حكي باللّام والنون، وأنشد قطرب:
إني أرى لك أكلالا يقوم له من الأكولة إلّا الأزلم الجذع
قال: وبعضهم يرويه الأزنم بالنّون، فمن قال الأزنم أراد أنّ الأوقات التي يعرض فيها كالزّنمات له، تشبيها بزنمات الشّاة، وهي الزّوائد المعلّقة من حلقها ومن تحت حنكها.
ومن قال: الأزلم أراد أنّه سريع المر والتقلّب، يقال: ازلأم به إذا أخذه وعدا به مسرعا.
ومنه قوله: أم قيد فأزلم به شاء والعنن. أراد أنّه لا يسمع أن قد فات به الموت وسبق وطار.
ومنه قيل للقدح: الزّلم لخفّته في جولانه، وهذا كما قيل في صفاته قدح زلول ودروج، ومعنى الجذع أنّه لا يهرم.
وزعم الفرّاء أنّ الأصل هو الأزنم من الزنمة، وأنّ اللّام مبدلة من النّون، وحكى الخليل: أنّ الزّلم: تكون زائدة في حلق المعز فإن كانت في الأذن فهي زنمة، والنّعت إزلم وإزنم، فعلى هذا يكون المعنى فيهما على طريقة واحدة وهو ما ذكرناه من تشبيه الحوادث بالزّنمات. ويجوز أن يكون سمّى الدّهر إزلم تشبّها بالزّلم يكون من القداح لأنّها على غرار واحد. وكذلك اللّيالي والأيام تجيء على مثال واحد، ولذلك جاء في المثل: ما أشبه اللّيلة بالبارحة، فكأنّ الزّلم هي القطع والقدّ. ولذلك قيل: هو العبد زلمة أي: قدّه قدّ العبيد، ويقال: رجل مزلم أي يشبه القدح في الخفة والنفاقة.
ومن أسمائه المسند ويقال: لا أفعله آخر المسند وإلى المسند ويد المسند والمعنى إلى أن يسند الدّنيا إلى الآخرة، كان المراد آخر الوقت المسند، وإلى الوقت المسند، ويجوز
[ ٢١٤ ]
أن يكون لما أسندت الحوادث إليه لاعتقادهم به الجالب لها والسّابق سمّي مسندا، وكان يجب أن يقال: المسند إليه فحذف إليه تخفيفا. ومن أسمائه: عوض، يقال: لا أفعله عوض العائضين ودهر الدّاهرين، قال الأعشى:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا يتفرّق
و(عوض لا يتفرق) يفتح ويضم، وقد جاء عوض كلمة يقسم بها يقال: عوض لا يكون ذلك أبدا. وروي بيت الأعشى: (بأسحم داجي العوض) وفسّر على أنّ عوض كلّ شيء جوفه. ويستعمل في الزّمان، فيقال: عوض اللّيل أي مثناه.
وحكى بعضهم أنّ عوض اسم للضمّ وأنشد: (حلفت بمايرات حول عوض) وقال بعضهم: يجوز أنّ استعمالهم إيّاه في القسم من حيث كان في الأصل اسما للضم، فأمّا استحقاقه للبناء فمن حيث كان متضمنا معنى لام التّعريف، فمن فتحه فلأنّ الفتح أخفّ الحركات، ومن ضمّه فلأنّه شبّه بقبل وبعد.
قال الشّيخ: ويجوز أن يكون عوض في الأصل مصدر عاضه يعوضه عوضا وعياضا.
وجعل اسما للزّمان، والمعنى ما عوض الدّهر النّاس من أيّامه لأنّ الدّهر ليل ونهار يتعاقبان ويتعوّضان، والعوض والعياض والعوض البدل، ويقال: هو عوض لك وعياض لك أي عوض.
