قال أبو نصر: تكوير اللّيل على النهار والنّهار على اللّيل أن يلحق أحدهما بالآخر.
وإيلاج النّهار في اللّيل، واللّيل في النّهار، دخول أحدهما في الآخر. وقال الخليل: التكوير تغشية اللّيل النّهار والنّهار اللّيل. ومنه كارة القصار. وقال الدّريدي: الكور كور العمامة والقطعة العظيمة من الإبل، وفي المثل: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي النّقصان بعد الزّيادة، وكرت العمامة كورا، وكذلك الكارة وكار الرجل، واستكار: أسرع في مشيته يكور كورا، وزلف اللّيل من النّهار والنّهار من اللّيل ساعات كل واحد منهما يأخذه من صاحبه، والواحدة زلفة. قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ
[سورة هود، الآية: ١١٤] ومنه المزالف والزّلفى ومزدلفة.
وقال الخليل: مزدلفة: سميت بهذا الاسم لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، قال الأصمعي: إذا طلع الفجر فأنت مفجر حتى تطلع الشّمس فإذا طلعت فأنت مشرق إلى ارتفاع النّهار، ثم أنت مضح. وفي القرآن: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
[سورة الشعراء، الآية: ٦٠] في وقت طلوع الشّمس، والإشراق والتّشريق انبساطها، والشّروق طلوعها. ثم أت مضح حتى تزول الشّمس، فإذا زالت فأنت مهجر ومظهر إلى أن تصلّي العصر، ثم أنت معصر ومقصر وموصل إلى أن تحمّر الشّمس، ثم أنت مطفل إلى أن تغيب، فإذا غابت فأنت مغيب ومغرب وموجب ومشفق ومسدف، فإذا غاب الشّفق فأنت مظلم ومفحم.
قال أبو العبّاس ثعلب: يقال: رجل نهر وسابح إذا كان يتصرّف في النّهار دون اللّيل، فإذا كان باللّيل دون النّهار قيل: هو ليلي لابس، وهذا أخذه من قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا
[سورة النّبأ، الآية: ١٠- ١١] وقوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا
[سورة المزّمل، الآية: ٧] وقد قيل: سبحا أي: عملا وتقلبا ومنه سمّي السّابح لتقلّبه بيديه ورجليه ولباسا: أي استمتاعا من قوله:
لبست أبي حتّى تملّيت عيشه وملّيت أعمامي وملّيت خاليا
[ ١٩٣ ]
وذكر بعض أصحاب المعاني أنّ العيشة والعيش ليسا بالحياة، ولكن ما يستعان به على الحياة واستدلّ بقوله تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا
[سورة النبأ، الآية: ١١] قال: وهذا كما قال في الآية الأخرى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: ٧٣] وقال في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٧] أي ما ألبسهم من ظلمته فلبسوه لباسا، والنّوم سباتا أي سكونا وأنشد لأميّة:
ما أرى من يعشّني في حياتي غير نفسي إلّا بني إسرال
وقال: المراد بقوله: يعشني يعينني على أمر الحياة، والسّكون إنّما هو في اللّيل والابتغاء من فضله بالنّهار، ولكن لمّا عطف أحدهما على الآخر أخرجا مخرج الواحد الجامع للشّيئين، ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدا وعمرا لتلقينّ منهما شجاعة وفصاحة، على أنّ الفصاحة لأحدهما والشّجاعة للآخر، وهذا بمنزلة ما يقع في الجمع إذا قلت: في بني فلان خير وشر، لأنّ الدّعوة قد ضمّتهم جميعا فانطوت على الخير والشرّ، وإن كان الخير في جماعة والشّر في آخرين، وكذا كلّ تثنية وجمع تعلّق الخبر به على الإجمال، لأنّه يصير كالواحد.
وقال تعالى في موضع آخر: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٤٧] أي:
ينشرون فيه عن نومهم باللّيل، والانتشار التّصرف. وقال في موضع آخر: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا
[سورة القصص، الآية: ٧٢] أي دائما، يقال: هو يسهر سهرا سرمدا إذا لم يكتحل فيه بغمض ولا يكون السّرمد ما يقع فيه فصل، وقوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
[سورة النمل، الآية: ٤٩] أي تحالفوا، وكلّ عمل باللّيل تبييت. ويقال: هو أمر دبّر بليل. ويقال للصّقيع: البيوت، لوقوعه باللّيل، وفي القرآن: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
[سورة النساء، الآية: ١٠٨] وأنشد أبو عبيدة شعرا:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا وكانوا أتوني بأمر نكر
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
[سورة الفرقان، الآية: ٦٢] الخلفة ما خلف بعضه بعضا أي كلّ واحد يخلف صاحبه، قال زهير:
بها العين والأرآم يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم
ومعنى لمن أراد أن يذكر، يريد لمن أراد أن يتذكّر ويستدلّ على نعم الله على خلقه وعلى أنواع لطفه فيما تعبّدهم به وتظاهر حججه وتبيانه فيما ندبهم إليه، وهذا كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ*
[سورة القمر، الآية: ٣٢] وكقوله تعالى:
[ ١٩٤ ]
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*
[سورة الرعد، الآية: ١٩] وقوله تعالى: أَوْ أَرادَ شُكُورًا
[سورة الفرقان، الآية: ٦٢] يريد أو يتأمل ما ينقل فيه حالا بعد حال من صنوف آلائه، ووجوه إحسانه، فيضم الشّكر فيه. قوله: خلفة فيما يؤدّيه من المعنى كما حكاه أبو زيد من قولهم: ولد فلان شطرة، والمراد ذكورهم بعدد إناثهم، فهذا من الشّطر، كما أنّ ذاك من الخلافة. والنّشئة والنّاشئة أوّل ساعات اللّيل.
