من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
والحكمة في إنزاله مقسما بين الوجهين المذكورين والكلام في المعارف والمعجز.
اعلم أنّ الله تعالى لمّا ابتلى العقلاء بتكاليف الدّين بعد إزاحة العلل وتسهيل السّبل وبعث الرّسل رتّب في مراسمه مراتب، وجعل لكلّ مرتبة قدرا من الجزاء والمثوبة ترغيبا في الاستكثار من طاعته، وحضّا على التّنافس في أشرف المنازل لديه ومن أجل تلك المراسم ما ندب إليه من تدبّر كتابه الحكيم الجامع للأوامر والنّواهي وأصول الحلال والحرام، والمندوب إليه والمباح، وقصص الأمم السّالفة، وأخبار الأنبياء معهم، والمواعظ والأمثال، والحكم والآيات والنّذر والمثلات، والعبر والامتنان بأنواع النّعم، والإخبار بالشيء، قبل كونه والتّنبيه على مغيبات الأمور وسرائر القلوب من دونه، هذا وقد أنزله علما لنبيّه يتحدى زمان الفصاحة، وأوان التّبلغ بالبلاغة جعل بعضه جليا واضحا وبعضه خفيّا متشابها، ليعمل من تسمو نفسه إلى أعلى الدرجات فكره، فيمتاز في العاجل بما يستنبطه ويثيره من جليل العلم ودقيقه عن غيره ممن لم يسع سعيه، وإن جاهد في ربه ويجتاز في الأجل عند الله من الزّلفة وجزيل المثوبة ما يقرب من غايات الأنبياء وذوي العزم والنّصيحة فلولا حكمة الله فيما ذكرته لبطل التّفاضل فيما هو أشرف وتدانت الأقدار فيما هو أفخم.
ألا ترى أنّ الصّبر في أعمال القلب وأعمال الفكر وكد الرّوح لنتائج النّظر ليس كالصبّر في إتعاب الجوارح وإنصاب الأراب والمفاصل، لذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[سورة العنكبوت، الآية: ٦٩] فأما ما روي من أن لكل آية ظهرا وبطنا ومطلعا فالمعنى لكلّها لفظ ومعنى، ومأتى أي طريق يؤتى منه فيتبيّن علمه من ذلك الطّريق وقيل أيضا فيه: الظّهر للإخبار عن مخالفة الأمم وهلاكها والبطن يكون تحذيرا أي لا تفعلوا فعلهم فتهلكوا هلاكهم.
[ ٨١ ]
وحكى عن النّظام أنه قال القرآن كلّه أو بعضه جاء على كلام العامّة في أمثالهم إياك أعني فاسمعي يا جارة. وقد ظهر وجه الحكمة بما بينّاه في تنزيله بعض الكتاب محكما وبعضه متشابها فأمّا التّنبيه على كلّ نوع منهما فإنّا نقول وبالله التّوفيق:
اعلم أنّ المحكم من الآي هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فيوافق ظاهره باطنه إذا تأوّل كأنّه أحكم أمره ومنع متدبّره من تسليط الشّبهة عليه كما منع هو في نفسه من أن يتورده الاحتمال، وأصل الأحكام المنع. ومنه حكمة الدابة فإن قيل: إنّ الله تعالى قد وصف آيات القرآن كلّها بمثل هذه الصفة لأنه قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
[سورة هود، الآية: ١] وإذا كان كذلك فالمتشابه محكم أيضا ويؤدّي ظاهر الآيتين إلى تناقض قلت: إنّ قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ
معناه أتقنت وأتي بها على حدّ من الوثاقة في النّظم والإصابة في المواضع لا يتخلّلها اختلال، وهذا كما يقال للبناء الوثيق محكم. وقد قال الله تعالى في موضع آخر: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
[سورة يونس، الآية: ١] فجعل الكتاب حكيما بما تضمّنه من الحكمة وإذا وضح ذلك فقد سلم ما قلناه ولم يحصل بحمد الله تناقض، ويشهد لما تأوّلنا عليه المحكم أنّه جعل في مقابلة المتشابه.
