في هذه القصّة منذ ابتداء ذكر إبراهيم إلى حيث انتهينا أنّ الله تعالى أثنى على إبراهيم بأنّه وافق نوحا في الإيمان والإخلاص حتى توفّاه الله على ذلك سليم القلب لئلا يشرك به شيئا وأنه نظر فيما خلق الله من النّجوم فاستدلّ على خالقها بها وتبيّن له بالتأمل لها أنّ إلها وآلهة واحد ليس كمثله شيء وهو رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين ودعا قومه إلى مثل ما أراد الله، وهداه له وزرى عليهم، وعاب اختيارهم في عبادة الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم ولا عن أنفسها شيئا، فتولّى القوم عنه مدبرين عند ذكره ربّه كما قال تعالى في الكافرين من قوم النبي ﷺ: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا
[سورة الإسراء، الآية: ٤٦] وقال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[سورة المدثر، الآية: ٤٩] الآية. وقال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
[سورة الزمر، الآية: ٤٥] الآية. وقال بعض أهل النّظر إنه ﵇ رآهم يعتمدون فيما يعن لهم ويحدث وفيما يستأنفون من مبادئ الأمور، ومفاتحها على النّظر في النّجوم وأحكامها، فاقتدى بهم تأنيسا لهم وأخذا بعادتهم ليسكنوا إليه بعض السّكون وإن لم يركنوا كلّ الرّكون.
وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
، وإن قاله متأوّلا، ففيه استبناء، ورجاء رفق منهم إمّا لعلة، وإما للتّربص به حتى يأمنوا شرّه، ويشهد لهذا قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: ٩٠] وهذا حسن قريب.
وقال بعضهم: قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
[سورة الصافات، الآية: ٨٨] يعني به ما ينجم من نبات الأرض كأنه كان يقلب الأدوية متخيرا منها ما يقرب الشّفاء عنده، وقيل
[ ٧٤ ]
أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصّل إلى ما يهم به في آلهتهم، وبماذا ابتدئ ومن أين مخلصه إذا أقدم ويكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
اختداعا منه لهم وإيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكائد، وهذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ
[سورة الصافات، الآية: ٩٣] يريد مال عليها بالضّرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطّريق أي عدله، وقوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، وقيل: هي يمين كان حلف بها، وهي قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[سورة الأنبياء، الآية: ٥٧] وقيل بالقدرة كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وقيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثّعلب، وكذلك قوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ
أي لم يرد أن يشعروا به.