وقال ابن الأعرابي: إذا نمت من أوّل اللّيل نومة ثم قمت، فتلك النّاشئة والنّشئة حجر يكون على الحوض. قال ومنه قوله: هرقناه في بادي النّشيئة داثر والنّشيئة الجارية.
ومنه قول الشاعر شعرا:
ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النّشأ الصّغار
قال أبو العباس المبرّد: إذا قال القائل: ما رأيته مذ مدّة من يومي علم أنّ ذلك ساعة أو ساعات. وإذا قال: مذ مدّة من عمري علم أنّ ذلك سنة أو سنون أو ما يدانيه.
ومن ظروف المكان مني فرسخين: وكان شيخنا أبو علي يقول: هذا كان يقوله الدّليل لمن يستهديه، أي: إني أرشدك في فرسخين، ومعنى من شأني وأمري كما قال: فإنّي لست منك ولست منّي ويجوز أن يقول: أنت منّي فرسخان، كأنّه جعله نفس الفرسخين.
والمعنى: بيننا هذه المسافة، فأمّا قولهم: هو منّي معقد الإزار ومقعد له لقابلة، ومناط الثّريا فإنما ساعت أن تكون ظروفا وإن كان المحدود من الأماكن لا يجعل ظروفا لأنّها أزيلت عن مواضعها، فوضعت موضع القرب والبعد، فدخلها بذلك الإبهام، وتقول: اليوم الجمعة واليوم السّبت، وجعلت الثّاني هو الأوّل، فرفعت لكونه مبتدأ أو خبرا، وإن نصبت فقلت:
اليوم السّبت واليوم الجمعة جاز. وتجعل الثّاني كالحدث لتضمّنه معنى الفعل، فيصير كقولك: اليوم الخروج، وغدا الارتحال، ولو قلت: زيد اليوم لم يجز، لأنّ ظروف الأزمنة لا تتضمّن الأشخاص والجثث، لأنّها لا تخلو منها على كلّ حال، فلا يحصل في الكلام فائدة، وكذلك إذا قلت: حضرت يوم الجمعة، كان يوم الجمعة ظرفا لا غير، لأنّك إن جعلته مفعولا لم يكن فيه فائدة، لأنّه لا يغيب عنه أحد وعلى هذا قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٥] ويقول: الصّيام عشرة أيام إلّا يوما، فلا يجوز إلا الرّفع لأنّه يريد الوقت كلّه فهو كقوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
[سورة سبأ، الآية: ١٢] وتقول: اليوم عشر من الشّهر والاختيار النّصب، وكذلك إذا قلت لك: اليوم شهران أو سنتان نصبت اليوم، وإن سقط من الشّهر شيء لأنّ الاسم يستحق منه على نقصانه، وتقول: لا أكلّمك أخرى اللّيالي ذكر أخرى ليصلها بما قد مضى، وكذلك غابر الدّهر: أي باقيه وقوله: رآها مكان السّوق أو هو أقربا، مثل قوله تعالى:
[ ١٩٥ ]
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[سورة الأنفال، الآية: ٤٢] أي في مكان أقرب أو أسفل ويقول: هو منّي قدر أن تناوله يدي، وفوق أن يناوله يدي، وبعضهم يرفعه والوجه النّصب وعلى هذا قوله شعرا:
وقد جعلتني من خريمة إصبعا ويقول: لقيته من قبل قبل
على التّكرير، غاية ولقيته من قبل قبل تضيف الأوّل ولا تضف الثّاني، والنّية في الإضافة أن تكون إلى نكرة، وإن كانت النّكرة في مثل هذا المكان تفيد فائدة المعارف، بدلالة قوله آتيك غدا، لأنّه نكرة كالمعرفة، وقبل الذي لم تضفه معرفة لكونه غاية بما ضمّن، وهو في حكم البدل من قبل الأوّل، لأنّ إبدال المعرفة من النّكرة هو الأصل، وإن شئت قلت لقيته من قبل قبل، تنوي الإضافة فيهما على ما بيّنته. ومثله قولهم: من وراء وراء في الوجوه كلّها. وقد ذكر سيبويه في قولهم: من عل أنّه مضارع لقولهم: من عل لأنّهما لمّا وقعا لمعنى واحد على تقديرين مختلفين سمّاه مضارعه، فأمّا قوله: وقد علاك مشيب حين لا حين، فالمراد حين غير حين أي جاء المشيب في غير أوانه، فأدخل النّفي على حدّ ما كان موجبا.