وجوّز بعض المتأوّلين أن يكون معنى أحكمت آياته أجملت من حيث جاء بعده، ثم فصّلت إذ كان الإجمال والتّفصيل يتعاقبان، وهذا الذي قاله لا يعرف في اللغة، والمتشابه هو الذي دخل في شبه غيره فيعتوره تأويلات أو أكثر، ومن شرطه أن يرد إلى المحكم فيقضي به عليه، لهذا قال تعالى في صفة ثمر الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا
[سورة البقرة، الآية: ٢٥] فقيل المعنى يشبه بعضه بعضا في الجودة والحسن. وقال المفسرون: يشبه بعضه بعضا في الصّورة ومختلف الطعوم وقد وصف تعالى الكتاب كلّه بالمتشابه كما وصفه بالحكيم، وكما وصف آية بالإحكام فقال: كتابا متشابها والمعنى يصدّق بعضه بعضا فلا يختلف ولا يتناقض. وقل عليّ لابن عباس حين وجّه به إلى الشّراة «١» قبل القتال لا تناظروهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، ولكن ناظروهم بالسّنة فإنّهم لا يكذبون عليها فقوله:
حمّال أي: يحمل عليه كل تأويل، وهذا يترجم عن معنى المتشابه ومثال المحكم نحو قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[سورة النحل، الآية: ١٤٥] وكقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[سورة النحل، الآية: ٩٠] .
فأمّا وجوه المتشابه فمختلفة، (منها) اتّفاق اللّفظين مع تنافي المعنيين في ظاهر آيتين كقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
[سورة فاطر، الآية: ٣] فهذا محكم لفظه استفهام
[ ٨٢ ]
ومعناه نفي، والمراد لا منشئ إلا الله. ثم قال تعالى في موضع آخر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[سورة المؤمنون، الآية: ١٤] فقلنا الخلق في كلامهم يكون الإنشاء ويكون التّقدير يقال: خلقت الأديم إذا قدّرته قال: ولأنت تعزي ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يعزى، والآية النّافية تقضي على المثبتة بأنّ الخلق يكون فيه التّقدير لا غير لأنّ الذي يخلص لله تعالى من معنى الخلق فلا يشارك فيه هو الإنشاء ومثله قوله تعالى: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[سورة محمد، الآية: ١١] مع قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ
[سورة يونس، الآية: ٣٠] لأنّ المولى في اللغة يقع على السيّد والعبد والمعتق والولي والنّاصر وابن العم، فمعنى لا مولى لهم: لا ناصر، ولا ولي ومعنى مولاهم الحق الإله والسّيد الذي لا شك فيه يوم يكون الحكم والأمر له وهذا بيّن. (ومنها): التّنافي بين المعنيين في ظاهر آيتين وإن لم يكن عن اتفاق لفظين مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
[سورة الزلزلة، الآية: ٦] مع قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا
[سورة الكهف، الآية: ٩٩] وهاتان حالتان إحداهما حالة الورود وهي عند البعث والنّشور، والأخرى حالة الصّدور والانسياق إلى المعد من الثّواب والعقاب، وهذا معنى ليروا أعمالهم فالمحكمة التي يرد إليها يصدر الناس أشتاتا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٤] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٥- ١٦] وهذا واضح ومثله قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
[سورة النمل، الآية: ٨٣] أي يدفعون ويستعجلون مع قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا
[سورة مريم، الآية: ٩٥] ومعنى فردا لا عدد معه ولا عضد ولا عدّة ولا ذخيرة والمحكمة التي ترد إليه هذه قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا
[سورة مريم، الآية: ٨٠] وإذا كان كذلك انتفى التّشابه.
ومنها استغلاق الآية في نفسها وبعدها باشتباهها عن وضوح المراد منها ومن جعل وجه التّشابه هذا وما يجري مجراه استدل بقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[سورة آل عمران، الآية: ٧] وجعل وجه الأحكام ظهور المعنى وتساوي السّامعين في إدراك فهمه ولذلك مثل كثير من أهل العلم المحكمات بالآي الثّلاث التي في آخر الأنعام وهي قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ١٥١] إلى ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[سورة الأنعام، الآية: ١٥٣]، والمتشابهات بقوله تعالى: الم*
، والر*
، وكهيعص
، وطه
وما أشبهها. ومنها ألا يعلم السّبب الذي نزلت الآية فيه على كنهه وحقه لاختلاف قديم يحصل فيه بين الرّواة، وادّعاء بعضهم النّسخ فيه ولغرابة القصّة وقلّة البلوى بمثلها والصّواب عندي في مثل هذا أن يؤثر ما يكون لفظة الكتاب أشهد له وأدعى إليه،
[ ٨٣ ]
ومثاله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ
[سورة المائدة، الآية: ١٠٦] إلى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا
[سورة التغابن، الآية: ١٦] .
