[سورة محمد، الآية: ١٦]
وفي أحرف سواه يكثر البلوى به.
قال أبو زيد: يقال: أيتنفت الكلام ايتنافا وابتدأته ابتداء أو هما واحد، وأنشد:
وجدنا آل مرّة حين خفنا جريرتنا هم الأنف الكراما
ويسرح جارهم من حيث أمسى كأنّ عليه مؤتنفا حراما
قال السّكري: الأنف: الذين يأنفون من احتمال الضيم. قال شيخنا أبو علي: فإذا كان كذا فقد جمع فعلا على فعل، لأن واحد أنف أنف بدلالة قوله:
وحمّال المئيين إذا ألمّت بنا الحدثان والأنف النّصور
ووجه هذا أنّه شبّه الصّفة بالاسم، فكسّرها تكسيره، فقالوا في جمع نمر: نمر وأنشد سيبويه: فيها عياسل أسود ونمر. وليس الأنف والأنف في البيتين ممّا في الآية في شيء، لأنّ ما في الشّعر من الأنف، وما في الآية في معنى الابتداء ولم يسمع أنف في معنى ابتداء وإن كان القياس يوجبه.
وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير جاء عن فقر والمستعمل افتقر. وكذلك شديد، والمستعمل اشتدّ، فكذلك قولك آنفا والمستعمل أيتنف،
[ ١٩٦ ]
فأما قوله: كان عليه مؤتنفا حراما، فالمعنى كان عليه حرمة شهر مؤتنف حرام، فحذف المضاف وأقام الصّفة مقام الموصوف، والتّقدير: أنّ جارهم لعزّهم ومنعتهم لا يهاج ولا يضام، فكأنّه في حرمة شهر حرام وقوله: ويأكل جارهم أنف القصاع، فإنه يريد أنّهم يؤثرون ضيفهم بأفضل الطّعام وخيره فيطعمونه أوّله لا البقايا، وما أتى على نقاوته، فهذا جمع على أنف مثل: بازل وبزل قابل وقبل. وإذا كان كذلك قرىء قراءة من قرأ: ماذا قالَ آنِفًا
[سورة محمد، الآية: ١٦] وأمّا ما روي عن ابن كثير من قوله: أنفا فمجوز أن يكون توهّمه مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه والوجه الرّواية الأخرى آنفا بالمدّ كما قرأ عامتهم.
وقال بعض أصحاب المعاني: لا يمتنع أن يكون الباب الذي قسمه كلّه من أصله واحدا وهو التقدّم، وتكون الأنفة من الأنف الذي هو الجارحة، وسمّيت به لتقدّمه في الوجه. ثم جعل ما يؤنف منه من الذّل، كإضافة الأنف وجدعه يبيّن هذا ويشهد له قولهم:
بعير أنف ومأنوف: إذا عقره في الخشاش فانقاد لما يراد منه، وفي الحديث: «المسلم هيّن ليّن إن قيد انقاد» وقد نسب الذّل إلى الأنف في كلامهم حتّى قيل: هو يحمي أنفه من كذا وهو حمي الأنف، والشاعر قال:
ولا نال أنفا منه بالذّل نائل
وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: ماذا قالَ آنِفًا
[سورة محمد، الآية: ١٦] أراد في أوّل وقت يقرب منّا، وقال الخليل: أنفت فلانا أنفا، كما تقول: الذي قبل أي قبل كأنه أراد أنفته فأنف أنفا، والمعنى حركته من أقرب وقته فابتداء هذا بيان ما رمى به الخليل. ويجوز فيه وجه آخر: وهو أن يريد ماذا قال فيما أنفه وأنفا ويكون أنفته وأنفا من باب قم قائما وأشباهه. ويكون اسم الفاعل نائبا عن المصدر، قال: وأيتنفت ايتنافا أوّل ما يبتدأ فيه، والمستأنف من الكلام والأمر كذلك.
قال أحمد: وعلى ما حرّرناه من كلام المعترض وحكاية الخليل، صحّ قراءة ابن كثير وتوجّه اختياره أنفا غير ممدود قياسا وسماعا، ولم يكن متوهّما فاعلمه.
ومن الأحرف التي نداولها قوله تعالى: وَأَدْبارَ السُّجُودِ
[سورة ق، الآية: ٤٠] هو مصدر والمصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزّمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدم الحاج، وخفوق النّجم، وخلافة فلان، يريد في ذلك كلّه وقت كذا فحذفه فكأنّه قال:
وقت أدبار السّجود، إلا أنّ المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر وهذا أدخل في باب الظّروف من قولك أدبار السّجود إذا فتحت وكأنه أمر بالتّسبيح بعد الفراغ من الصّلاة.
وقد قيل: أريد به الرّكعتان بعد المغرب، وأدبار جمع دبر ودبر وقد يستعمل ظرفا نحو: جئتك في دبر الصلاة، أي في أدبار الصّلاة، وقال شعرا:
[ ١٩٧ ]
على دبر الشّهر الحرام لأرضنا وما حولها جدت سنون تلفّع
وقوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ*
[سورة يوسف، الآية: ٢٢] أي منتهى شبابه وقوّته واحدها شدّ مثل فلس أو شد مثل فلان ودي، والقوم أودى، أو شد مثل نعمه وأنعم، ومعناه قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة واستوى معناه أربعين سنة، قالوا: وأشد اليتيم ثماني عشرة سنة. قال أبو زيد: يقال: هو الأشد وهي الأشد، وفي القرآن: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[سورة الأحقاف، الآية: ١٥] .
قال الفرّاء: الأشد هنا هو الأربعون أقرب إليه في النّسق، وأنت تقول: أخذت عامّة المال، إذ كلّه لا يكون أحسن من أن يقول: أخذت أقلّ المال، أو كلّه وأنشد المفضّل في شدّ:
عهدي به شدّ النّهار كأنّما خضب اللّبان ورأسه بالعندم
وعند أكثر أصحابنا البصريّين أنّ الأشدّ واحد، وأنّه شاذ لأنّه لم يجيء أفعل في الواحد.
وقوله تعالى: أَحْسَنُ مَقِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: ٢٤] من القائلة وهو الاستكنان في وقت انتصاف النّهار، وجاء في التّفسير لا ينتصف النّهار يوم الجمعة حتّى يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النّار في النار، فتحين القائلة، وقد فرغ من الأمر فيقيل كل من الفريقين في مقره.
السّنون التي دعا النّبي ﷺ فيها على مضر وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف» يقال: كان النّاظر منهم يرى بينه وبين السّماء دخانا من شدّة الجوع، ويقال: بل قيل للجدب دخان، حتّى قيل في قوله تعالى: بِدُخانٍ مُبِينٍ
[سورة الدّخان، الآية: ١٠] أي جدب، ليبس الأرض، وارتفاع الغبار، فشبّه ذلك بالدّخان، ومن مجازهم واتّساعهم: ارتفع له دخان إلى السّماء هذا لبشر وذلك إذا علا.
[ ١٩٨ ]