استخرجناه من كتاب سيبويه يستغرب أكثر ما فيه ونختم به الكلام في الأماكن والأوقات ويتّصل به ذكر شيء من الخلاف بيننا وبين الكوفيين إذا تأمّل انشرح به كثير من هذا الباب.
قال سيبويه: يقول هو ناحية من الدّار وداره ذات اليمين وأنشد لجرير:
هبّت حنونا فذكرى ما ذكرتكم عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا
قال: وسمعت بعض العرب ينشد:
سرى بعدما غار الثّريا وبعدما كأنّ الثّريا حلّة الغور منخل
فانتصاب هذه الأحرف كانتصاب قولك هو قصدك قال: وسمعنا ممن يوثق به من العرب هما خطان جنابتي أنفها يعني الخطين اللّذين اكتنفا جنبي أنف الظّبية. قال الأعشى:
[ ٢٢٧ ]
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية جنبى فطيمة لا ميل ولا عزل
ويقال: زيد جنب الدار، وجانب الدار، وقالوا: هم حوله وأحواله وحياله وحواليه وهم جنابه وجنابيه وقطريه وأقطاره. وأنشد لأبي حية النّميري:
إذا ما تغشّاه على الرّحل جنبتي مساليه عنه من وراء ومقدم
يعني بمساليه عطفيه فهو بمنزلة جنبي فطيمه. وكقولهم: هو وزن الجبل أي ناحية منه، وهو زنة الجبل، وقولك أقطار البلاد فإن جعلت الآخر هو الأوّل رفعته وأردت به الثّقل أعني الوزن والزّنة. ومن ذلك قول العرب: هو موضعه أي في موضعه كما قالوا: هو صددك وسقبك أي قربك. وتقول كيف أنت إذا أقبل قبلك ويجيء نحوك قال: كيف أنت؟ إذا أريدت ناحيتك، وكيف أنت إذا أقبل التّعب الرّكاب جعلهما اسمين. والنقب الطّريق في الجبل والمراد بقوله جعلهما اسمين، أي لم يجريا على المصدر فهو بمنزلة قولهم هو قريب منك، فإن شئت قلت: هو قريبا وهل قريبا منك أحد. قال: ومما لا يحسن أن يكون ظرفا قولك: جوف المسجد، وداخل الدّار، وخارج الدار وذلك لمفارقتها خلف وقدّام وما أشبههما مبهمة.. والمختصّ من أسماء الأماكن لا يكون ظرفا. قال وممّا شبّه من الأماكن المختصة بالمكان قولهم: هو منّي منزلة الشّغاف وهو منّي مزجر الكلب وأنت مقعد القابلة.
قال فوردن والعيّوق مقعد رأي الضّربا.
وقال آخر:
وإنّ بني حرب كما قد علمتم مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها
وقال: هو منّي معقد الإزار، وهم درج السّيل قال ابن هرمة:
انصب للمنيّة لقربهم رجالي أم هم درج السّيول
وكل هذا وأشباهه وضعت مواضع القرب والبعد فلذلك استجيز فيها على اختصاصها وقوعها ظرفا قال: فاستعمل هذا ما استعمله العرب وأجيز منه ما أجازوه قال: وزعم يونس أنّ بعضهم قال: هو منّي مزجر الكلب، فرفع جعله بمنزلة مرأى ومسمع. ويجعل الآخر هو كالأوّل. فأمّا قولهم: داري خلف فرسخا فكأنّه لما قال داري خلف دارك، وهو مبهم فلم يدر ما قدر ذلك فقال: فرسخا وذراعا.