والمصادر تقام مقام أسماء الفاعلين والمفعولين. ومعنى العائضين النّاس المقيمون في العوض فأمّا قوله: وهل عائض منّي وإن جلّ عائض. فالمراد به هل معط للعوض منّي بمعط وإن جلّ أمره وعظم شأنه. والمعنى لا يفي عوض من الأعواض بي وإن جلّ، لأني أكون أفضل من كلّ عوض. ويقال: عضته كذا فاعتاضه، كما يقال: وهبت له كذا فاتهبه، وقضيته الدّين فاقتضاه، وعلى هذا قيل في الشيء: هذا لا يعتاض منه، وأنشد صاحب العين شعرا:
يا ليل أسقاك البريض الوامض والدّيم الغادية الفضافض
هل لك والعارض منك عائض في هجمة يعذر منها القابض
سدس وربع تحتها فرائض
أي هل لك في العارض منك على الفضل، قال: كان من قصته أنّ رجلا خطب ليلى، فقال: أعطيك مائة من الإبل يدع السّائق منها إذا ساقها بعضا لكثرتها فلا يطيق شلّها وأنا معارضك، أي معطيك الإبل مهرا، وأنا آخذ نفسك، فأنا عائض قد عضت أي صار العوض كلّه لي، فالفضل في يدي. ومنه قولهم: لا أفعله يد الدّهر، وجدى الدّهر، فمعنى يد الدّهر
[ ٢١٥ ]
أي ما كان للدّهر يد أي حكم، كما تقول: لفلان في هذا يد أي ملك وأمر، ومعنى جدى:
أي ما كان للدّهر جدى أي عطية.
ومن أسمائه الأبض وقال: في سلوة عشنا بذاك أبضا. أي دهرا. وقال بعضهم:
الأبض في الأصل جمع أباض، ويخفّف ويثّقل: وهو الحبل يعقل به البعير فإذا قلت لا أفعله أبضا. فالمعنى ما كان للدّهر سبب. قال الشيخ: أقرب من هذا أن يكون من الأبض وهو العقل والشّد كان المراد في زمان عقد علينا لا انفكاك منه. ويكون الأبض في أنه مصدر، والأبض في أنه المأبوض كالسّد والسّدة والعقد والعقدة. ويجوز أن يكون سمّي بذلك لأنّه يضعف ويقيد بالهرم، ويقال للدّابة والطّير إذا أصابه عقال فلم يسلس: إنه لموتبض النّسا وأبوض النّسا. قال:
وظلّ غراب البين مؤتبض النّسا له في ديار الجارتين نعيق
وقال أبوض النّسا بالمسمين خسوف، ولا أقبله ما اختلف الجرّة والدّرّة أي أبدا، لأنّ الدّرة إلى أسفل، والجرّة إلى فوق.
ومنه: الأبد والأبيد. ويقال: لا أقبله أبدا لأبيد، وأبد الآباد، وأبد الآبدين وأبد الأبد، وأبد الأبديّة، والمعنى إقامة الدّهر ومكثه، والإضافة فيه على طريق التأكيد. والأبد المقيم الّذي لا يبرح، وأوابد الشّعر، سمّيت أوابد لبقائها على مرّ الأيّام وأنشد شعرا:
صار لطول الدّهر من آباده كمهرق لم يبق من مداده
غير بقايا نونه وصاده قولك: أبد الآباد كقولك: دهر الدّهور، وأبد الآبدين، كدهر الدّاهرين أي دهر النّاس المقيمين في الدّهر، وأبد الآبد كدهر الدّاهر، ومن أمثالهم أتى أبد على لبد للشيء، وقد مضى وانقطع، ولبد اسم لنسر لقمان.
ومن أسمائه: الطّيل والطّول قال: وإن بليت وإن طالت بك الطّيل.
ويروى الطّول، وإنما أخذ من الطّول، ويقال: لا أكلّمك طول الدهر، وإنّما أنّث الشّاعر الطيل ردا على المعنى، كما يؤنث الألف إذا أريد به المعدودة.
ومن أسمائه: المنون، وهو من مننت أي قطعت ويقال: حبل منين: أي مقطوع، قال أبو ذؤيب:
أمن المنون وريبة تتوجّع والدّهر ليس بمعتب من يجزع
فإن قيل: ما باله ذكّر المنون وهو والمنية سواء، وأنت إذا رويتها وريبها قلت: أنّثه
[ ٢١٦ ]
لأنّه أريد المنية. قلت: المنون ويراد به الدّهر يشبه أسماء الأجناس ولذلك لا يجمع، وكما لم يجمع لم يؤنّث أيضا، وإذا أريد به المنيّة أشبه اسم الفاعل فأجري مجراه في التأنيث به لمعناه، ويقال: ما فعلته قط.
