قالوا: إنّ المطر إذا وقع على الأرض اجتمعت منه المياه، فإذا صادفت مكانا إلى الانصباب ما هو جرت منه الأودية والأنهار، لأنّ المياه من شأنها طلب الحدور، فإن صادفت حواليها أرضين مرتفعة بقيت فلم تجر، فإن كانت تحتها أرض رخوة غارت أبدا إلى أن ينتهي إلى أرض أو جبل فلا يقدر على النفوذ فيقف فإذا كثرت المياه أكلت ما حولها من الأرضين اللّينة حتّى ينقب موضعها، فيخرج منه فيسمّى ذلك الموضع عينا.
وربما انتقبت من ذلك الموضع الواحد مواضع كثيرة، فجرت أنهار كثيرة وكلّها كانت أغزرا لتلك العيون. وإن كانت المياه المستنقعة كثيرة جدا لم تنقطع تلك العيون في أوّل الصّيف، وانقطعت في آخره على قدر القلّة والكثرة. وربّما كانت تلك العيون غزيرة سنين كثيرة، ثم ينقص ماؤها غير نقصان المطر وذلك أن ينتقب في جهة هذه العيون، فيخرج بعض تلك المياه إلى تلك الجهة فإن كانت تلك الجهة منفسحة المذهب دام ذلك النّقصان.
وإذا كانت تلك الجهة ليست بمنفتحة بل استقبل الماء مكانا عاليا أو جبلا تراجع الماء،
[ ٣٣٤ ]
ورجعت تلك العيون الأولى إلى ما كانت عليه، وربّما جرت الأودية والأنهار من ثلوج تقع على جبال، فإذا أصابها الحر ذابت قليلا قليلا، فجرت منها الأودية والأنهار، فإن كان ذلك الثّلج كثيرا لم تنقطع تلك الأودية والأنهار، وإن كان قليلا انقطعت.
وأما الأبحار فإنما هي من مواضع عميقة في الأرض والماء من شأنه يطلب العمق، فالمياه تنصبّ إلى تلك المواضع العميقة من الأنهار والأودية والسّيول، يستنقع فيه فما كان من ذلك الماء عذبا فإنّه يصير فوق لخفّة العذوبة وما كان منه مرّا وملحا صار إلى أسفل لثقله، فإذا مرّت الشّمس عليه رفعت ما كان منه عذبا لخفّته ولطافته، وما كان منه لطيفا جدا صار هواء، وما كان منه في اللّطافة دون ذلك صار ندى ومطرا.
فأمّا ما يقال: لم لا تستبين الزّيادة في البحار مع كثرة ما يجري فيها من الأنهار والأودية، فذلك لكثرة سعتها وإنها لا تبقى بل ترفع الشّمس لطيغها فيصير منها الذّرى والأمطار، وكذلك أيضا لأنّ الذي يعود إليها في الأودية والأنهار وربّما نقص بعض البحار في طول الأزمان أو زاد بعضها، ولكنّ ذلك لا يستبين لطول الزّمان الذي يحتاج فيه إلى أن يستبين، لأنّ ذلك لا يستبين في قدر عمر إنسان أو إنسانين.
قالوا: وإن قلنا: إنّها تزداد وتنقص، لم يبعد من قبل أنّه ليس من الواجب أن يكون البخار الصّاعد منها سواء مثل الأودية والأنهار السّائلة فيها، بل قد يكون أحدهما أكثر من الآخر، فلذلك قلنا: قد تزيد البحار وتنقص.
وأما ملوحة ماء البحر ومرارته، فلكثرة مرور الشّمس عليها فإنّ الرّطوبة إذا خالطتها الحرارة صارت مالحة، فإن أفرطت الحرارة عليها صارت مرة، ومثال ذلك العرق والبول، فإنّهما مالحان جميعا لعمل الحرارة فيهما.
[ ٣٣٥ ]