قال قطرب: العام لما أنت فيه، وقابل للثّاني لأنّه يستقبلك، وجمعه قوابل وقباقب للعام الثّالث، ومقبقب للعام الرّابع. قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يعرف مقبقبا في العام الرّابع، وجمعه القباقب بفتح أوّله، وهذا كما قيل: عذافر وعذافر وجوالق وجوالق، وأنشدنا أبو علي في قابل وهو من أبيات الكتاب:
فقال: امكثي حتّى يسار لعلّنا نحجّ معا قالت أعاما وقابله؟
ومما يسأل عنه أن يقال: من أين جاز أن يقال عاما أوّل، ولا يوما أوّل، ولا سنة أولى. والجواب: أنّ قولهم عاما أوّل مما عمدوا فيه إلى تخصيصه بشيء لا يكون في غيره، اعتمادا على التّعارف، لأنّ المعنى: عاما أوّل من عامي، فلّما كانت الكلمة متداولة وكانت الحاجة إلى كثرة استعمالها ماسّة حذفوا وأوجزوا معتمدين على علم المخاطب، والنيّة الإتمام، ومثل هذا الاختصاص قولهم: اليوم فعلت كذا، جعلوه ليومك الذي أنت فيه، ولا يقولون: لقيته الشّهر، ولا السّنة، وقد قالوا أيضا: لقيته العام وإن كان العام بمعنى السّنة قال:
يا أيّها العام الذي قد رابني أنت الغداء لذكر عام أوّلا
فإن قيل: ولم احتجّ إلى من حتى قدرت في قولك: عاما أوّل أنّ أصله عاما أوّل من عامي. قلت: إنّما افتقر الكلام إلى من لأنّهم أرادوا أن يبيّنوا في أفعل ابتداء الزّيادة من أي شيء كان ليعرف حدّه ومبتدؤه. ألا ترى أنّ معنى قولك: زيد أفضل من عمرو أنّ ابتداء زيادة فضله من فضل عمرو، فهو حدّه. وأوّله، فكذلك قولهم: عاما أوّل فاعلمه.
واعلم أنّ حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، بدلالة أنّه يقع على كل مكان، لا جهة من الجهات السّت إلّا ولإبهامه يقع عليها، واحتاج في الاستعمال إلى جملتين: جملة يضاف إليها، وجملة تفيد حدثا يقع فيه، كما أنّ حين يقع على كلّ زمان. ولذلك أضيف إلى الجمل الخبرية من الابتداء، والخبر والفعل والفاعل والشّرط والجزاء، كما فعل ذلك بإذ وأخواته- وإن كان ذلك خارجا من شروط الأمكنة، لأنّ المكان إذا جاء بهما حكمه أن يضاف إلى مفرد يخصّصه، فلمّا تناهى حيث في الإبهام لانتظامه جميع الجهات، ولم يضف إلى مستحقّه من مفرد يخصّصه بل أضيف إلى جملة، صار هو مضافا إليها في حكم المفرد
[ ١٨٤ ]
فأشبه الغايات من نحو: قبل وبعد وما أشبههما، لأنّها هي مفردة تضمّنت معنى المضاف إليه وهو معرفة فبنيت جميعا لذلك، إلّا أنّ الغايات وجب أن تبنى على حركة لأنها ممّا قد يتمكّن في غير هذا الموضع، فصارت لها مزيّة على ما لا يتمكّن البتّة، فبناؤها لما لها في أوّل أمرها وحيث وجب أن تبنى على سكون لعدمها تلك المزيّة، لكنّه حرّك آخره لالتقاء السّاكنين.
وفي حيث لغات أربع: حيث وحيث وحوث وحوث، فالضّم لدخوله في شبه الغايات مما ذكرناه والفتح لخفّته. وحكى الكسائي عن بعضهم أنّهم يكسرون حيث فيقولون: من حيث لا يعلمون كسرة إعراب، ويمكن في هذا أن يقال فيه: إنّه شبّه باسم الزمان إذا أضيف إلى غير متمكّن، نحو من خزي يومئذ ويومئذ وعلى حين عاتبت وحين عاتبت.