ومنها أن يروى في تفسير الآية عن طرق كثيرة وعن رجال ثقات عند نقّاد الآثار ورواتها، أخبار يختلف في أنفسها ولا يتّفق ولا يستجاز مخبرها أو يستبعد، ثم تجد إذا عرضتها على ظاهر الكتاب لا تلائمه من أكثر جوانبها ولا توافقه وذلك مثل قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٩] إلى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٩٠] ومثل قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٢] إلى أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٣] والوجه في الآيتين وأشباههما عندي أن يراعى لفظ الكتاب بعد الإيمان به ويبدل المجهود في انتزاع ما يتفق فيه أكثر الرّواة من جهة الأخبار المروية وما هو أشبه بالقصة، وأقرب في الندين، ثم يفسر تفسيرا قصد لا يخرج فيه عن قصة الرّواية واللفظ ولا يترك الاستسلام بينهما للجواز والانقياد للاستبشار لما عرف من مصالحنا فيما يمنعنا علمه أو يقنعنا عليه ألا ترى قوله تعالى فيما استأثر بعلمه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: ٨٥] وقوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[سورة الأعراف، الآية: ٨] بعد قوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
[سورة المدثر، الآية: ٢٩] عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[سورة المدثر، الآية: ٣٠] ومثل هذا الاستبشار ما فعل الله من الصّرفة بيعقوب وبنيه حين انطوى عليهم خبر يوسف وكان بينه وبينهم من المسافة ما كان بينهم. ويشبهه الصّرفة التي ذكرناها ما يفعل الله من سلب الانبساط من الكفّار فيكون ذلك سببا للتسلّي فيما يبتلون به من العقاب وذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
[سورة الزخرف، الآية: ٣٩] .
ومنها الالتباس حال التاريخ أو ما يجري مجراه في آيتين تتعارضان أو آية وخبر فتختلف في النّاسخة منهما والقاضية على الأخرى وذلك كما روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: ٤٩] وهو أمر بالحكم فنسخت ما قبلها وهو: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
[سورة المائدة، الآية: ٤٢] وهو تخيّر. وروي السدّي عن عكرمة في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[سورة المائدة، الآية: ٤٢] قال نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: ٤٩] وهذا قول أهل العراق ويرون النّظر في أحكامهم إذا اختصموا إلى قضاة المسلمين والأئمة، ولما روي من رجم النبيّ ﷺ اليهودية واليهود، وأمّا أهل الحجاز فلا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون
[ ٨٤ ]
إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو من أعظم الحدود التي يأبون ويتأولون في رجم النبي ﷺ اليهوديين على أنّ ذلك كان قبل أن يؤخذ منهم الجزية والمقارة على شركهم وفي هذا القدر بلاغ للمتأمّل.
فأمّا الكلام في المعرفة بالله تعالى ووجوبها وبيان فساد قول القائلين بالإلهام فإنا نذكر طرفا منه ونقول: اختلف النّاس في ذلك فزعم قوم أنّ المعرفة لا يجب على العاقل القادر وأنّها تحدث بإلهام الله تعالى وكل من لم يلهمه الله المعرفة به فلا حجة عليه ولا يجب عليه وقالوا: إنّ الذين قتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا كفارا وإنّما قتلوا على سبيل المحنة، كما يقتل التّائب والطّفل ولا يجب عليهم عقاب لأنّ الله تعالى لا يجوز أن يغضب وعلى من لم يرد إغضابه.
