قال الله تعالى في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات والأرض، واختلاف الليل والنّهار فقال تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[سورة البقرة، الآية: ١٦٤] والمراد أنّ في تعاقب الظلم والأنوار وما ينشئه تعالى جدّه من أنواع السّحاب بين السّماء والأرض وينزّله من الأمطار ويخرجه من النّبات أعظم الأدلة على حدوثها لما فيها من إحكام الصّنعة وثباتها على ما ثبت عليه من العبرة، إذ لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ولا تناقض، ولا فساد فمن تدبّرها وتأمّل الأحوال التي تعتورها من الحركة والسّكون، والزّيادة والنّقصان، والانكشاف والتروية والإقلاع، أدّاه الاعتبار إلى أنّه واحد ليس كمثله شيء، تعالى الله عما يقول الظّالمون علوا كبيرا.
وروي في الحديث: «السّحاب غربال المطر، لولا ذلك لتهدّم البنيان» ويقال:
سحاب، واحده سحابة ومثله الغيم والغيوم. ويقال ذلك في القليل والكثير والغمام والواحدة غمامة وهي الغراء البيضاء والجمع غر وبيض.
ويقال: المزن والواحدة مزنة. ومنها الغماء وهي السّحابة السّوداء.
ومن دلائل الغيث أن يتقدّمه هبوب المبشّرات ثم يكون النّشأ من قبل العين فيحسن خروجه والتئامه. ثم استكشافه حتى لا ترى فتقا، وذلك التطخطخ ويسد الآفاق. ثم يكفهّر ويرجح فيتدانى ويستأرض أركانه ويتمكّن رجاءه وتنوس هيادبه، وتهمى أكفته، ويتعلق ريانه، ويتدحى عفا يده ويحمومي. ثم يصحار ويرج الرّعد رجا. ويتمّ البرق أتاما، وهو الوكيف من البرق. ثم ينفل ولا يزدهيه الرّيح حتى يتحيّر ويلين رعده، وبرقه يتعاون عليه
[ ٣٢٩ ]
الجنوب والصّبا بالإلقاح والإبساس. ثم ينتجفه الشّمال حتى يستقصى ما فيه، وهذا نهاية ما جاءت أوصافهم وأخبارهم وأشعارهم.
ومنها السّيق وهي كل ما طردته الرّيح وافترزته من السّحاب كان فيه ماء أو لم يكن.
والخلق ما يرجى أن يكون فيه مطر والواحدة خلقة. والصّبير من السّحاب الذي تراه متراكبا في بياض والجمع الصّبر. والسّد النّشأ الأسود ينشأ من أي أقطار السّماء شاء. قال:
تبصّر هل ترى ألواح برق أوائله على الأفعاة قود «١»
قعدت له وشيّعني رجال وقد كثر المخايل والسّدود
المخايل: واحدتها مخيلة، ويقال سحابة مخيلة وسحابة ذات مخيلة: إذا كانت خليقة بالمطر. وفي الحديث أن النّبي ﷺ كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وتغيّر، قالت عائشة:
فذكرت ذلك له، فقال: «ما يدرينا لعلّه كقوم ذكرهم الله ﵎» فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
[سورة الأحقاف، الآية: ٢٤] .
ويقال للسّحاب أيضا: الخال، فإذا أرادوا أنّ السّماء قد تغيّمت، قالوا وقد أخالت فهي مخيلة بضم الميم.
ومنها الحماء وهي السواد. والعارض: السّحابة تراها في ناحية السّماء وهو مثل الجلب، إلّا أنّ الجلب أبعد وأضيق من العارض. والعارض الأبيض والجلب أكثر ما يكون إلى السّواد. وفي السّحاب النّضد وهي مثل الصّبير وجمعه الأنضاد. والرّكام: ما تراكم بعضه على بعض، وهو مثل النّضد. ومنه الرّباب: ولا يقال لها ربابة واحدتها ربابة: وهي السّحابة الدّقيقة السّوداء يكون دون الغيم في المطر، ولا يقال لها ربابة إلا في مطر.
ومنها الرّيف: وهو أوّل السّحاب الممطر. والكنهور: السّحاب الضّخام البيض، ويقال: غمامة كنهورة وغيم كنهور. ومنه الطّخاء: وهو السّحاب الرّقاق والواحدة طخاة.