والغايات أصلها الظّروف وإعرابها في الأصل: للنّصب والجر، وكان تمامها بما كانت تضاف إليه، فأفردت عنه اعتمادا على علم المخاطب به وجعلت في نفسها غاية الكلام ونهايته، حتّى كأنّه لا افتقار فيه إلى غير هذا، وقد ضمّن معنى ما كان مضافا إليه ويصير به معرفة، والاسم إذا تضمّن معنى حرف فحقّه أن يبنى، وإنّما قلنا: ويصير به معرفة أنك لو نكّرته لأعرب وأجري على أصله، تقول: جئت قبلا وبعدا كما تقول: أولا وآخرا كما أنّك لو أضفته، فقلت: من قبل كذا، ومن بعد كذا لأعرب ولم يبن.
وقال أبو العباس: يقول في الجملة: إنّ كلّ ما كان حقّه الإضافة فحذفت منه استغناء بعلم المخاطب فإنّه معرفة من غير جهة التّعريف وحقّه البناء، فمن ذلك: قبل- وبعد- وأوّل- ومنذ- وليس- وغير- يدلّك على حذف المضمر ما يحذفه بعد حرف الاستثناء إذا قلت: عنده درهم ليس إلّا، حذفت ما بعد إلّا استغناء ومنها: من عل ويا زيد، ومنها: قطّ وهو لما مضى من الدّهر وحسب وهي للاكتفاء ومعنى قطّ فيما مضى فانقطع، والقطّ القطع عرضا، والقدّ القطع طولا، فهو معرفة لا يدخله الألف واللّام ولا الإضافة.
وقال شيخنا أبو علي: قطّ اسم ينتظم أوّل وقت، ذي الوقت إلى آخر ما بلغه منه، فهو عبارة عن أمده ومدّته، فوجب لذلك أن يكون مضافا إلى ذي الوقت كما أضيف إليه قبل وبعد، فلمّا اقتطع عن الإضافة بني على الضّم كما بنّيا، ومثل قط في انتظامه أوّل الوقت إلى آخره، منذ: إذا أريد به تعريف أمد الشّيء وذلك نحو أن تقول: لم أر زيدا، فيقال: ما أمد ذلك، وما مدّته، يعني انقطاع الرّؤية فتقول: منذ عشرون يوما فابتداء الوقت وانتهاؤه هذا في انتظام الاسم الذي هو مدّة لهما، ومن ثم بني منذ أيضا على الضّم حيث كان غاية مثل قطّ، ويجوز في جوابه المعرفة والنكرة وأبدا يدخله الألف واللّام لأنّه نكرة ومعنى أبدا فيما اتّصل وامتدّ من الوقت، ومنه الآبدة والأوابد. ومعنى قطّ مخفّفة مسكّنة إذا قلت: قطك ليكفك
[ ١٨٥ ]
واكتف ومثله قدك وحسبك ولتضمّنهما معنى الأمر في أوّل أحوالهما، استحقّا البناء، ومثل قطّ وقطك في أنّه يستعمل مثقلا ومخففا قولهم: بخ وبخ.
قال محمد بن زيد: يقال: بخ بخ، ويثقل أيضا كما قال في حسب بخ وعزاقس وأنشد غيره شعرا:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ بخ بخ الوالدة والمولود
وقال أبو إسحاق الزيادي: الدّليل على أنّ مه ليس من قولك مهلا أنّه ليس في الدّنيا اسم انصرف وهو تام، وامتنع من الصّرف وهو ناقص. فقال أبو عثمان المازني: بلى قطّ المخففة، زعم سيبويه أنّها مخففة من قولك قططته قطّا، قال: والدّليل على ذلك أنّ معنى قطّ معنى حسب، فهو لقطع الشيء يقوّي ما ذهب إليه أبو عثمان في هذا المعنى قولهم في حسب: بخ فأعربوه مثقلا وبنوه مخففا وتقول: جئت من فوق، ومن تحت، ومن أمام ومن دون، فالضّم في جميع ذلك مستعمل على الوجه الذي بيّنته.
فأما قولك: من عل فمعناه من فوق، وفيه عدة لغات ذكرها أهل اللّغة وسبيلها سبيل ما قدّمناه من أنّ جميعها في تقدير الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان المحذوف نكرة تنكّرت وأعربت وإن كان معرفة بنيت لأنّها بمنزلة اسم قد اكتفي ببعضه عن جميعه، وبعض الاسم يبنى وهو ظاهر.