وزعم يونس أنّ أبا عمرو كان يقول: داري من خلف دارك فرسخان، كما تقول: أنت منّي فرسخان وفرسخين. قال فأمّا قولهم: اليوم الأحد واليوم الاثنان وكذلك إلى الخميس فلأنّها ليست يعمل فيها أراد أن يفرّق بينها وبين السّبت والجمعة فتقول اليوم خمسة عشر من
[ ٢٢٨ ]
الشهر، إذا أردت أنّ اليوم تمام خمسة عشر- ومن العرب من يقول: اليوم يومك، فيجعل اليوم الأوّل بمنزلة الآن، لأنّ الرّجل قد يقول: أنا اليوم أفعل كذا ولا يريد يوما بعينه.
واتّفق الكوفيّون والبصريّون على أنّ قول القائل: خلفك وقدّامك وما أشبههما من الأماكن العامة ظروف في الإضافة، واختلفوا فيها إذا أفردت، فقال البصريّون: هي ظروف على ما كانت في حال الإضافة.
وقال الكوفيّون: إذا أفردت صارت اسما فقولك زيد خلفا وقداما عند البصريّين ظرف. وعند الكوفيّين زيد خلف على معنى متأخر، وقدّام بمعنى متقدّم، وكذلك إذا قلت:
قام زيد خلفا نصبته على الظّرف عند البصريّين. والكوفيّون يقولون: تقديره تقدير الاسم الذي هو حال كأنّه قال: قام متأخرا وكذلك إذا قلت: قام مكانا طيبا يكون ظرفا.
والكوفيّون يقولون: ناب عن قولك مترفا ومعتبطا، وإنمّا يحتاج إلى الإضافة عندهم لأنّه يكون خبرا عن الاسم، كما يكون الفعل خبرا في الوقت، زيد يذهب فلمّا كان الفعل يحتاج إلى فاعل ويتّصل به أشياء يقتضيها من المصدر والمكان والزّمان والمفعول ألزموا المحلّ للإضافة ليسدّ المضاف إليه مسدّ ما يطلبه الفعل ويدلّ عليه.
وقال البصريّون: إنما الإضافة لتعيين الجهة والتّعريف. والأصل هو التّنكير وإنّما التّعريف داخل عليه. وأجمع الفرقتان على أنّ الوقت يرفع وينصب إذا كان خبر المرفوع مبتدأ في حال تعريف الوقت وتنكيره. فالتّعريف قولك: القتال يوم الجمعة واليوم. وإن شئت قلت: اليوم ويوم الجمعة. والتّنكير كقوله: (زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا) وغد.
فالتّقدير في الرّفع وقت القتال اليوم فحذف المضاف والنّصب بإضمار فعل كأنّك قلت:
القتال وقع اليوم، وإذا كان الفعل مستغرقا للوقت كلّه- فالبصريّون يجيزون فيه النّصب على الظّرف، كما يجيزونه في غير المستغرق ويدخلون عليه (في) .
والكوفيّون لا يجيزون فيه النّصب وهذا غلط، ويجعلونه خبرا هو الأوّل، ولا يدخلون في تقول صيامك يوم الخميس، والصّوم يستوعب اليوم ويجوز في قولهم: صمت في يوم الخميس. والكوفيّون لا يجوّزون النّصب ويمنعون من إدخال (في) لأنّها عندهم: توجب التّبعيض، والصّوم يستوعب اليوم. وقولهم فاسد لأنّ (في) لا يمتنع دخولها على زمان الفعل وإن قلّ، ويقول: كلّمت في القوم أجمعين، فيدخل (في) وقد استوعبتهم الكلام، وامتنع الكوفيون من زيد خلفك أشد منع حتّى قال بعضهم في قوله: ألا جبرائيل أمامها إنّ ذلك إنمّا جاز لأنّ جبرائيل لعظم خلقه يملأ الأمام كلّه، وهذا في التّحصيل خطأ لأنّ الأمام لا نهاية له، وكذلك سائر الجهات. وأجازوا ذلك في أخبار الأماكن فقالوا: داري خلفك ومنزلي أمامك، وعلى هذا حمل ثعلب قول لبيد: خلفها وأمامها وإذا تأملت فلا فصل.
[ ٢٢٩ ]