ومنه القزع: وهو السّحاب الصّغار والمتفرّق منه واحده قزعة. ومنه: نمرة: وهي الغيم الذي يرى في خلله نقاط، الواحدة نقطة والجمع نمر، ومن أمثالهم: أريتها نمرة أريكها مطرة.
ومنه الجفل: وهو كلّ سحاب ساقته الرّيح قد صبّ ماءه. والجهام: مثل الجفل واحدته جهامة. ويقال للسّحاب الذي هراق ماءه السّيقة لأنّ الرّيح تسوقه لخفته، وهذا كما يقال لما تستلينه وتستهينه: ليّن وهيّن.
[ ٣٣٠ ]
والصّراد واحدتها صرادة، وهو مثل الجفل. ومثله الرهّج: من الغيم.
ومنه السّيق والجيء: وهو الغيم في عرض السماء الغريب الحسن. ومنه الحير وهو الغيم ينشأ مع المطر فتحير في السّماء.
ومنه بنات نحر ونجر وهي سحائب يخرجن في السّحر، بين الخريف والرّبيع وهنّ سحائب غرّ طوال مشمخرّات.
ومنه الزّبرج: وهو مثل الرّهج والسّيق.
ومنه الغماء: وهو شبه الدّكان يركب رؤوس الجبال. قال:
ليلة غمّاء طامس هلالها
ومنه الضّباب، وهو شبه الدّخان والنّدى يظلّل السّماء، واحدته ضبابة، ويقال: أضبت السّماء فهي مضبّة.
ومنه الظلّة وهي أوّل سحابة تظلّل.
ومنه الطّخارير، واحدها طخرور وهو السّحاب الصّغار. والغياية: ظلّ السّحابة وقال بعضهم غياءة. قال الشّاعر:
كساع إلى ظلّ الغياية يبتغي مقيلا فلّما أن أتاها اضمحلّت
وقال: ولغة الكلابيين امضحلّت والمكفهر: السّحاب الضّخام الرّكام ويقال: عجاجة مكفهّرة، وطرّة الغيم: أبعد ما يرى من الغيم، ويقال: طرة الكلأ وطرة القف وهي ناحيتها.
ومنها: النّشاص: وهي الطّوال والواحدة نشاصة وهي الطّويلة البيضاء، وأكثر ما ينشأ من قبل العين. قال:
بل البرق يبدو في ذرى من دفائه يضيء نشاصا مكفهّر الغوارب
وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نشأت السّحابة بحريّة ثم تشامت فتلك عين غديقة» يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشّام فتلك عين غديقة أي: مطر جود. والغديق: الكثير الماء من قول الله تعالى: لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا
[سورة الجن، الآية: ١٦] .
وكذلك إذا كانت السّحابة سوداء فتلك من علامات الغيث، وفي الحديث الذي سأل فيه النّبي ﷺ: «أجون هو أم غبره؟ فقالوا: جون، فقال: جاءكم الحياء» وكذلك إذا رأى الرّباب دوين السّحاب قال:
كان الرّباب دوين السّحاب نعام تعلّق بالأرجل
[ ٣٣١ ]
وأنشد:
ومالي لا أغزو للدّهر كرة وقد نبحت نحو السّحاب كلابيا
يقول: كنت لا أغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم، وقد كثر المطر، واتّصل العشب وامتلأت الغدران. ولبعضهم:
أغر سماكي كأنّ نشاصه قطار يخات أو جبال تقلّع
تلألؤ غوريا كأنّ وميضه حريق بجزل في ضرام تشيّع
رأته عيون ممحلات تتابعت له سنوات فهو للغيث جوع
ملثّ دنا دون السّحاب سحابة من الأرض حتّى كاد بالرّاح يدفع
ويقولون: إذا رأيت السّماء كأنّها بطن أتان قمراء فذلك الجود. قال الهذلي:
يمدّ له جوالب مشعلات تخللهن أقمر ذو انغطاط
ويقال: إنّ معقر بن حماد البارقي قال لابنته، وقد سمع صوت رعد: أيّ شيء ترين؟
قالت: أرى سحابة عقاقة كأنّها حولاء، ناقة ذات هيدب دان وسيروان. قال:
وابلي بي إلى جنب قفله فإنّها لا تنبت إلّا بمنجاة من السّيل
وإذا كانت السّحاب نمرة فهي كذلك. وقال آخر في المخيلة:
دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالرّاح
فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكنّ كمن يمشي بقرواح