واعلم أنّ ل: إذ موضعا آخر غير ما ذكرنا، وهو قولك: بينا زيد قائم إذ رأى عمروا.
وبينما زيد قائم جاء عمرو، فبينما عبارة عن حين، والمعنى وقت أنا قائم جاء عمرو، إلّا أنّ بينما متمكّنة فلها صدر الكلام بمنزلة مذ الذي يرفع الخبر. وكان الأصمعيّ يجرّبها المصدر خاصة وينشده: بينا تعتقه الكماة وروغه، يريد حين يعتقه والنّحويون يخالفونه لأنّها مبهمة لا تضاف إلّا إلى الجمل التي بيّنتها. وقال سيبويه: إذ يكون للمفاجأة إذا قلت: بينا أنا جالس إذ حضر عمرو، وبينا أنا أكلّم عمرو إذ طلع زيد.
وكان الأصمعيّ وكثير من النّحويين يأبون وقوع إذ في هذا الموضع، لأنّ معنى بينا الحين، فإذا قلت: حين زيد قائم إذ طلع عمرو، فلا معنى له إنّما الكلام حين زيد قائم طلع عمرو، وإذ فضلة. قال أبو العبّاس: أشعار العرب على ذلك قال:
بينا نحن نرقبه أتانا معلق وفضة وزنا دراع
وقال امرؤ القيس:
فبينا نعاج يرتعين خميلة كمشي العذارى في الملاء المهذّب
فكان ينادينا وعقد عذارة وقال صحابي قد شأونك فاطلب
[ ١٨٦ ]
فأمّا ما قاله سيبويه فغير بعيد، وقد أجازه قوم. وأنشد سيبويه شعرا:
بينما هنّ بالكثيب ضحى إذ أتى راكب على جمله
وقولك: خرجت فإذا زيد قائم، يجوز أن يقال: فإذا زيد قائم خرجت كما تقول:
خرجت فإذا زيد، لأنّ إذا ظرف مكان وسمّي الاسم به والمعنى: فحضرني زيد وإذ إذا جعل للمفاجأة كان في مثل معناه وأمّا مذ ومنذ فقد قال أبو العباس: أوّل ما يذكر من أمرهما أنّه يجوز أن يكون كلّ واحد منهما اسما وحرفا جارّا ولذلك قال سيبويه: إنّ مذ فيمن جرّ بها بمنزلة من في الأيّام ومذ ومنذ شيء واحد إلّا أنّ الأغلب على مذ أن يكون اسما وعلى منذ أن يكون حرفا لأنّ النّقصان إنما يكون في الأسماء والأفعال دون الحروف، وذلك في نحو:
دم ويد وخذ وكل.
والدّليل على أنّ مذ منقوصة من منذ أنّك لو سمّيت إنسانا أو غيره بمذ ثم صغرته لقلت منيذ، فرددت ما ذهب فإنما هو بمنزلة لد ولدن ومن عل ومن علا وآتيك غدا وغدوّا، فإن أردت في منذ أن يكون حرفا قلت: لم أرك منذ يومين، ومذ يوم الجمعة ومعناه: من هذه الغاية، وكذلك سرت من مكان كذا، وإذا أردت أن يكون اسما قلت: لم أر ذاك مذ يومان أي أمد ذاك يومان وهذا ابتداء وخبر والرّفع في مذ أكثر. وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة أو مذ اليوم صارت بمنزلة منذ التي غلب عليها الحرفية، وذاك لأنّ العلّة التي يوجب منها الاسمية قد زالت لأنّك إذا قلت: لم أرك منذ يومان، فالمعنى بيني وبينك يومان وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة، فليس معناه بيني وبينك اللّيلة، إنما هو في اللّيلة فإنّما المعنى فإذا قال: رأيت زيدا مذ يومان، فيجوز أن تكون الرّؤية متّصلة، ويجوز أن يكون رآه في ذلك الوقت، ثم لم يره بعده، وإنّما هذا على قدر ما تقدم، يقول القائل: إنّ زيدا يأتيك مذ مدة، فأقول: أنا رأيته مذ يومان أو شهران، وتأويل هذا إنّما حدثت هذه الرّؤية في هذا الوقت، أو يقول القائل: زيد أيأتيك في كلّ يوم؟ فأقول: ما رأيته مذ يومان، أي قد انقطع عنّي بعدهما، ولو قال القائل مبتدئا: رأيت زيدا مذ يومان، ثمّ لم يصله بكلام، ولم يعطفه على كلام، لم يحكم فيما بعد الوقت بشيء ويتصل بهذا أن تقول: رأيت زيدا مذ يومان، يختلف إلى عمرو، ورأيت زيدا مذ يومان يضرب عمرا، فإنّما خبّرت بوقت الضّرب ولم تعرض لما بعده وتقول: رأيت زيدا يوم الجمعة أي أوّل ما فقدته أوّل يوم الجمعة، فيقع النّفي على جميع اليوم كما كانت الرّؤية في جميعه. ويجوز أن يكون النّفي واقعا على بعض اليوم فيكون حدّ الرّؤية منه مجاوز الأول الفقدان، وقول القائل: لا كالمشية زائر ومزورا معناه: لم أر زائرا كزائر رأيته اليوم، قال: ولا يقولون في سائر الصّفات، يعني الظّروف لا يقولون لا كنصف النهار ولا لا كهذه السّنة قال الشاعر شعرا:
[ ١٨٧ ]
روحوا العشيّة روحة مذكورة إن متن متن وإن خيين خيينا
إن متن متن وإن حيين فلا أرى لا كالعشيّة إن بقين بقينا
واعلم أنّ قول القائل: ما برحت أفعل كذا براحا. أي أقمت على فعله مثل ما زلت أفعله، وهذا في الزّمان ولا بدّ له من خبر. فإن قلت: ما برحت من مكان كذا، فالمعنى ما زلت براحا وبروحا، وهذا في المكان كالأوّل في الزّمان وقد مضى القول فيه، ويمضي في غير موضع من هذا الكتاب.
وقد قيل: إنّ براح اسم للشّمس معدول عن البارحة الزّايلة مثل قطام وقولهم جبل براح يوصف به الأسد والشّجاع، لأنّ زواله متعذّر كأنه شدّ بالجبال، وهذا غريب فيما يشتق، ومثله قول القائل: البارح من الظّبا والطّير هو المنحرف عن الرّامي إلى جهة لا تمكّنه من الرّمي، والسّانح المقبل المتعرّض في جهة تمكن. قال: ولذلك يتشاءم بالبارح، ويتيمّن بالسّانح، قال: فأمّا من تيمّن بالبارح، فلأنه نجا، ومن تشاءم بالسّانح لأنه هلك. وقول ابن الأحمر:
غدوا وأعدّوا الحيّ الزّيالا وشوقا لم يبالوا العين بالا
الغدو يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون اسم اليوم الذي يلي يومك، فإن جعلته مصدرا يكون مثل غدا غدوا، ويكون مفعولا وواعدوا الزّيال المفعول الثاني، وينعطف عليه شوقا كأنّهم لمّا وعدوا بالزّيال المهيّج للشّوق فقد وعدوا بالشّوق.
ومثله الغدوّ في القرآن: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
[سورة سبأ، الآية: ١٢] فالغدوّ:
مصدر بدلالة أنّه قابله بالرّواح، والتّقدير مسيرة غدوّها مسيرة شهر، وإن جعلته اسم اليوم فمثله قوله: بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع. والمعنى في غدو: أعدوا الحيّ الزّيال وشوقا، ويكون المفعول الثّاني محذوفا، وأما قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[سورة الرعد، الآية: ١٥] فيجوز أن يكون الغدوّ: جمع غد مثل نحو ونحو، ويقوّي ذلك أنّه قوبل به الجمع الذي هو الآصال، ويجوز أن يكون المصدر، ويقويه قوله: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
[سورة آل عمران، الآية: ٤١] وقال:
أفد الرّحيل وليته لم يأفد فاليوم عاجله ونعذل في غد
أي اليوم عاجل البين، ونعذل في غد أي في أخبار غد يضيف المصدر إلى المفعول به لأنّه خرج بانجراره من أن يكون ظرفا، فهو مثل: من دعاء الخير، وبسؤال نعجتك، وقال:
وليس عطاء اليوم مانعه غدا. أي مانعه عطاء غد فحذف المضاف.
[ ١٨٨ ]