قال ابن السّكيت: فيه ثلاث (لغات: قطّ بالفتح والتّشديد وضم القاف والتّشديد وفتح القاف وتخفيف الطّاء إذا كان بمعنى الدّهر. وإذا كان بمعنى حسب فهي مفتوحة ساكنة وأصله من قططت أي: قطعت والمعنى ما فعلته قطع دهري كلّه، وأبدا في المستقبل: بمعنى قط في الماضي. ويقال: لا أفعل كذا ما سمّي ابنا سمير، يعني اللّيل والنّهار، ولا أفعله ما سمر السّمير، وهم النّاس يسمرون باللّيل وما اختلف ابنا سمير، ولا أفعله السّمر والقمر أي أبدا. وحكي: جاء بالسّمر والقمر أبو سعيد وقال: معناه بالنّور والظّلمة، كما يقال: جاء بالضّيح والرّيح، ويقال: السّمير الدّهر، وابناه اللّيل والنهار. وقيل: الغدوة والعشي. وقيل في السّمر: إنّه ظلّ القمر فضم النّهار إلى اللّيل. وقيل: السّمر الظلمة والمقيم فيه سامر.
ومنه السّامرة والسمر: حديث القوم باللّيل.
وقالوا: لا أفعله حرى وحارى دهر وحيرى دهر، بتسكين الياء. والمعنى ما حار الدّهر: أي رجع، ويجوز أن يكون من حار الدّهر يحير: أي أقام، ويقال: حيروا بهذا الموضع، أي أقيموا. قال بعضهم: ومنه سمّيت الحياة. وحكي حير الدّهر جمع حيرى، كما قيل: زنجي وزنج، وعربي وعرب.
ويقال: لا آتيك سجيس عجيس، أي الدّهر، قد يصرف فيقال: عجيس أي الدّهر، فقوله: عجيس يجوز أن يكون من عجسه أي قبضه وحبسه، ومنه معجس القوس أي مقبضه، وعجاساء اللّيل: ظلمته، لأنّها تحبس النّاس ويكون المعنى ما بقي الدّهر وحبس على أهله. ويجوز أن يكون من عجس اللّيل وعجيسه أي آخره، ومنه تعجس عن القتال وعجس: أي تأخّر فيكون المعنى: آخر الدّهر. وسجيس فعيل ويفيد الامتداد على حاله، وسج وسجسج وسجس في طريق. وفي الحديث: «نهار أهل الجنة سجسج» أي معتدل متّصل لا آفة فيه. وقال الأعشى:
قيس سجسج ساب إذا هبطت به السّهل وفي الحزن مرجلا عجلا
قال أبو عبيدة: السّجسج: اللّين المروّض، والسّاب من الأرض مسائل صغار، وكذلك السّيب، وروى أبو عمرو الشّيباني سجسا مسجا: إذا هبطت، وقال: السّجس السلس المنقاد لا يتغيّر، والمعنى: أنّ هذا البعير إذا سار في السّهل امتدّ في السّير على حاله وهو في الحزن مرجل، أي رجيل قوي المشي. ويروى مرجما ومرجلا، فعلى هذا جعل
[ ٢١٧ ]
سجيس الدّهر لامتداده وسلاسته في الاتّصال والاستمرار. ومن قال: سجيس عجيس: جعل الأول مع الثّاني كالشيء الواحد وبناءهما لتضمّن معنى حرف الجر، كان الأصل سجيسا لعجيس، فحذف حرف الجر وضمن الأوّل والثّاني معناه، ومن أضاف الأوّل إلى الثّاني كان أمره ظاهرا وقالوا: لا أكلمك آخر الأوجس، وسجيس الأوجس، أي آخر الدهر، وسجيس اللّيالي. قال تأبّط شرا:
هنالك لا أرجو حياة تسرّني سجيس اللّيالي مسبلا بالجراير
أي ما اتّصل اللّيالي وانقادت على حالة. والأوجس: جمع وجس وهو ما يحصل في النّفس من ذعر وفزع لصوت أو حركة، ومنه ترجس الوحشى، وفي القرآن: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[سورة طه، الآية: ٦٧] فكأنّه سمّي الزّمان بالحوادث المفزعة فيه أو جعل إقطاع الزّمن يجس ويحدث بمنكرات الأمور حالا بعد حال.
وذكر بعضهم الحوب في أسماء الدّهر، قال: يجمع على أحوب وأحواب وحوبة كما قالوا: عصر وعصرة، ودهر ودهرة، وغصن وغصنة، وقرد وقردة وكأنّه من الشّدة والعظم لأنّ الحوب الاثم الكبير، ويقال: يحوب الصّائح إذا اشتدّ صياحه. قال الخليل: الحوبا روح القلب، لأنّه ملاك الحي.
ومن أسماء الدّهر: المخبل، والتّخبيل الزّمانة، والخبل الفساد ويقال: خبل خابل.