أي طبق الأرض، فمن كان في الارتفاع كمن هو في الاستواء، ومن كان في ظهر الصّحراء كمن في بطنها، وإذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك إمارة الجدب، ويقولون: هو هف أو جلب إذا حمر الأفق. قال:
وسوّدت شمسهم إذا طلعت بالجلب هفا كأنه الكثم
وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها لشيبان «١» أو ملحان «٢» واليوم أشهب
وقال الفرزدق يذكر قوما مسافرين:
[ ٣٣٢ ]
يغضّون أطراف العصيّ تلفّهم من الشّام حمراء الضّحى والأصائل
ومن أمثالهم: ما يضرّ السّحاب نباح الكلاب، وزعموا أنّ الكلاب تنبح السّحاب من كثرة المطر والحاجة. وفي صفة غيم المحل:
وهاج غمام مقشعر كأنّه بنيله نعل بان منها شريحها
الفضل بن عبّاس:
كأنّ سيوف فارس في ذراه وغرفا من قيان مسمعات
أقام على معاهدهنّ شهرا فأقلع وهو مهتزّ النّبات
وقال حسين بن مطير يصف المطر والسّحاب، ورواه الأصمعيّ شعرا:
كثرت لكثرة قطره أطباؤه فإذا تحلّب فاضت الأطباء
وكجوف ضرّته التي في جوفه جوف السّماء سجلّة جوفاء
وله رباب هيدب لرفيقه قبل التعنّق ديمة وطفاء
وكأنّ ريعه ولمّا يحقل ودق السّحاب عجاجة كدراء
وكأنّ بارقه حريق يلتقي وهج عليه عرفج وألاء
مستضحك بلوامع مستعبر بمدامع لم يمرها الأنداء
فله بلا حزن ودون مسرّة ضحك يؤلف بينه وبكاء
حيران منبعق صباه يقوده وجنوبه كنف له وكفاء
ودنت له نكباؤه حتّى إذا من طول ما لعبت به النّكباء
غاب السّحاب فصار بحرا كلّه وعلى البحور من السّحاب سجاء
ثقلت كلاه فبهرت أصلابه وتعجبت من مائه الأحشاء
غدق يسبّح بالأباطح قد غدت بلد السّيول وما له أفلاء
غرّ محجلة دوالح ضمّنت حمل اللّقاح وكلّها غدراء
سجم فهنّ إذا كظمن أواجم وإذا ضحكن فإنّهنّ وضاء
لو كان من لجج السّواحل ماؤه لم يبق في لجج السّواحل ماء
وحكى أحمد بن يحيى قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقيل: يا رسول الله هذه سحابة فقال ﵇: «كيف ترون قواعدها» قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكّنها. قال: «وكيف ترون رحاها»؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استدارتها. قال: «فكيف ترون بواسقها»؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استقامتها.
قال: «فكيف ترون برقها أوميضا أم خفيا أم يشق شقا»؟! فقال ﵇: «الحياء الحياء»
[ ٣٣٣ ]
قال: فقالوا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك، فقال: «وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين» قواعدها أسافلها، ورحاها وسطها، ومعظمها، وبواسقها: أعاليها. وإذا استدار فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهي أعاليها وهو الذي لا يشك في مطره وجوده، وإذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. قال ابن الأعرابي: وقال رجل من العرب وقد كبر وكان في داخل بيته، وكان بيته تحت السّماء: كيف تراها يا بني؟ قال: أراها وقد نكبت وتبهّرت، وأرى برقها أسافلها، قال: أحلقت يا بني. معنى نكبت: عدلت عن القصد، وتبهرت:
تقطّعت. والبهر حفر يكون في الأرض، والومض: أن يومض إيماضة ضعيفة ثم يخفي، ثم يومض ثم يخفي ثم يومض، وليس في هذا يأس مطر قد يكون ولا يكون. وأما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف.
ويقال: خفي كأقيد الطير واقيد الطير: نظره- ثم إغماضه ينظر نظرة- ثم يغمض- ثم ينظر نظرة- ثم يغمض. قال حميد بن ثور يصف البرق:
خفيّ كأقيد الطّير واللّيل ملبس بجسمانه والصّبح قد كاد يسطع
قال الهذلي شعرا:
فسائل سبره الشّجعيّ عنّا غداة يخالنا نجوا خبيّا