وقال الجاحظ: إنّ المعرفة غير واجبة ولكنّها تحدث بالطبع عند النّظر، وقال: إنّ الذين قتلهم رسول الله ﷺ كانوا عارفين بالله معاندين واحتج بقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[سورة النمل، الآية: ١٤] وقال لا يأخذ الله الإنسان بما لم يعلم ولا بما أخطأ فيه ألا تراه يقول تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[سورة البقرة، الآية: ٢٢٥] واستدلّوا على صحة مذهبهم بأن قالوا إن الاعتقاد لا يعلم أنه حسن أو قبيح حتى يعلم أنّه علم أو ليس بعلم فإذا علم أنّه علم فقد علم المعلوم لأنّ العلم بالعلم علما هو علم بالمعلوم فإذا علم المعلوم فقد استغنى عن اكتساب العلم به وإن كان لا يعلم أنه علم فإذا لا يجب على هذا الإنسان فعل ما لا يأمن أن يكون قبحا.
وقال أكثر أهل العلم إن المعرفة واجبة وهي من فعل الإنسان وإنّ أول المعرفة يقع متولدا عن النظر ولا يجوز أن يقع مباشرا ثم ما بعد ذلك لا يجوز أن يقع مباشرا وأنّ كلّ من أكمل الله عقله وعرّفه حسن الحسن وقبح القبيح فلا بدّ من أن يوجب عليه المعرفة به، وأن يكلفه فعل الحسن وترك القبيح وبعضهم يضيف إلى هذه الجملة وقد جعل شهوته فيما قبحه في عقله ونفور نفسه عما حسنه في عقله.
ويستدل على وجوب معرفة الله فإنه لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله لحسنها وقبّح الذّهاب عنها أو لم يكلّفنا وتركنا مهملين، فإن كان قد كلّفنا فهو الذي يزيد، وإن كان تركنا سدى فإنّ الإهمال لا يجوز عليه. ويقال أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم، ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن نعرف المنعم لنشكره.
واعلم أنّ المعجز هو ما لا يقدر عليه في صفته أو في جنسه، فأمّا لا يقدر عليه في جنسه فهو مثل إحياء الموتى وأمّا ما لا يقدر عليه في صفته فهو فلق البحر. لأنّا نقدر على تفريق
[ ٨٥ ]
الأجسام المؤتلفة، ولكن على تلك الصّفة وتلك الحالة لا نقدر عليه، فأمّا الخبر عن الغيوب فليس بمعجز ولا وقوع المخبر على ما أخبر به معجز إذ يجوز على الخبر عن الغيب أن يكون صدقا أو كذبا وإذ قد ثبت أن يخبر الإنسان عن الشيء أنه يكون فيكون وليس يعلم في حال الخبر أنّ المخبر به يقع على ما أخبر به عنه ولا يعلم أنه معجز وإنّما العلم بأنّ الشيء يكون قبل أن يكون يعجز بلى من سمع النبي ﷺ يذكر أنه سيكون كذا وكذا ويخبر عن الغيب ثم يبقى إلى الحالة يكون فيها ما ذكره فحينئذ يكون ذلك دلالة وحجة عليه، فأمّا من لم يبق إلى تلك الحالة فهو ليس تقوم عليه الحجّة في وقت الإخبار ولا يصح الاستدلال بذلك بل يجب أن يدلّه الله بدليل آخر.
فإن قال قائل: كيف يصحّ أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشيّاطين ولا يخلو من أن يكون الذي يرمى به الشّيطان ليحرقه كوكب فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب وقد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشّعاع من الكواكب ويتّصل بالجنّي حتى يحرقه، إذ لو لم يتّصل به لم يحترق وهذا أيضا لا يجوز لأنّ الكواكب لا تحتك. قيل له: إنّ كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها كما قال قوم في المجرة إنها كلّها كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشّعاع ويحترق الجنّي، وكلّ ذلك ليس بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.
وأما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا لو انشقّ حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن نختلف التّقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة، فلو انشقّ القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير، فأمّا قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[سورة القمر، الآية: ١] فإنّما معناه سينشقّ ونحن نثبته ونقول:
يكون ذلك دليلا خصّ به عبد الله بن مسعود ﵁ وأنّ سائر النّاس لم يرده لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها ويجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله وعلى ما نطق به القرآن من ذكره.