حكى الأصمعيّ أنّ العرب ربما تذكر اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات والأفعال منسوبة، ولشهرتها وظهور الفرض منها استجيز معها ما لم يستجز في غيرها، ولا يتقايس، فمن ذلك: لا آتيك مغرى الغرر، أي حتى يجتمع وذلك لا يكون أبدا ولا آتيك أبي هبيرة، قال: وأبو هبيرة هو سعد بن زيد مناة بن تميم، ولا آتيك هبيرة بن سعد، ولا آتيك القارظة الغزى، وقولهم: زمن الفطحل: أي حين كانت الحجارة رطبة قال:
لو أنني عمّرت عمر الحسل أو عمر نوح زمن الفطحل
كنت رهين هرم أو قتل جعل الموت حتف الأنف والقتل سواء، أو عام الفتق قال رؤبة: لم ترج رسلا بعد أعوام الفتق، يشيرون بذلك إلى زمن الخصب والخير كأنّ جلود الأكلة والرّاعية لسمنها فتقت فتقا، وكأنّ ظواهر الأرض وبطنانها فتقت بالنّبات، ويقال: آتيه قيظ عام أوّل، وما تركت من أبيه مغدا ولا مراحا ولا مغداة ولا مراحة، يعني من الشبّه به، وبعضهم يقول: ولا رواحا ولا رواحة ولا أكلّمك آخر المنون، وأخرى المنون، ولا أكلمه آخر ما خلقي، يريد آخر عمري أي ما بقيت.
وقال يعقوب: يقال: آخري ما خلقي، ومنهنّ أزمان الجنان، وهذا يشيرون به إلى الشر والآفات وأنشد:
فمن يك سائلا عنّي فإنّي من الفتيان أعوام الخنان
يقال: خنّ الرجل وهو مخنون: إذا ضاقت خياشيمه حتى يجيء كلامه غليظا لا يكاد يفهم، وقال جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان، والخنان داء يعتري العين، وقال الخليل:
الخنان في الإبل كالزّكام في النّاس، وقال الدّريدي: زمن الخنان معروف، ولم أسمع من
[ ١٧٠ ]
علمائنا تفسير أو ذكر بعضهم أنّه يضرب بالخنان المثل في البلاء والشّدة، لأنّ البعير إذا خنّ كوي ناظراه، وهما عرقان. قال:
قليلة لحم النّاظرين يزينها شباب ومخفوض من العيش بارد
يصف امرأة وعلى هذا تفسير بيت جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان: أي من داء الكبر، ويكون كقوله: يداوي به الصّاد الذي في النّواظر.
وذكر بعضهم: خنّ في الأكل: أسرف، ونحن في خنان من العيش، وسنة مخنة أي مخصبة، وقد أخنت، وعشب أخنّ أي ملتف. قال الشيخ: وهذا الذي فسّرناه أخيرا يصلح أن يصرف زمن الخنان إلى الخير والسّعة أيضا، إلا أنّ ما أنشده الأصمعيّ ورواه يدل على خلافه، وذكر بعضهم أنّ الخنان أصله أنّ رجلا من العرب غزا قوما في الجاهلية، فلما فرّق الغارة فيهم قال: خنوهم بالسّيوف، فشهر يومه بزمن الخنان، وفسّر خنوهم، على نذودهم.
واعلم أنّ القبائل مختلفة ولم أذكرها لقلّة فوائدها، وإن كان قطرب وغيره دوّنوها في كتبهم في الأزمنة وأسماء آلهتهم كيغوث ومناة ويعوق ونسر وهبل وما أشبهها، وذكر مطافهم ودورهم وما يتعلق بأيّامهم وأعيادهم وأسواقهم تجاوزتها لأنّ ما نعيد منها لا تحلّ به في موضعه من الكتاب وتطويل الكلام بما ليس من الموضوع في الأصل مرفوض في مصنّفاتنا.
[ ١٧١ ]