قال: فأبلغ سليط اللّوم خبلا خابلا. فالخابل المفسد، وإنمّا سمّي الدّهر مخبلا، لأنّه إمّا يهرم، وإمّا يقتل. قال الحارث بن حلّزة:
فضعي قناعك إنّ ريب مخبل أفنى معدا
ويقال: لا أفعله سنّ الخبل: أي دوامه وبقاؤه، لأنّ سنّه من لحيه وليس بمركب فيه، فلا يسقط، ولا أفعله مالات العفراء بأذنابها، ويقال: الفور وهي الظّباء وما مصع الظبي بذنبه، وقال الأصمعي: الفور لا واحد له من لفظه، ولا أفعله ما جنح ابن أنان، ويقال:
لقيته أول ذات يدين أي أول شيء، وأما أوّل ذات يدين: فإنّي أحمد الله، وآثر ذي يدين، وذوات يدين أي أول ما يأذن.
والفطحل: يقال للزّمن القديم قال أبو عمر نوح زمن الفطحل، ويقولون: حين كانت الحجارة رطبة وقد مضى ذكره.
ولا آتيك هبيرة بن سعد وأبوه ابن هبيرة: أي أبدا، وقال الأصمعي: يقال في مقابلة أغببت الزّيارة، اغتمّت الزّيارة بالغين المعجمة، أي: أكثرت، قال: وقالوا كان العجّاج يغتم
[ ٢١٨ ]
أي يطيل الشّعر، ويكثر ويقال: أشوى الدّهر كذا أي تركه وهو من قولهم: فلان أكثر النّاس شواية أي بقية من قومه، وما أشوى لنا الدّهر له.
وحكى الدّريدي: لا آتيك حد الدّهر وعجيس الدّهر، وسجيس الأوجس وسجيس الحرس، وسجيس الأبض.
وحكى غير واحد جير مبنّية على الكسر، يراد به الدّهر وربما أجروها مجرى القسم، يقال جير لأفعلّن كذا أي حقّا لأفعلّن وأنشد شعرا:
ابني جير وإن عزّ رهطي بالسّويداء الغداة غريب
ومن أسماء الدّهر الخز والملاوة وقد تقدّم القول فيه، وذكر ابن الأعرابي قال أنشدني المفضّل شعرا:
وفي بني أم زبير كيس على الطّعام ما غبا غبيس
قال: الغبيس الدّهر وغبا: بقي.
الأصمعي: لا أفعل ذلك بأسوس الدّهر، أي: أبدا، وهذا كأنّه من قولهم في ترك اللقاء: لا آتيك ما أيس عبد بناقة، وهو أن يقول: بس بس يسكن منها للحلب، ويقال: ما زال على أست الدّهر محنونا، وعلى أسن الدّهر. ويقال: تركته بأست الدّهر، أي ولا شيء معه، وتركته بأسمر المتن: وهو متن الأرض: أي الصّحراء الواسعة. ولقيت منه أست الكلبة أي: ما كرهته، وهو أمنع من أست النّمر: للّذي لا يطلق الدنوّ منه لمناعته.
قال أبو حاتم: الدّهر سبات: أي أحوال مختلفة: سبة حرّ، وسبة برد، وسبة روح، وسبة دفيء. ويقال: أصابتنا سبة من برد أي لأشد ما يكون من القر فإن أصابك برد في آخر الرّبيع قلت: أصابتنا سبة من الرّبيع وأصابتنا سبة من حرّ وهي مثل الوقدة في نحو من عشرة أيام أو أكثر.
وحكى بعضهم: الأعرم: الدّهر، لأنّ فيه نوائب وصروفا متلوّنة، ويقال: عرم الصّبي: يعرم إذا أتى بألوان من الغيث، ويقال للأفاعي: العرم، لأنّ فيها نقطا تخالف لونها وأنشد: رؤوس الأفاعي في مساربها العرم.
فأمّا قوله: حياكه وسط القطيع الأعرم، فإنمّا يعني أنّ بعضه ما عز وبعضه ضأن، ويقال: لا أفعل ذاك حتى تحنّ الضّب في إثر الإبل الصّادرة، ولا أفعله حتى يبيض القار، ولا أفعله ما أبس عبد بناقة، وإبساسه: تحريك شفتيه. ولا أفعله ما هدهد الحمام. ولا أفعله ما صلّى على النّبي مصلّ، وما دعا الله داع. ولا أفعله ما حلب حالب أضرع الدّهر.
[ ٢١٩ ]